الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
153 -
بَابٌ
[حديث أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله]
121 -
[3019] حدثنا يحيى بن بكير: حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة: أن أبا هريرة (1) رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قرصت نملة نبيا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمةً من الأمم تسبح الله» ! " (2).
وفي رواية: «نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلا نملةً واحدةً» ! " (3).
شرح غريب الحديث: * " فأمر بجهازه " الجهاز: جهاز السفر وما يحتاج إليه فيه (4).
* "قرية النمل" هي مساكنها وبيتها، والجمع قرى، والقرية من المساكن والأبنية: الضياع وقد تطلق على المدن. (5).
الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: 1 - من أساليب الدعوة: القصص.
2 -
من موضوعات الدعوة: التحذير من مؤاخذة أحد بذنب غيره.
3 -
من صفات الداعية: الصبر على الأذى.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
(1) تقدمت ترجمته في الحديث رقم 7.
(2)
[الحديث 3519] طرفه في: كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، وخمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم، 4/ 120، برقم 3319، ومسلم، في كتاب السلام، باب النهي عن قتل النمل، 4/ 1759، برقم 2241.
(3)
طرف رقم 3319.
(4)
انظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض، حرف الجيم مع الهاء، 1/ 161، والمصباح المنير، للفيومي، 1/ 113.
(5)
النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الراء، مادة:" قرا" 4/ 56.
أولًا: من أساليب الدعوة: القصص: إن أسلوب القصص في الدعوة إلى الله عز وجل من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها عناية خاصة؛ لما للقصص من تأثير على المدعو؛ لأنه يشد الأذهان ويقرب الفهم للسامعين؛ وقد قص النبي صلى الله عليه وسلم علينا قصة هذا النبي الكريم مع النملة وإحراقه لقرية النمل، وعتاب الله له على قتله لجميع النمل. فقال:«فهلا نملة واحدة» (1).
ثانيًا: من موضوعات الدعوة: التحذير من مؤاخذة أحد بذنب غيره: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة: الحض على عدم مؤاخذة أحد بذنب غيره؛ ولهذا عاتب الله عز وجل هذا النبي الذي أحرق قرية النمل من أجل نملة واحدة: "فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله؟ " وقد قال الله عز وجل: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 18](2).
وهذا يؤكد على أنه لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، قال الإمام النووي رحمه الله:"قال العلماء: وهذا الحديث محمول على أن شرع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان فيه جواز قتل النمل، وجواز الإحراق بالنار، ولم يعتب عليه في أصل القتل والإحراق، بل في الزيادة على نملة واحدة، وقوله تعالى: «فهلا نملة واحدة» أي فهلا عاقبت نملة واحدة هي التي قرصتك؛ لأنها الجانية، وأما غيرها فليس لها جناية، وأما في شرعنا فلا يجوز الإحراق بالنار للحيوان (3) إلا إذا حرق إنسان فمات بالإحراق فلوليه الاقتصاص بإحراق الجاني. . "(4) وأما قتل النمل في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فمنهي عنه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:«إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد» (5)(6).
(1) انظر: الحديث رقم 17، الدرس الثالث، ورقم 28، الدرس الثامن، ورقم 34، الدرس الثالث.
(2)
سورة فاطر، الآية:18.
(3)
انظر: الحديث رقم 94، الدرس الثاني، ورقم 120، الدرس الأول.
(4)
شرح النووي على صحيح مسلم، 14/ 489، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، 5/ 542، وفتح الباري، لابن حجر، 6/ 358.
(5)
الصرد: طائر ضخم الرأس والمنقار، له ريش عظيم، نصفه أبيض ونصفه أسود. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الصاد مع الراء، مادة:"صرد" 3/ 21.
(6)
أبو داود، كتاب الأدب، باب في قتل الذر، 4/ 367، برقم 5267، وابن ماجة، كتاب الصيد، باب ما ينهى عن قتله، 2/ 1074، برقم 3224، وصححه النووي على شرط البخاري ومسلم، انظر: شرح صحيح مسلم، 14/ 490، والألباني في إرواء الغليل، 8/ 142 برقم 2490.
قال الإمام الخطابي رحمه الله: "إن النهي إنما جاء في قتل النمل في نوع منه خاص. وهو الكبار منها، ذوات الأرجل الطوال وذلك: أنها قليلة الأذى والضرر، ونهى عن قتل النحلة؛ لما فيها من المنفعة، فأما الهدهد والصرد فنهيه في قتلهما يدل على تحريم لحومهما، وذلك أن الحيوان إذا نهي عن قتله، ولم يكن ذلك لحرمته ولا لضرر فيه كان ذلك لتحريم لحمه. . . "(1) وقال الإمام النووي رحمه الله: "وأما قتل النمل فمذهبنا أنه لا يجوز واحتج أصحابنا فيه بحديث ابن عباس. . . "(2).
وهذا يبين للداعية أنه ينبغي له أن يحذر الناس من أخذ بعض الناس ومعاقبتهم بذنوب غيرهم أو جناية غيرهم، والله المستعان.
ثالثًا: من صفات الداعية: الصبر على الأذى: لا ريب أن الصبر على الأذى في ذات الله عز وجل من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ ولهذا عوتب هذا النبي الكريم في هذا الحديث؛ لأنه قتل أمةً من النمل من أجل واحدة، قال الإمام القرطبي رحمه الله: "وظاهر هذا الحديث أن هذا النبي إنما عاتبه الله تعالى، حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد منه، وكان الأولى به الصبر والصفح، لكن وقع للنبي: أن هذا النوع مؤذ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان غير الناطق، فلو انفرد له هذا النظر، وينضم إليه التشفي الطبيعي يعاتب، والله تعالى أعلم.
لكن لما انضاف إليه التشفي الذي دل عليه سياق الحديث عوتب عليه، والذي يؤيد ما ذكرنا: التمسك بأصل عصمة الأنبياء، وأنهم أعلم الناس بالله، وبأحكامه، وأشدهم له خشية" (3) رحم الله الإمام القرطبي فقد أجاد وأفاد (4).
(1) معالم السنن، 8/ 113.
(2)
شرح النووي على صحيح مسلم، 14/ 490، وانظر. المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، 5/ 542.
(3)
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 5/ 542، وانظر: فتح الباري لابن حجر، 6/ 359.
(4)
انظر: الحديث رقم 27، الدرس الأول، ورقم 66، الدرس الأول.