الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
18 -
باب
[حديث قول سهل بن حنيف اتهموا رأيكم رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر النبي لرددته]
189 -
[3181] حَدَّثَنَا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ: شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ (1) يَقُولُ:«اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرَ أَمْرِنَا هَذَا» (2).
وفي رواية: «لَمَّا قَدِمَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ مِنْ صِفِّينَ أَتَيْنَاهُ نَسْتَخْبِرُهُ فَقَالَ: اتَّهِمُوا
(1) سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم، الأوسي، الأنصاري، المدني كان من السابقين، شهد بدرا؛ وثبت يوم أحد حين انكشف الناس وكان ينفح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالنبل، وشهد أيضا الخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلفه علي بن أبي طالب رضي الله عنه على البصرة بعد وقعة الجمل، ثم شهد معه صفين، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم علما كثيرا، فقد ذُكر له أربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة وانفرد مسلم بحديثين، توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه. انظر تهذيب الأسماء واللغات للنووي، 1/ 237، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، 2/ 87.
(2)
[الحديث 3181] أطرافه في: كتاب الجزية والموادعة، باب، 4/ 84، برقم 3182. وكتاب المغازي باب غزوة الحديبية، 5/ 83، برقم 4189. وكتاب تفسير القرآن، 48. سورة الفتح، باب قوله: إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، 6/ 53، برقم 4844. وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس، 8/ 187، برقم 7308. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية، 3/ 1411، برقم 1785.
(3)
من الطرف رقم: 3182.
الرَّأْيَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ لَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمْرَهُ لَرَدَدْتُ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ قَبْلَ هَذَا الْأَمْرِ، مَا نَسُدُّ مِنْهَا خَصْمًا إِلَّا انْفَجَرَ عَلَيْنَا خَصْمٌ مَا نَدْرِي كَيْفَ نَأْتِي لَهُ». (1).
وَفِي رِوَايَةٍ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ» (3).
* شرح غريب الحديث: * عواتقنا: جمع عاتق وهو المنكب (4).
* أسهلن بنا: يقال: أسهل الرجل إذا ركب السهل من الأرض في سيره، وقوله:"أسهلن بنا" أي رأينا في عاقبته وفي السلوك إليه سهولة، وكأنه ركب السهل في طريقه إليه، ولم ير في آخره مكروها (5).
(1) من الطرف رقم: 4189.
(2)
من الطرف رقم: 4844.
(3)
من الطرف رقم: 7308.
(4)
القاموس المحيط للفيروزآبادي، باب القاف، فصل العين، ص 1170.
(5)
تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص 107.
* أعطي الدنية في ديننا: الدنية: النقيصة (1).
* يفظعنا: أي يشتد علينا، يقال: أفظع الأمر: اشتد، وهو مفظِع وفظيع (2).
* خُصْمٌ: الخصم: جانب الشيء، وخُصْمُ كل شيء طرفه وجانبه، وإنما ذلك إخبار عن انتشار الأمر وشدته، وأنه لا يتهيأ إصلاحه وتلافيه، وأنه بخلاف ما كانوا عليه من قبل ذلك (3).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه.
2 -
أهمية إجابة السائل بأكثر مما سأل عند الحاجة.
3 -
من موضوعات الدعوة: الحض على الأخذ بالكتاب والسنة واتهام الرأي.
4 -
من تاريخ الدعوة: ذكر يوم أبي جندل.
5 -
أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية.
6 -
من أساليب الدعوة: الحوار.
7 -
من صفات الداعية: الثقة بالله عز وجل.
8 -
منزلة أبي بكر العظيمة رضي الله عنه في مؤازرة النبي صلى الله عليه وسلم.
9 -
أهمية الانقياد والتسليم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
10 -
من سنن الله عز وجل: الابتلاء والامتحان.
11 -
من موضوعات الدعوة: الحث على التثبت والتبصر.
12 -
من وسائل الدعوة: عقد الصلح والهدنة مع الأعداء عند العجز عن الجهاد.
13 -
من أصناف المدعوين: المشركون.
14 -
من أصناف المدعوين: المسلمون.
15 -
من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم: تحقق ما أخبر به.
16 -
من صفات الداعية: الحرص على الإصلاح بين الناس.
(1) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص 107.
(2)
انظر: المرجع السابق ص 107.
(3)
انظر: المرجع السابق ص 107.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه: إن سؤال الداعية عما أشكل عليه من وسائل تحصيل العلم المهمة؛ ولهذا سأل سليمان الأعمش أبا وائل شقيق بن سلمة فقال له: شهدت صفين؟ فقال أبو وائل: نعم، فسمعت سهل بن حنيف يقول:"اتهموا رأيكم"(1) وهذا يدل على أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه؛ ليعلمه وينتفع به والله أعلم.
ثانيا: أهمية إجابة السائل بأكثر مما سأل عند الحاجة: إجابة السائل بأكثر مما سأل دليل على علم الداعي وفقهه، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لأن سليمان الأعمش سأل أبا وائل فقال: هل شهدت صفين؟ فأجابه أبو وائل فقال: "نعم"، فسمعت سهل بن حنيف يقول:"اتهموا رأيكم. . . "، ثم ساق له الحديث، فزاده على ما سأل علما كثيرا وفوائد نافعة، وهذا من أهم أساليب الدعوة " ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخدم هذا الأسلوب في دعوته، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: «لما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي. قال: "ما لك يا عمرو؟ " قال قلت: أريد أن أشترط، قال: "تشترط بماذا؟ " قلت: أن يغفر لي، قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟» (2) فأجاب صلى الله عليه وسلم بما يفيد عدم المؤاخذة عن كل من اعتنق الإسلام، وعن كل من هاجر، وعن كل من حج حجا مبرورا، وقد كان يكفيه في الجواب أن يقول: غفر لك، أو نحوها، ولكنه زاده علما كثيرا نافعا (3) وقال صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن ماء البحر:«هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (4) فأجاب
(1) انظر: عمدة القاري للعيني 15/ 103، وإرشاد الساري للقسطلاني، 5/ 244.
(2)
مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، 1/ 112، برقم 121.
(3)
انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 2/ 496، وهداية المرشدبن لعلي محفوظ ص 32.
(4)
أبو داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، 1/ 21، برقم 83، والترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، 1/ 100، برقم 69، وقال:"هذا حديث حسن صحيح"، والنسائي، كتاب الطهارة، باب ماء البحر، 1/ 50، برقم 59، وابن ماجه، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، 1/ 136، برقم 386، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 1/ 19.
- صلى الله عليه وسلم السائل عن الحكم الذي سأل عنه، وزاده حكما لم يسأل عنه، وهو حل ميتة البحر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم عندما عرف اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته، وقد يبتلى بها راكب البحر، فعقب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة، وذلك من محاسن الفتوى أن يجاء في الجواب بأكثر مما سئل عنه تتميما للفائدة، وإفادة لعلم غير المسؤول عنه، ويتأكد عند ظهور الحاجة إلى الحكم أو المسألة كما هنا؛ لأن من توقف في طهورية ماء البحر فهو عن العلم بحل ميتته - مع تقدم تحريم الميتة - أشد توقفا (1).
ثالثا: من موضوعات الدعوة: الحض على الأخذ بالكتاب والسنة واتهام الرأي: إن الأخذ بالكتاب والسنة من أهم الواجبات وأعظم القربات؛ لأن الأخذ بالرأي المجرد عن الدليل الشرعي يوصل إلى المهالك؛ ولهذا قال سهل بن حنيف رضي الله عنه في هذا الحديث: «اتهموا رأيكم، فلقد رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أرد على رسول الله أمره لرددته، والله ورسوله أعلم» ، وهذا يؤكد أن الرأي لا يعتمد عليه، وإنما المعتمد على الكتاب والسنة؛ قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59](2) وقال عز وجل: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65](3) وقال عز وجل: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10](4).
فالأصل في الحكم بين الناس أن يرد حكمه إلى كتاب الله عز وجل، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم (5) وقد ذم الله القول عليه بغير علم، فقال عز وجل:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33](6)
(1) انظر: سبل السلام شرح بلوغ المرام، لمحمد بن إسماعيل الصنعاني 1/ 18، وتوضيح الأحكام من بلوغ المرام، لعبد الله بن عبد الرحمن البسام، 1/ 90.
(2)
سورة النساء، الآية:59.
(3)
سورة النساء، الآية:65.
(4)
سورة الشورى، الآية:10.
(5)
انظر: تفسير الطبري "جامع البيان عن تأويل آي القرآن "، 8/ 504، وتفسير ابن كثير، 1/ 519.
(6)
سورة الأعراف، الآية:33.
فقرن سبحانه القول عليه بغير علم بالشرك بالله عز وجل وقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ - إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168 - 169](1) وهذا يؤكد أن القول على الله بغير علم من أمر الشيطان، وقال عز وجل:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36](2) وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن القائل على الله بغير علم من الجاهلين الضالين المضلين، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعا، ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم، ويبقي في الناس رؤوسا (3) جهالا يفتون بغير علم فيضلون ويضلون» (4).
والحاصل أنه لا يجوز الاعتماد على الرأي، بل يرجع إلى الكتاب والسنة، أو إلى أحدهما، فإن لم يجد فيرجع إلى الإجماع، فإذا لم يجد الأمور الثلاثة رجع إلى أقوال الصحابة رضي الله عنهم، فإن وجد قولا لأحدهم ولم يخالفه أحد من الصحابة ولا عرف نص يخالفه، واشتهر هذا القول في زمانهم أخذ به؛ لأنه حجة عند جماهير العلماء، فإذا لم يجد قولا يحتج به من أقوال الصحابة واحتاج إلى القياس رجع إليه بدون تكلف بل يستعمله على أوضاعه، ولا يتعسف في إثبات العلة الجامعة التي هي من أركان القياس، بل إذا لم تكن العلة الجامعة واضحة فليتمسك بالبراءة الأصلية (5).
وكما دل الحديث على التمسك بالكتاب والسنة دل على التحذير من الرأي؛ لقول سهل رضي الله عنه: «اتهموا رأيكم على دينكم» قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
(1) سورة البقرة، الآيتان: 168 - 169.
(2)
سورة الإسراء، الآية:36.
(3)
رؤوس: جمع رأس، وفيه التحذير من اتخاذ الجهال رؤساء. شرح النووي على صحيح مسلم 16/ 465.
(4)
متفق عليه: البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس، 8/ 187، برقم 7307، ومسلم، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، 4/ 2058، برقم 2673.
(5)
انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، 20/ 14، و 19/ 176، وإعلام الموقعين لابن القيم، 1/ 30، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، 13/ 282.
"أي لا تعملوا في أمر الدين بالرأي المجرد الذي لا يستند إلى أصل من الدين"(1) وما أحسن ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله:
كل العلوم سوى القرآن مشغلة
…
إلا الحديث وعلم الفقه في الدين
العلم ما كان فيه قال حدثنا
…
وما سوى ذاك وسواس الشياطين (2)
وقد ذم السلف رحمهم الله الرأي المجرد عن الدليل، فعن ابن الأشج عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:" إِيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ؛ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءُ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمُ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا فَقَالُوا بِالرَّأْيِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا "(3).
وعن عروة بن الزبير أنه كان يقول: " السُّنَنَ السُّنَنَ؛ فَإِنَّ السُنَّنَ قِوَامُ الدِّينِ [أَزْهَدُ النَّاسِ فِي الْعَالِمِ أَهْلُهُ] "(4) وقال الإمام أحمد رحمه الله: " لا تكاد ترى أحدا نظر في هذا الرأي إلا وفي قلبه دغل "(5) وقال الأوزاعي رحمه الله: " إذا أراد الله عز وجل أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه الأغاليط "(6) وقال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله بعد أن ساق آثارا كثيرة في ذم الرأي ما ملخصه: قال أكثر أهل العلم: إن الرأي المذموم المعيب المهجور الذي لا يحل النظر فيه والاشتغال به، هو الرأي المبتدع وشبهه من أنواع البدع (7) وقال جمهور أهل العلم: الرأي المذموم في الآثار المذكورة هو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات، ورد الفروع والنوازل بعضها على بعض قياسا دون ردها على أصولها من الكتاب أو من السنة (8).
ثم قال: " ومن تدبر الآثار المروية في ذم الرأي المرفوعة وآثار الصحابة والتابعين في
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، 13/ 288.
(2)
ديوان الشافعي، جمع محمد عفيف، ص 88، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير 10/ 254.
(3)
أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، 1/ 139، برقم 201، والدارمي في سننه 1/ 47، برقم 121، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 1041، برقم 2001، ورقم 2003، 2005.
(4)
ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، 2/ 1051، برقم 2029، 2030.
(5)
أخرجه ابن عبد البر في المرجع السابق، 3/ 1054، برقم 2035.
(6)
أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، 2/ 1073، برقم 2083.
(7)
جامع بيان العلم وفضله، 2/ 1053.
(8)
انظر: المرجع السابق، 2/ 1054.
ذلك علم أنه ما ذكرنا " (1) فرجح رحمه الله هذا القول، ثم قال: " وليس أحد من علماء الأمة يثبت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرده، دون ادعاء نسخ ذلك بأثر أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته، فضلا عن أن يتخذ إماما، ولزمه اسم الفسق، ولقد عافاهم الله عز وجل من ذلك " (2) فينبغي للداعية إلى الله عز وجل أن يعتصم بالكتاب والسنة، ثم بالإجماع، ثم بأقوال الصحابة رضي الله عنهم، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
رابعا: من تاريخ الدعوة: ذكر يوم أبي جندل: دل هذا الحديث على أن من تاريخ الدعوة ذكر يوم أبي جندل؛ لقول سهل بن حنيف رضي الله عنه: «فلقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددت، والله ورسوله أعلم» ، ويوم أبي جندل هو يوم صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة، ولكن أضافه سهل رضي الله عنه إلى أبي جندل؛ لما حصل للمسلمين من الغيظ على الكافرين فأرادوا القتال فقبل رسول صلى الله عليه وسلم الصلح، والذي أفزع الصحابة رضي الله عنه أمور منها:
1 -
أن سهيل بن عمرو لم يوافق على كتابة (بسم الله الرحمن الرحيم) فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بموافقته على كتابة: " باسمك اللهم ".
2 -
لم يوافق سهيل بن عمرو على كتابة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوافقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتابة: محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
3 -
أن من أسلم من المشركين يرد إليهم، ومن ذهب من المسلمين لا يرد إليهم، ومن ذلك رد أبي جندل وقد جاء مسلما في قيوده، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم، للوفاء بالعهد مع المشركين.
4 -
منع الصحابة من العمرة هذه السنة.
فأحدث ذلك غضب الصحابة رضي الله عنهم؛ ولكنهم لم يخالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
(1) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، 2/ 1062.
(2)
انظر: المرجع السابق، 2/ 1080.
وإنما راجعه عمر مراجعة عظيمة لعله أن يوافق على القتال فلم يوافق صلى الله عليه وسلم، فجعل الله ذلك فتحا مبينا لما فيه من المصالح العظيمة، فكان بعض الصحابة يسمي يوم الحديبية بيوم أبي جندل؛ لما حصل لهم من الغيظ العظيم برد أبي جندل إلى المشركين، وقد جاء مسلما معذبا من المشركين، وبما حصل من شروط الصلح المذكورة (1).
خامسا: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: ظهر في هذا الحديث أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية؛ لأمرين:
الأمر الثاني: أن سهل بن حنيف استدل بصلح الحديبية على صلح يوم صفين فقال صلى الله عليه وسلم: «اتهموا رأيكم فلقد رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددت والله ورسوله أعلم» . (2) وهذا يؤكد للداعية أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية (3).
سادسا: من أساليب الدعوة: الحوار: لقد دل هذا الحديث على أسلوب الحوار الهادئ النافع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حاور عمر بن الخطاب حتى أقنعه قناعة تامة، وذلك أن عمر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال:" بلى "، فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: "بلى"، فقال: فعلام نعطي الدنية في
(1) انظر: خبر صلح الحديبية في البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط، 3/ 236، برقم 2731، 2732. ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية، 3/ 1409، برقم 1783 و 1784 و 1785، وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي، 12/ 377 - 385، وفتح الباري لابن حجر، 5/ 329 - 352.
(2)
انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 12/ 382، وفتح الباري لابن حجر، 5/ 352.
(3)
انظر: الحديث رقم 77، الدرس الحادي عشر، ورقم 147، الدرس الخامس.
ديننا؟ أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدا "، ثم حاور أبو بكر عمر نحو محاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت سورة الفتح فقرأها رسول الله من أولها إلى آخرها، فقال عمر: يا رسول الله، أَوَ فتح هو؟ قال: " نعم»، فهذه محاورة هادفة مقنعة أظهر الله الحق فيها على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل عمر رضي الله عنه ذلك (1).
سابعا: من صفات الداعية: الثقة بالله عز وجل: إن الثقة بالله عز وجل من أجل الصفات التي يلزم كل مسلم أن يتصف بها وخاصة الدعاة إلى الله عز وجل؛ ولهذه الثقة قال أعظم الناس صلى الله عليه وسلم ثقة بربه: «يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدا» ، وقال أبو بكر رضي الله عنه في محاورته لعمر رضي الله عنه:" يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا "، وهذا يؤكد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الناس ثقة بربه، وأن أبا بكر رضي الله عنه أعظم الصحابة ثقة بالله عز وجل (2).
ثامنا: منزلة أبي بكر العظيمة رضي الله عنه في مؤازرة النبي صلى الله عليه وسلم: أبو بكر خير الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، ومما يدل على ذلك ما ثبت في هذا الحديث أن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكر رضي الله عنه يوم الحديبية: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: " يا ابن الخطاب، إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا "، الله أكبر وافق قول أبي بكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذه المنزلة العظيمة؛ ولغيرها من مؤازرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته قال صلى الله عليه وسلم:«إن أمنّ الناس عَلَيّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودته» (3) وأبو بكر رضي الله عنه أعظم الناس منزلة عند الله عز وجل بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (4).
(1) انظر: الحديث رقم 29، الدرس السادس، ورقم 77، الدرس السابع.
(2)
انظر: الحديث رقم 161، الدرس الثاني.
(3)
متفق عليه من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:" سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر " 4/ 230، برقم 3654، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، 4/ 1854، برقم 2382.
(4)
انظر: ترجمته رضي الله عنه في الحديث رقم 147.
تاسعا: أهمية الانقياد والتسليم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: الانقياد والتسليم والقبول لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعظم الواجبات والفروض المتحتمات على كل مسلم، وخاصة الداعية إلى الله عز وجل، وقد دل هذا الحديث على ذلك لقول سهل بن حنيف رضي الله عنه:«فلقد رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددت، والله ورسوله أعلم» ، وهذا يدل على كمال الانقياد لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم بلغ بهم الغيظ مبلغا عظيما على المشركين يوم صلح الحديبية؛ لأن في العهد أن يرد رسول صلى الله عليه وسلم من أسلم من المشركين إلى مكة ولا يرد المشركون من جاءهم من المسلمين، وبعد الموافقة على ذلك «جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسُفُ في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل بن عمرو: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال صلى الله عليه وسلم: " إنا لم نقض الكتاب بعد "، قال فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدا، فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من سهيل أن يجيزه له فمنع، فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما قد لقيت؛ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله. وهذا الذي أغضب عمر كثيرا، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ألست نبي الله حقا؟ قال: " بلى"، قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: " بلى "، قال عمر: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟! قال: " إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري "، قال عمر: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: " بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ " قال عمر: لا، قال: " فإنك آتيه، ومطوف به» (1) وفعلا جعل الله هذا الصلح فتحا ونزلت سورة الفتح، وكان هذا الصلح خيرا للمسلمين والحمد لله.
والمقصود أن الانقياد والاستسلام لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لازم، ولو يعلم الإنسان الحكمة؛ قال الله عز وجل:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36](2) وقال عز وجل: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54](3)
(1) البخاري برقم 2731، ومسلم برقم 1783 - 1785، وتقدم تخريجه في آخر الدرس الرابع من هذا الحديث ص 1063.
(2)
سورة الأحزاب، الآية:36.
(3)
سورة النور، الآية:54.
، وقال عز وجل:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63](1) فينبغي الانقياد والاستسلام لأمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
عاشرا: من سنن الله عز وجل: الابتلاء والامتحان: ظهر الابتلاء في هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: ما حصل بين الصحابة رضي الله عنهم في صفين؛ ولهذا قال سهل بن حنيف رضي الله عنه: " وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه قبل هذا الأمر، ما نسد منها خُصما إلا انفجر علينا خصم ما ندري كيف نأتي له "، والمعنى أنهم رضي الله عنهم وقعوا في الفتنة العظيمة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما؛ فإنهم كل ما سدوا ثغرة انفتح عليهم ثغرة أخرى، قال القرطبي رحمه الله في كلام سهل رضي الله عنه:" ويعني هذا الكلام أن كل قتال قاتل فيه ما رفع سيفه فيه إلا عن بصيرة، لعاقبة أمره، فسهل عليه ما يلقاه من مشقات الحروب، غير تلك الأمور التي كانوا فيها، فكانوا كلما لاح لهم فيها مصلحة وعاقبة حسنة ظهر لهم نقيضها "(2).
والوجه الثاني: ما حصل للصحابة رضي الله عنهم من الابتلاء في صلح الحديبية، فإنه أصابهم بلاء عظيم؛ لما في ظاهر الصلح من الهضم لحق المسلمين، ولكن في الحقيقة أن ذلك كان فتحا ونصرا، ولكن هذا الفتح لم يأت إلا بعد الابتلاء والاختبار حتى قال عمر رضي الله عنه يا رسول الله:«ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بلى» ، وفي آخر كلام عمر رضي الله عنه:«ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟» ، قال القرطبي رحمه الله على كلام عمر رضي الله عنه: " يعني بالدنية: الحالة الخسيسة، ويعني به الصلح على ما شرطوا، ولم يكن ذلك من عمر شكا ولا معارضة، بل كان استكشافا لما خفي عنه، وحثا على قتال أهل الكفر، وإذلالهم، وحرصا على ظهور المسلمين
(1) سورة النور، الآية:63.
(2)
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 3/ 641.
على عدوهم، وهذا على مقتضى ما كان عنده من القوة في دين الله، والجرأة، والشجاعة التي خصه الله بها، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر بما جاوباه به، يدل على أن عندهما من علم باطنه ذلك، وعاقبة أمره ما ليس عند عمر، ولذلك لم يسكن عمر حتى بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح، فسكن جأشه وطابت نفسه " (1) رضي الله عنه، وهذا فيه دلالة واضحة على صبر الصحابة على الابتلاء، والله المستعان (2).
الحادي عشر: من موضوعيات الدعوة: الحث على التثبت والتبصر: دل مفهوم هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة: الحث على التثبت والتأني في الأمور؛ لقول سهل بن حنيف رضي الله عنه: «أيها الناس اتهموا أنفسكم، رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته» ، قال الإمام القرطبي رحمه الله:" يعني به التثبت فيما كانوا فيه، والتصبر، وألا يستعجلوا في أمورهم، ووجه استدلاله بها: أن تلك الحالة كان ظاهرها مكروها لهم، صعبا عليهم، فلما تثبتوا في أمرهم، وأطاعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل الله لهم من أمرهم فرجا ومخرجا، فكأنه يقول لهم: إن صبرتم على المكروه، وتثبتم في أمركم، واتقيتم الله، جعل الله لكم من هذه الفتن مخرجا كما جعله لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية "(3) وهذا يؤكد أهمية التثبت في الأمور، فينبغي للداعية أن يحث على التثبت والتأني؛ لما في ذلك من المصالح العاجلة والآجلة (4).
الثاني عشر: من وسائل الدعوة: عقد الصلح والهدنة مع الأعداء عند العجز عن الجهاد: عقد الصلح مع أعداء الإسلام مهم عند عجز المسلمين عن الجهاد؛ ولهذا ثبت في هذا الحديث أن حبيب بن أبي ثابت قال: «أتيت أبا وائل أسأله فقال: كنا بصفين فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله؛ فقال علي: نعم، فقال سهل بن حنيف: " اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني صلح
(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 3/ 640، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 12/ 383.
(2)
انظر: الحديث رقم 9، الدرس الثامن، ورقم 16، الدرس الخامس.
(3)
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 3/ 640.
(4)
انظر: الحديث رقم 91، الدرس الثاني.
الحديبية الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين لو نرى قتالا لقاتلنا، فجاء عمر فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بلى "، قال: ففيم أعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا؛ فقال: " يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدا "، فرجع عمر متغيظا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر فقال: يا أبا بكر، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال:" يا ابن الخطاب إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يضيعه الله أبدا، فنزلت سورة الفتح ".» وسياق سهل بن حنيف رضي الله عنه لذلك دعوة إلى الصلح بين علي ومعاوية رضي الله عنه؛ ليحصل من الفوائد ما حصل بصلح الحديبية. وقد حصل أمور عظيمة وفتح عظيم بصلح الحديبية؛ قال الإمام النووي رحمه الله في صلح الحديبية: " قال العلماء: المصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة، وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام أهلها ودخول الناس في دين الله أفواجا، وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبي صلى الله عليه وسلم كما هي، ولا يحلون بمن يعلمهم بها مفصلة، فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين، وجاءوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة، وحلوا بأهلهم وأصدقائهم، وغيرهم ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مفصلة بجزئياتها، ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته، وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك، فما زالت نفوسهم إلى الإيمان حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة، فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازداد الآخرون ميلا إلى الإسلام، فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم؛ لما كان قد تمهد لهم من الميل، وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي "(1).
قال الله عز وجل: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 - 3](2) قال الإمام القرطبي
(1) شرح النووي على صحيح مسلم، 12/ 382.
(2)
سورة النصر، الآيات: 1 - 3.
رحمه الله: " وهذا الحديث يدل على جواز الصلح على ما شرطه العدو عند ضعف المسلمين عن مقاومة عدوهم، وعند الحاجة إلى ذلك. . . " ثم قال رحمه الله: " واختلف في مقدار مدة الصلح حيث يجوز. فقال مالك: ذلك مفوض إلى اجتهاد الإمام، وحد الشافعي أكثره بعشرة أعوام بناء منه على صلح الحديبية؛ فإن كان عشر سنين "(1) وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في فوائد صلح الحديبية: " وفيها جواز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين، وهل يجوز فوق ذلك؟ الصواب: أنه يجوز للحاجة والمصلحة الراجحة، كما إذا كان بالمسلمين ضعف وعدوهم أقوى منهم، وفي العقد لما زاد عن العشر مصلحة الإسلام "(2) وسمعت سماحة العلامة ابن باز حفظه الله يقول على قول ابن القيم: " وهذا هو الصواب، فإذا رأى الإمام المصالحة عشرين سنة أو ثلاثين فلا حرج على حسب الحاجة "(3) وهذا من وسائل الدعوة التي تعين المسلمين على التأهب والإعداد، والله أعلم.
الثالث عشر: من أصناف المدعوين: المشركون: إن الصلح الذي وقع بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين في هذا الحديث يدل على أن المشركين من أصناف المدعوين؛ ولهذا قال سهل بن حنيف رضي الله عنه: «اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني الصلح الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين ولو نرى قتالا لقاتلنا» . . . "، وهذا يؤكد مراعاة الأصلح في دعوة المشركين: من صلح، أو أخذ جزية، أو قتال لمن لم ينقد للإسلام ولم يدفع الجزية (4).
الرابع عشر: من أصناف المدعوين: المسلمون: إن في قول سهل بن حنيف رضي الله عنه: " اتهموا رأيكم. . . " دعوة المسلمين:
(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 3/ 642.
(2)
زاد المعاد في هدي خير العباد، 3/ 421.
(3)
سمعته من سماحته أثناء شرحه للفوائد واللطائف من غزوة الحديبية، من زاد المعاد، وذلك بتاريخ 20/ 5 / 1418 هـ، بجامع الأميرة سارة بالرياض.
(4)
انظر: الحديث رقم 91، الدرس الثامن، ورقم 105، الدرس السابع.
من أصحاب علي ومعاوية إلى الصلح وعدم الاستمرار في الفتنة؛ ولهذا قال رضي الله عنه: فلو رأيتنا يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا " يريد رضي الله عنه اتهام الرأي وأن الصواب قد يكون بخلافه كما في صلح الحديبية؛ فإن الصواب كان مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر خلافا لرأي الصحابة رضي الله عنهم (1).
الخامس عشر: من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم: تحقق ما أخبر به: إن ما حصل في صلح الحديبية من الشروط التي فيها غضاضة وهضم من حقوق المسلمين في الظاهر يدل دلالة واضحة على أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله حقا؛ لأنه قبل هذا الصلح لتوفيق الله له بالموافقة على ذلك؛ لما فيه من الفتح والنصر؛ ولهذا قال لعمر عند محاورته: «يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا» ، فأنزل الله سورة الفتح بشارة بالنصر والفتح، فقرأها صلى الله عليه وسلم على عمر، فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله: أو فتح هو؟ قال: " نعم "، ثم حصل الفتح الأعظم فتح مكة فدخل الناس في دين الله أفواجا، وهذه معجزة عظمى لإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح قبل وقوعه، ثم تحقق (2).
السادس عشر: من صفات الداعية: الحرص على الإصلاح بين الناس: إن الإصلاح بين الناس والحرص عليه من أعظم القربات وأهم الصفات التي ينبغي لكل مسلم الحرص عليها، وقد ظهر في هذا الحديث؛ لقول سهل بن حنيف رضي الله عنه:«أيها الناس اتهموا أنفسكم فلقد رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددت، والله ورسوله أعلم» . . . "، وهذا يؤكد حرص سهل رضي الله عنه على الإصلاح بين هاتين الفئتين العظيمتين؛ قال الإمام النووي رحمه الله على قول سهل رضي الله عنه: " أراد بهذا تبصير الناس على الصلح وإعلامهم بما يرجى بعده من الخير، فإنه يرجى مصيره إلى خير، وإن كان ظاهره في الابتلاء مما تكرهه النفوس، كما كان شأن صلح الحديبية، وإنما قال سهل رضي الله عنه هذا القول
(1) انظر: الحديث رقم 108، الدرس الثاني عشر.
(2)
انظر: الحديث رقم 21، الدرس الرابع.
حين ظهر من أصحاب علي رضي الله عنه كراهة التحكيم فأعلمهم بما جرى يوم الحديبية من كراهة أكثر الناس الصلح وأقوالهم في كراهيته، ومع هذا فأُعْقِبَ خيرا عظيما، فقررهم النبي صلى الله عليه وسلم على الصلح مع أن إرادتهم كانت مناجزة كفار مكة بالقتال " (1) فينبغي للداعية أن يكون حريصا على الإصلاح بين الناس؛ لما في ذلك من الفضل العظيم؛ ولهذا الفضل قال الله عز وجل:{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114](2) وقال عز وجل: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1](3) وقال عز وجل: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128](4).
وقال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10](5) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل سلامى (6) من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقة (7) وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط (8) الأذى عن الطريق صدقة» (9) وعن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس،
(1) شرح النووي على صحيح مسلم، 12/ 383.
(2)
سورة النساء، الآية:114.
(3)
سورة الأنفال الآية: 1.
(4)
سورة النساء، الآية:128.
(5)
سورة الحجرات، الآية:10.
(6)
السلامى: جمع سلامية، وهي الأنملة من أنامل الأصابع، وقيل: واحده وجمعه سواء، ويجمع على سلاميات وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان، وقيل: السلامى كل عظم مجوف من صغار العظام: والمعنى على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب السين مع اللام، 2/ 396، ويوضح هذا حديث عائشة رضي الله عنها ترفعه:" إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله عز وجل، وعزل حجرا عن طريق الناس أو شوكة أو عظما عن طريق الناس، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار"[مسلم برقم 1007].
(7)
تعدل بين اثنين: أي تصلح بينهما بالعدل. شرح النووي على صحيح مسلم، 7/ 99.
(8)
تميط الأذى عن الطريق: أي تنحيه وتبعده عنها. تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص 217.
(9)
متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من أخذ بالركاب ونحوه، 4/ 19، برقم 2989، ومسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، 2/ 699، برقم 1009.
ويقول خيرا، أو ينمي (1) خيرا» (2) قالت:«ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها» (3) وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدق؟ " قالوا: بلى، قال: " إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة» (4) وهذا يؤكد أهمية إصلاح ذات البين، فينبغي للداعية أن يعتني بذلك عناية فائقة. والله الموفق للصواب.
(1) ينمي: يقال: نَمَيْتُ الخبر أو الحديث إذا بلغتَه على جهة الإصلاح، ونمَّيت بالتشديد، إذا كان على جهة النميمة وإفساد ذات البين. انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص 571.
(2)
متفق عليه: البخاري، كتاب الصلح، باب ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، 3/ 221، برقم 2692، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه، 4/ 2011، برقم 2605.
(3)
رواية لمسلم في الحديث السابق رقم 2605.
(4)
أبو داود، كتاب الأدب، باب إصلاح ذات البين، 4/ 280، برقم 4919، والترمذي، كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا أبو يحيى، 4/ 663، برقم 2509، وقال:" هذا حديث صحيح "، وأحمد في المسند، 6/ 444، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 3/ 929، والحالقة: أي الماحقة للأجر والحسنات، وجاء في الترمذي، ويروى: " لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين، 4/ 664، برقم 2509، 2510.