الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[حديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأهلية]
177 -
[3155] حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا عبد الواحد: حدثنا الشيباني قال: «سمعت ابن أبي أوفى (1) رضي الله عنهما يقول: "أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها، فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئا"، قال عبد الله: فقلنا إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها لم تخمس. قال: وقال آخرون حرمها ألبتة. وسألت سعيد بن جبير فقال: حرمها ألبتة.» (2).
وفي رواية: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر» (4).
* شرح غريب الحديث: * العذرة: فناء الدار وناحيتها، ويطلق على الغائط الذي يلقيه الإنسان؛ لأنهم كانوا يلقون الغائط في أفنية الدور فسمي بالعذرة (5).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
من تاريخ الدعوة: ذكر زمن وقعة خيبر.
2 -
من القواعد الدعوية: الأصل في الأشياء الإباحة.
3 -
أهمية تفقد الإمام أحوال رعيته.
(1) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: 3.
(2)
[الحديث 3155] أطرافه في: كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، 5/ 93، برقم 4220 و 4222 و 4224 وكتاب الذبائح والصيد، باب لحوم الحمر الإنسية، 6/ 286، برقم 5526. وأخرجه مسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحوم الحمر الإنسية، 3/ 1538، برقم 1937.
(3)
من الطرف رقم: 4220.
(4)
من الطرف رقم: 5526.
(5)
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع الذال، مادة:"عذر" 3/ 199.
4 -
من سنن الله عز وجل: الابتلاء والامتحان.
5 -
أهمية الإسراع في تغيير المنكر وإزالته إذا ظهر.
6 -
من موضوعات الدعوة: بيان تحريم الحمر الأهلية.
7 -
من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى.
8 -
من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من تاريخ الدعوة: ذكر وقت غزوة خيبر: ظهر في هذا الحديث الإشارة إلى غزوة خيبر في قول عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه: «أصابتنا مجاعة ليالي خيبر» ، ولا شك أن غزوة خيبر كانت بعد غزوة الحديبية، فبعد أن رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الحديبية في نهاية السنة السادسة للهجرة، غزا غزوة خيبر في السنة السابعة على قول الجمهور، وقد نصر الله عز وجل رسوله وأصحابه على اليهود، وغنموا غنائم كثيرة (1).
ثانيا: من القواعد الدعوية: الأصل في الأشياء الإباحة: ظهر في هذا الحديث أن من القواعد الدعوية أن الأصل في الأشياء: من المآكل والمشارب، وأصناف الملابس: هو الإباحة، ولهذا أخذ الصحابة بهذا الأصل في غزوة خيبر، فأكلوا الحمر الإنسية؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله أثناء ذكره لفوائد هذا الحديث:"الأصل في الأشياء الإباحة، لكون الصحابة أقدموا على ذبحها وطبخها، كسائر الحيوان، من قبل أن يستأمروا، مع توفر دواعيهم على السؤال عما أشكل "(2) وهذا يؤكد للداعية أن الأصل في العادات الإباحة؛ لأن الله خلق لنا جميع ما على الأرض، لننتفع به بجميع أنواع الانتفاعات، إلا ما حرمه الشارع علينا، أما العبادات فالأصل فيها الحظر إلا ما ورد عن الشارع تشريعه (3).
(1) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، 3/ 316.
(2)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 9/ 656.
(3)
انظر: الإحكام في أصول الأحكام لأبي محمد علي بن حزم 1/ 47، وإحكام الفصول في أحكام الأصول، للوليد بن سليمان بن خلف الباجي ص 681، وفتاوى ابن تيمية 1/ 342، ورسالة مختصرة في أصول الفقه، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ص 131، والقواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة له، ص 23.
فينبغي للداعية أن يراعي الأصول والضوابط الشرعية حتى لا يأمر بشيء أو ينهى عن شيء والحق خلافه؛ ولهذا قال العلامة السعدي رحمه الله:
والأصل في عاداتنا الإباحة
…
حتى يجيء صارف الإباحة
وليس مشروعا من الأمور
…
غير الذي في شرعنا مذكور (1)
ثالثا: أهمية تفقد الإمام أحوال رعيته: إن تفقد الإمام أو الأمير أحوال رعيته من الأمور المهمة، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم، بتفقده لأحوال أصحابه علم بأن بعضهم نحر الحمر وطبخها فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما:". «. . فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئا»؛ ولهذا قال الإمام عبد الله بن أبي جمرة رحمه الله: "وفيه دليل على كثرة مشاهدته عليه [الصلاة] والسلام لشأن أصحابه، وما يزيد عليهم وما ينقص، والسؤال عن جميع أحوالهم، فعلى هذا فيجب على كل من كان راعيا على أي شيء استرعي دوام النظر إليه، والالتفات لما يزيد فيه وينقص، حتى يعلم ما حكم الله تعالى فيما يظهر من الزيادة والنقص فينفذه " (2) وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ذكره لفوائد هذا الحديث:"ينبغي لأمير الجيش تفقد أحوال رعيته، ومن رآه فعل ما لا يسوغ في الشرع منعه، وأشاع منعه، إما بنفسه كأن يخاطبهم، وإما بغيره، بأن يأمر مناديا فينادي؛ لئلا يغتر به من رآه فيظنه جائزا"(3) وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم أهمية العناية بالرعية فقال صلى الله عليه وسلم: «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (4) ومما يؤكد أهمية العناية بالرعية ومراقبتهم،
(1) رسالة في القواعد الفقهية للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص 31.
(2)
بهجة النفوس، 3/ 167.
(3)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 9/ 656.
(4)
متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري، كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59]، 8/ 133، برقم 3138، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، 3/ 1459، برقم 1829.
وإلزامهم بطاعة الله عز وجل قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» (1) ومع الأمر بالعناية بالرعية ومراقبة أحوالهم أمر صلى الله عليه وسلم بالرفق بهم وعدم المشقة عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم:«اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» (2).
رابعا: من سنن الله عز وجل: الابتلاء والامتحان: إن الله عز وجل يختبر عباده ويمتحنهم بالسراء والضراء، وباليسر والعسر، وقد دل هذا الحديث على أنه سبحانه ابتلى أولياءه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالجوع وهم يجاهدون في سبيله عز وجل، قال عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما:«أصابتنا مجاعة ليالي خيبر» ، وهذا يؤكد ابتلاءه لعباده المؤمنين؛ ليعلم الصادق من الكاذب؛ ويرفع درجات الصابرين، أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (3).
خامسا: أهمية الإسراع في إزالة المنكر وتغييره إذا ظهر: دل هذا الحديث على أهمية الإسراع في إزالة المنكر، وتغييره إذا ظهر فعله؛ لقول عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما:«وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئا» ، قال الإمام ابن أبي جمرة رحمه الله:"وفي هذا دليل على الإسراع في تغيير المنكر عند معاينته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه حين رآه حتى غيره "(4) وهذا يؤكد على كل مسلم- وخاصة الدعاة إلى الله عز وجل أهمية الإسراع في إزالة المنكر (5).
(1) متفق عليه: البخاري، 8/ 136، برقم 7151، ومسلم، 3/ 1460، برقم 1827، وتقدم تخريجه في الحديث رقم 136، الدرس الثالث، ص 789.
(2)
مسلم، 3/ 1458، برقم 1828، ونقدم تخريجه، في الحديث رقم 102، الدرس الخامس، ص 582.
(3)
انظر: الحديث رقم 9، الدرس الخامس، ورقم 66، الدرس الأول.
(4)
بهجة النفوس، 3/ 168.
(5)
انظر: الحديث رقم 117، الدرس الثالث.
سادسا: من موضوعات الدعوة: بيان تحريم الحمر الأهلية: لا شك أن من الموضوعات المهمة بيان تحريم الحمر الأهلية لمن لا يعرف حرمتها من المدعوين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين لمن نحرها وأراد أكلها أنها لا تحل، وأرسل رسوله فنادى:«لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا وأهريقوها» ، واختلف العلماء رحمهم الله في سبب النهي عن لحوم الحمر الأهلية لاختلاف الأدلة: فقيل: حرمت؛ لأنها لم تخمس، وقيل: لأنها كانت تأكل الجلة، وقيل: لأنها كانت تحمل الناس وهم بحاجة إليها، وقيل: لأنها رجس: أي نجس. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "وهذه أصح العلل "، ثم قال:"وما عدا هذه من العلل فإنما هي حدس وظن ممن قاله "(1) فينبغي للداعية أن يبين للناس ما حرم الله عليهم، والله الموفق للصواب.
سابعا: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى: بين هذا الحديث أن من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أصحابه الذين نحروا الحمر الأهلية عن أكلها، بل أمر بإتلافها وإراقتها، وهم أفضل البشر بعد الأنبياء، فدل ذلك على أن كل إنسان من أهل الصلاح والتقوى قد يخفى عليه بعض العلم، فحينئذ يلزم تنبيهه وإرشاده، وتوجيهه؛ فإن المسلم مرآة أخيه، والله المستعان (2).
ثامنا: من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة: إرسال الدعاة من الوسائل النافعة؛ ولهذا أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم الرسل بالكتب، وأرسل الدعاة والمجاهدين، ومن ذلك ما ثبت في هذا الحديث من إرساله من ينادي في الناس بتحريم الحمر الأهلية، قال عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما:«فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئا» ، فينبغي العناية بإرسال الدعاة لتعليم الناس الخير، وتحذيرهم من الشر، والله الهادي إلى سواء السبيل (3).
(1) تهذيب السنن، 5/ 324.
(2)
انظر: الحديث رقم 71 الدرس السابع، ورقم 76، الدرس الرابع، ورقم 77، الدرس السادس عشر.
(3)
انظر: الحديث رقم 66، الدرس الثالث، ورقم 90، الدرس الثاني، ورقم 92، الدرس الحادي عشر.