الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
138 -
باب الجهاد بإذن الأبوين
[حديث جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال أحي والداك]
114 -
[3004] حدثنا آدم: حدثنا شعبة: حدثنا حبيب بن أبي ثابت قال: "سمعت أبا العباس الشاعر - وكان لا يتهم في حديثه - قال: سمعت عبد الله بن عمرو (1) رضي الله عنه يقول: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال: "أحي والداك؟ " قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد» (2). وفي رواية: ". . «قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أجاهد؛ قال: "ألك أبوان؟ " قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد» (3).
الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
أهمية الشورى مع الإمام أو العلماء والدعاة.
2 -
حرص الصحابة رضي الله عنهم على الجهاد في سبيل الله عز وجل.
(1) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل، الإمام الحبر العالم، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن صاحبه، قيل: أسلم قبل أبيه، وقيل: كان اسمه العاص، فلما أسلم غيره النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله، وقد حمل عن النبي صلى الله عليه وسلم علما جمًا، روى أحاديث كثيرة، وأسند منها سبعمائة حديث، اتفق البخاري ومسلم على إخراج سبعة منها، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين، وعدد أحاديثه في المسند ستمائة وستة وعشرون حديثًا (626) انظر: المسند 2/ 158، وكان رجلا عابدا داعيا إلى الله تعالى، وذلك بنقل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبليغها للناس، وكان رضي الله عنه قدوة حسنة لمن رآه أو سمع عنه من المسلمين، فكان يصوم يوما ويفطر يومًا، ويقرأ القرآن في كل سبع، وقيل في كل ثلاث، وكان يقوم الليل، وغير ذلك من الأعمال المباركة التي كان فيها أسوة حسنة لمن سمع به أو رآه رضي الله عنه، وكان بينه وبين أبيه في السن اثنتا عشرة سنة، وقيل: إحدى عشرة، وكان أكثر الناس أخذا للحديث والعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال أبو هريرة رضي الله عنه:"ما كان أحد أكثر حديثًا مني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب"، وإنما قلت الرواية عنه مع كثرة ما حمل؛ لأنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلا، بخلاف أبي هريرة؛ فإنه استوطن المدينة، وهي مقصد المسلمين من كل جهة، مات رضي الله عنه سنة ثلاث وستين، وقيل: خمس وستين، وقيل: ثمان وستين، وقيل: تسع وستين، عن عمر بلغ اثنتين وسبعين سنة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي 1/ 281، وسير أعلام النبلاء للذهبي 3/ 79 - 95، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، 2/ 351.
(2)
[الحديث 3004، طرفه في كتاب الأدب، باب لا يجاهد إلا بإذن الأبوين، 7/ 92، برقم 5972. وأخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، 4/ 1975، برقم 2549.
(3)
الطرف رقم 5972.
3 -
أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه.
4 -
من أساليب الدعوة: السؤال والجواب.
5 -
من موضوعات الدعوة: الحض على بر الوالدين.
6 -
من أساليب الدعوة: الترغيب.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولًا: أهمية الشورى مع الإمام أو العلماء والدعاة: إن الشورى لها أهمية بالغة؛ لما لها من المنافع والفوائد الدينية والدنيوية، ومما يوضح أهمية ذلك ما فعله هذا الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، ويستشيره في ذلك، قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:«جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال: "أحي والداك؟» وفي رواية: «قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أجاهد؟ قال: "لك أبوان؟ " قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهد» فدل ذلك على أهمية الشورى وعظم مكانتها، وأن المستشار مؤتمن، فيتأكد عليه أن يشير بالنصيحة الخالصة (1).
فينبغي للداعية أن يعتني بالشورى عناية فائقة؛ لما فيها من جلب المنافع ودفع المضار وزيادة الأجر؛ ولهذا حصل لهذا السائل بالشورى أفضل من جهاد التطوع الذي جاء في طلبه (2) وهذا يؤكد أهميتها (3) وأن الإنسان العاقل لا يستبد برأي نفسه في الأمور المهمة حتى يستشير من هو أعرف منه بهذا الأمر (4).
ولا شك أن الداعية أو غيره ممن يستشار يتأكد عليه أن يتأنى ويتعرف على أحوال المستشير؛ ليقدم إليه الشورى السديدة؛ قال الإمام ابن أبي جمرة رحمه الله: "فيه دليل على أن المستشار يسأل عن أحوال المستشير حتى يعلمها وحينئذ يشير عليه بما هو الأصلح في حقه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما استشاره هذا الصحابي هل يخرج للجهاد أم لا؟ سأل عن حاله في قوله صلى الله عليه وسلم: «أحي والداك؟» حتى علم
(1) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 16/ 339، وفتح الباري لابن حجر، 6/ 141.
(2)
انظر: فتح الباري لابن حجر، 6/ 141.
(3)
انظر: الحديث رقم 11، الدرس الرابع، ورقم 64، الدرس الثالث، ورقم 108، الدرس الرابع عشر.
(4)
انظر: بهجة النفوس، لعبد الله بن أبي جمرة 3/ 146.
ما هو الأقرب في حقه بالنسبة إلى حاله، فأرشده إليه" (1).
ثانيًا: حرص الصحابي رضي الله عنه على الجهاد في سبيل الله عز وجل: إن الصحابة رضي الله عنهم أفضل الناس وأحرص الخلق على الخير والرغبة فيما عند الله عز وجل؛ ولهذا جاء هذا الرجل يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فقال:«أجاهد؟» فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: «أحي والداك؟» قال: نعم، فدله النبي صلى الله عليه وسلم على أفضل من جهاد التطوع فقال:«ففيهما فجاهد» أي خصصهما بجهاد النفس في رضاهما (2).
وهذا كله يدل على حرص هذا الصحابي رضي الله عنه على الأفضل؛ وقد بين ابن حجر رحمه الله: أن هذا الرجل استفصل ". . . عن الأفضل في أعمال الطاعات ليعمل به؛ لأنه سمع فضل الجهاد فبادر إليه، ثم لم يقنع حتى استأذن فيه فدل على ما هو أفضل منه في حقه"(3). فينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية إلى الله عز وجل أن يكون حريصا على فعل الطاعات دائما حتى يأتيه اليقين، والله المستعان وعليه التكلان.
ثالثًا: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: إن السؤال عما أشكل من أمور الدين أمر مهم؛ لأنه يفتح للإنسان باب العلم والمعرفة؛ وقد ظهر في هذا الحديث أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله بقوله: "أجاهد؟ " ثم أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد في بر والديه؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ولولا السؤال ما حصل له العلم بذلك "(4). فينبغي للمسلم أن يسأل عما أشكل عليه حتى يحصل له العلم النافع، ويرتفع عنه الجهل (5).
(1) بهجة النفوس، 3/ 146.
(2)
انظر: فتح الباري لابن حجر، 6/ 140.
(3)
المرجع السابق 6/ 140.
(4)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري 6/ 140.
(5)
انظر: الحديث رقم 8، الدرس الأول، ورقم 19، الدرس الرابع، ورقم 30، الدرس الرابع.
رابعًا: من أساليب الدعوة: السؤال والجواب: لا ريب أن من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله عز وجل أسلوب السؤال والجواب؛ وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل في هذا الحديث فقال: «أحي والداك» ؟ " فلما أجابه الرجل بنعم قال له صلى الله عليه وسلم: «ففيهما فجاهد» .
فينبغي للداعية أن يسأل بعض المدعوين ليختبر ما عندهم ثم يجيبهم بالجواب الصحيح كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل مع بعض المدعوين (1).
خامسًا: من موضوعات الدعوة: الحض على بر الوالدين: إن الحث على بر الوالدين من أهم المهمات، وأعظم القربات، ولهذه الأهمية العظيمة قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن استأذنه في الجهاد:«أحي والداك؟» قال: نعم، قال:«ففيهما فجاهد» قال ابن حجر رحمه الله: "أي إن كان لك أبوان فبالغ جهدك في برهما والإحسان إليهما؛ فإن ذلك يقوم مقام الجهاد"(2)؛ لأن المراد بالجهاد في الوالدين: بذل الجهد والوسع والطاقة في برهما؛ ولأهمية ذلك بينً العلماء أنه لا يجوز الخروج للجهاد إلا بإذن الأبوين بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، فإن تعين الجهاد وكان فرض عين فلا إذن؛ لأن الجهاد أصبح فرضا على الجميع: إما باستنفار الإمام، أو هجوم العدو على البلاد، أو حضور الصف (3).
وبر الوالدين ملزم به كل مسلم ومسلمة، وهو من أعظم الطاعات وأوجب الواجبات لعدة أدلة منها:
1 -
قرن الله حق الوالدين والإحسان إليهما بعبادته سبحانه وتعالى كما قرن شكرهما بشكره؛ لأنه الخالق وحده، وقد جعل الوالدين السبب الظاهر
(1) انظر: الحديث رقم 58، الدرس الثالث، ورقم 110، الدرس الرابع.
(2)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 10/ 4. 3.
(3)
وانظر: شرح مشكل الآثار للطحاوي 5/ 563، ومعالم السنن للخطابي، 3/ 378، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي 6/ 509.
في وجود الولد، وهذا يدل على شدة تأكد حقهما والإحسان إليهما قولًا وفعلًا؛ لأن لهما من المحبة للولد والإحسان إليه في حال صغره وضعفه ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر.، وتحريم أدنى مراتب الأذى: وهو التضجر أو التأفف من خدمتهما، وزجرهما بالكلمة العالية، أو نفض اليد عليهما، وقد جاء حق الوالدين مقرونة بعبادة الله عز وجل في آيات كثيرة (1) منها قوله عز وجل:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36](2). وقال سبحانه وتعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الأنعام: 151](3). وقال عز وجل: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23](4) وقال عز وجل: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14](5).
2 -
بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك ورتبه بثم التي تعطي الترتيب والمهلة (6) فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؛ قال: "الصلاة لوقتها" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "ثم بر الوالدين" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "ثم الجهاد في سبيل الله» (7).
3 -
بر الوالدين يرضي الرب عز وجل، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«رضى الرب في رضى الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد» (8).
4 -
بر الوالدين يدخل الجنة، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول
(1) انظر: تفسير ابن كثير، 3/ 35، وفتح القدير للشوكاني، 3/ 218، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، 4/ 275، وأضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للشنقيطي 3/ 497.
(2)
سورة النساء، الآية:36.
(3)
سورة الأنعام، الآية:151.
(4)
سورة الإسراء، الآية:23.
(5)
سورة لقمان، الآية:14.
(6)
انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 10/ 243.
(7)
متفق عليه: البخاري برقم، 527، ومسلم برقم 85، وتقدم تخريجه في الحديث رقم 19، الدرس الثالث، ص 168.
(8)
الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء من الفضل في رضى الوالدين، 4/ 310 برقم 1899، والحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي 4/ 152، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 2/ 29، برقم 516، وفي صحيح الأدب المفرد ص 33، برقم 2.
الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه» (1) وعن معاوية بن جاهمة رضي الله عنهما «أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك فقال صلى الله عليه وسلم: "هل لك من أم؟ " قال؛ نعم. قال: "فالزمها فإن الجنة تحت (2) رجليها» (3).
5 -
دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على من لم يبر والديه عند الكبر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رغم أنفه (4) ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه" قيل: من يا رسول الله؟ قال: "من أدرك والديه عند الكبر: أحدهما، أو كليهما ثم لم يدخل الجنة» (5) قال الإمام القرطبي رحمه الله: "وهذا دعاء مؤكد على من قصر في بر أبويه، ويحتمل وجهين: أحدهما أن يكون معناه: صرعه الله لأنفه فأهلكه، وهذا إنما يكون في حق من لم يقم بما يجب عليه من برهما. وثانيهما أن يكون معناه: أذله الله؛ لأن من ألصق أنفه - الذي هو أشرف أعضاء الوجه - بالتراب - الذي هو موطئ الأقدام وأخس الأشياء - فقد انتهى من الذل إلى الغاية القصوى، وهذا يصلح أن يدعى به على من فرط في متأكدات المندوبات، ويصلح لمن فرط في الواجبات، وهو الظاهر، وتخصيصه عند الكبر بالذكر - وإن كان برهما واجبًا على كل حال - إنما كان ذلك لشدة حاجتهما إليه؛ ولضعفهما عن القيام بكثير من مصالحهما، فيبادر الولد اغتنام فرصة برهما؛ لئلا تفوته بموتهما فيندم على ذلك"(6).
(1) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء من الفضل في رضى الوالدين، وقال؛ هذا حديث صحيح 4/ 311، برقم 1900، وقال عبد القادر الأرنؤوط وهو كما قال. انظر: تحقيقه لجامع الأصول، 1/ 404.
(2)
أي نصيبك من الجنة لا يصل إليك إلا برضاها، وكأنه لها وهي قاعدة عليه فلا يصل إليك إلا من جهتها. انظر: حاشية السندي على سنن النسائي، 6/ 11.
(3)
النسائي، كتاب الجهاد، باب الرخصة في التخلف لمن له والدة، 6/ 11، برقم 3104، وأحمد في المسند، 3/ 429، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي 4/ 151، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 138: (رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات" وحسنه عبد القادر الأرنؤوط في جامع الأصول، 1/ 453.
(4)
رغم أنفه: أي لصق أنفه بالرغام وهو التراب المختلط برمل شرح النووي على صحيح مسلم 16/ 344.
(5)
صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، باب رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر فلم يدخل الجنة، 4/ 1978، برقم 2551.
(6)
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 6/ 518.
وقد خص الله حالة الكبر للوالدين بمزيد من الأمر بالإحسان، والبر، والعطف، والشفقة والرحمة؛ لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره؛ لتغير الحال عليهما بالضعف، والكبر، فألزم سبحانه وتعالى في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل؛ لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلا عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه؛ ولهذا خص هذه الحالة بالذكر، وأيضًا فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة، ويحصل الملل، ويكثر الضجر، فيظهر غضبه على أبويه، وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما لقلة دينه وضعف بصيرته، وأقل المكروه ما يظهر بتنفسه المتردد من الضجر، وقد أمر الله أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة وهو السالم عن كل عيب (1) فقال عز وجل:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23](2) وأمره الله عز وجل أن يتواضع لهما ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة احتسابا للأجر لا للخوف منهما، وأمره عز وجل أن يدعو لهما بالرحمة أحياءً وأمواتا، جزاءً على تربيتهم وإحسانهم، فقال عز وجل:{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24](3) 6 - بين رسول الله عز وجل بما يجزي الولد والده، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» (4). وعن أبي بردة أنه شهد: «ابن عمر رضي الله عنهما، ورجل يماني يطوف بالبيت، حمل أمه وراء ظهره يقول:
إني لها بعيرها المذلل
…
إن أذعرت ركابها لم أذعر
ثم قال: يا ابن عمر، أتراني جزيتها؛ قال: "لا، ولا بزفرة واحدة» (5).
(1) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 10/ 246.
(2)
سورة الإسراء، الآية:23.
(3)
سورة الإسراء، الآية:24.
(4)
مسلم، كتاب العتق، باب فضل عتق الوالد، 2/ 1148، برقم 1510.
(5)
الأدب المفرد للبخاري، 1/ 62 برقم 11، وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد 1/ 36:"صحيح الإسناد".
7 -
من بر الوالدين والإحسان إليهما أن لا يتعرض لسبهما، ولا يعقهما ولا يكون سببا في شتمهما، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«من الكبائر شتم الرجل والديه" قالوا يا رسول الله، هل يشتم الرجل والديه؟ قال: "نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» (1) وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثا (2) ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غير منار الأرض» (3).
8 -
بر الوالدين وإن كان فرضًا فإنه يتفاوت في الأحقية، فالأم عانت صعوبة الحمل، وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاع والتربية، فهذه ثلاث منازل تمتاز بها الأم (4) «فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ (5) قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك» (6) وفي رواية لمسلم: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك» (7).
9 -
من تمام البر صلة أهل ود الوالدين، فعن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال عبد الله بن دينار: أصلحك الله إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أبر
(1) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، 7/ 92، برقم 5973، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، 1/ 92، برقم 90، ولفظ البخاري "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه" الحديث.
(2)
المحدث من يأتي بفساد في الأرض، ومنار الأرض: علامات حدودها، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 13/ 150.
(3)
صحيح مسلم، كتاب الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله، 3/ 1567، برقم 1978.
(4)
انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 15/ 244.
(5)
صحابتي هنا بمعنى: الصحبة. انظر "شرح النووى على صحيح مسلم 16/ 337.
(6)
متفق علبه: البخاري، كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، 7/ 91، برقم 5971، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، 4/ 1974، برقم 2548.
(7)
رواية للحديث السابق عند مسلم، في الكتاب والباب السابقين، 4/ 1974.
البر صلة الولد أهل ود أبيه " (1) ومن الأعمال الطيبة المباركة التي يوصل بها الوالدان بعد موتهما: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما (2).
10 -
بر الوالدين لا يختص بأن يكونا مسلمين، بل حتى ولو كانا كافرين، يبرهما ويحسن إليهما قال الله عز وجل:{وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15](3). «وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: أتتني أمي راغبة (4) في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم: أأصلها؟ قال: "نعم» قال ابن عيينة فأنزل الله تعالى فيها: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} [الممتحنة: 8](5). ومن أعظم البر دعوتهما إلى الله عز وجل وتعليمهما ما ينفعهما؛ لأنهما أحق الناس بالتوجيه مع الرفق والرحمة.
11 -
من عظم حقهما قرن النبي صلى الله عليه وسلم عقوقهما بالشرك بالله عز وجل، فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " ثلاثًا. قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين" وجلس وكان متكئا فقال: "ألا وقول الزور" فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت» (6) وعن أنس رضي الله عنه قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور» (7).
(1) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل صلة أصدقاء الأب والأم ونحوهما، 4/ 1979، برقم 2552.
(2)
انظر: الحديث رقم 8، الدرس الرابع.
(3)
سورة لقمان، الآية:15.
(4)
راغبة: أي طامعة تسأل. انظر: جامع الأصول لابن الأثير، 1/ 406.
(5)
متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب صلة الوالد المشرك، 7/ 94، برقم 5978، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين، 2/ 996، برقم 1503، والآية من سورة الممتحنة:8.
(6)
متفق عليه: البخاري، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، 2/ 254، برقم 2654، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الكبائر وأكبرها، 1/ 91، برقم 87.
(7)
متفق عليه: البخاري، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، 3/ 204، برقم 2653، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الكبائر وأكبرها، 1/ 91، برقم 88.
12 -
دعوة الوالدين مستجابة؛ ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا عابدًا، وكان في صومعة له، فأتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج أنا أمك كلمني، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، وفي اليوم الثاني كذلك فأقبل على صلاته، وفي اليوم الثالث أتته، فقال: رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته، قالت:"اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات" فاستجاب الله دعاءها فبهتته بغي من بني إسرائيل حامل من الزنا، وقالت: هو الذي فعل بها، فعذب وهدمت صومعته، وأخيرًا أنجاه الله بعد العقوبة العاجلة (1).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم "(2).
13 -
ولعظم حقهما أكرم الله من برهما بإجابة دعواته، ومن ذلك حديث الثلاثة الذين انحدرت عليهم صخرة عظيمة فأغلقت عليهم باب الغار؛ فإن منهم رجلًا كان برًا بوالديه، فتوسل بذلك العمل الصالح فاستجاب الله دعاءه (3) ومن ذلك إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل التابعين وأنه لو أقسم على الله لأبره، والسبب أن له والدة هو بها بر (4).
فينبغي للداعية أن يحض الناس ويحثهم على بر الوالدين، ويحذرهم من العقوق والقطيعة؛ فإن تعليم الناس ما ينفعهم مما أوجب الله عليهم من أهم الواجبات والله المستعان.
(1) انظر: صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا) 4/ 168، برقم 3436، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها، 4/ 1976، برقم 2550.
(2)
أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء بظهر الغيب، 2/ 89، برقم 1536، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في دعوة الوالدين، 4/ 314، برقم 1905، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب دعوة الوالد ودعوة المظلوم، 2/ 1270، برقم 3862 وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد للبخاري ص 43، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 2/ 147، برقم 596.
(3)
متفق عليه: انظر: البخاري، كتاب البيوع، باب إذا اشترى شيئًا لغيره بدون إذنه فرضي، 3/ 50، برقم 2215، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، والتوبة والاستغفار، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال، 4/ 2099 برقم 2743.
(4)
مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أويس القرني، 4/ 1968 برقم 2542.
سادسًا: من أساليب الدعوة: الترغيب: إن الترغيب من الأساليب المهمة التي تجذب قلوب المدعوين؛ وقد ظهر هذا الأسلوب في قول النبي صلى الله عليه وسلم «للرجل الذي يستأذن في الجهاد: " أحي والداك؟ " قال: نعم. قال: " ففيهما فجاهد» فدل ذلك على فضل بر الوالدين وأنه أفضل من جهاد التطوع في سبيل الله عز وجل، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وفي هذا الحديث فضل بر الوالدين، وتعظيم حقهما، وكثرة الثواب على برهما"(1) وهذا يوضح للداعية إلى الله عز وجل أهمية الترغيب وأثره (2).
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 6/ 141.
(2)
انظر: الحديث رقم 7، الدرس الرابع عشر، ورقم 8، الدرس الرابع.