الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
144 -
بَابُ الأُسَارَى فِي السَّلَاسِلِ
[حديث عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل]
117 -
[3010] حدثنا محمد بن بشار: حدثنا غندر: حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة (1) رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل» (2).
وفي رواية: "عن أبي هريرة رضي الله عنه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] (3) قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام"(4).
الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
من موضوعات الدعوة: إثبات صفات الكمال لله عز وجل.
2 -
من أساليب الدعوة: الترغيب.
3 -
من وظائف الداعية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
4 -
من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله عز وجل.
5 -
شدة إعراض بعض المدعوين حتى لا ينفع معهم إلا القوة.
6 -
من خصائص أمة محمد صلى الله عليه وسلم: الخيرية.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولًا: من موضوعات الدعوة: إثبات صفات الكمال لله عز وجل: إن إثبات صفات الكمال لله عز وجل من أهم الموضوعات التي يلزم الداعية بيانها للناس؛ لأن عقيدة أهل السنة والجماعة: إثبات ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تمثيل، ولا تكييف (5) وقد ظهر في هذا الحديث إثبات
(1) تقدمت ترجمته في الحديث رقم 7.
(2)
[الحديث 3010] طرفه في: كتاب تفسير القرآن، 3 سورة آل عمران، باب (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) 5/ 201، برقم 4557.
(3)
سورة آل عمران، الآية:110.
(4)
الطرف رقم 4557.
(5)
انظر: الرد على الجهمية للإمام الحافظ ابن منده، ص 35 - 102.
صفة العجب لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته، ولا يشبه في ذلك شيئًا من خلقه (1) لأن صفاته لا تشبه الصفات، كما أن ذاته لا تشبه الذوا (2).
ثانيًا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «يدخلون الجنة في السلاسل» ولقوله عز وجل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]
* وهذا يبين أهمية الترغيب في الدعوة إلى الله سبحانه وتعال (3).
ثالثًا: من وظائف الداعية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إن من أهم وظائف الداعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولهذا ورد في أثناء هذا الحديث قول الله عز وجل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]
* ولا ريب أن الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله على حسب الحاجة، والحال، والقدرة، على كل مسلم بحسبه (4)؛ لقوله سبحانه وتعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104](5).
ومدح الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110](6).
وقال عز وجل: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71](7).
وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم درجات إنكار المنكر فقال: «من رأى منكم منكرًا
(1) انظر: كتاب الصفدية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص 5.
(2)
انظر: الحديث رقم 39، الدرس الأول، ورقم 110، الدرس الثاني.
(3)
انظر: الحديث رقم 7، الدرس الرابع عشر، ورقم 8، الدرس الرابع.
(4)
انظر: الحسبة في الإسلام، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص 40 - 42، 46، وهذه الرسالة ضمن فتاواه 28/ 60 - 120، وفصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفتاوى أيضًا، 2/ 121 - 179.
(5)
سورة آل عمران، الآية:104.
(6)
سورة آل عمران، الآية:110.
(7)
سورة التوبة، الآية:71.
فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (1).
وولي أمر المسلمين ينفع الله به في ذلك نفعًا عظيمًا؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية؛ فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، في إقامة الحدود وغيرها، وفي التعزير وهو أنواع: منه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب، واختلف العلماء في أكثر التعزير، فقيل عشر جلدات، وقيل: أكثره دون أقل الحدود، وقيل: لا حد لأكثره لكن إذا كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ به ذلك المقدر. قال ابن تيمية رحمه الله: "وهذا القول أعدل الأقوال وعليه دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين (2) ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل. وهذا كله من وظائف الإمام الأعظم للمسلمين (3) ولا بد للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من أمور ثلاثة: العلم، والرفق، والصبر: العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعد (4).
فينبغي للداعية أن يكون أمره بالمعروف معروفا ونهيه عن المنكر غير منكر (5) قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "إنكار المنكر أربع درجات: الأولى أن يزول ويخلفه ضده، والثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته، الثالثة أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد والرابعة محرمة"(6).
فينبغي للداعية أن يراعي هذه القواعد الدعوية حتى ينفع الله بأمره ونهيه والله المستعان.
رابعًا: من وسائل الدعوة الجهاد في سبيل الله عز وجل: إن من الوسائل النافعة في الدعوة إلى الله ودخول الناس في الإسلام: الجهاد
(1) صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، 1/ 19، برقم 49.
(2)
الحسبة في الإسلام ص 30، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 28/ 107، 126، 134.
(3)
انظر: الحسبة في الإسلام لابن تيمية، ص 31.
(4)
انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 28/ 137.
(5)
انظر: المرجع السابق 28/ 126.
(6)
أعلام الموقعين عن رب العالمين، 3/ 16.
في سبيل الله عز وجل؛ لأن من البشر من لا ينفع فيهم إلا القوة؛ ولهذا جاء في خبر أبي هريرة رضي الله عنه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]"خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام " قال الإمام الكرماني رحمه الله على قوله: "خير الناس للناس": "أي خير بعض الناس لبعضهم وأنفعهم لهم من يأتي بأسير مقيد في السلسلة إلى دار الإسلام؛ ليسلم؛ وإنما كان خيرًا؛ لأنه بسببه صار مسلمًا وحصل أصل جميع السعادات الدنيوية والأخروية"(1) فينبغي للمسلمين العناية بهذه الوسيلة العظيمة. والله المستعا (2).
خامسًا: شدة إعراض بعض المدعوين حتى لا ينفع فيهم إلا القوة: دل هذا الحديث على شدة إعراض بعض المدعوين؛ ولهذا قال أبو هريرة: "تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم" وقد عجب الله عز وجل من شأنهم وعنادهم، ثم دخولهم الجنة بسبب أسرهم في السلاسل ثم إسلامهم؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في أول الحديث:«عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل» ومن حكمته وعظمته عز وجل أن جعل لكل داء دواءً، فشرع استخدام القوة مع المعاندين المعرضين، وأذن في ذلك وأمر به فسبحانه ما أعظم شأنه وما أحكمه عز وجل (3).
سادسًا: من خصائص أمة محمد صلى الله عليه وسلم: الخيرية: دل هذا الحديث والآية التي في سياقه أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم، كما قال أبو هريرة رضي الله عنه في قول الله عز وجل:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] قال: "خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام" فالأمة الإسلامية خير الأمم؛ لأنها تخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، حتى لو كان ذلك بالجهاد في سبيل الله عز وجل (4)
(1) شرح الكرماني على صحيح البخاري، 17/ 59، وانظر: فتح الباري لابن حجر، 8/ 225، وعمدة القاري للعيني 18/ 148.
(2)
انظر: الحديث رقم 18، الدرس الثالث.
(3)
انظر: الحديث رقم 108، الدرس التاسع عشر.
(4)
انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 4/ 178 - 180.