الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 -
بابُ إثم من قتل معاهدا بغير جرم
[حديث من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة]
183 -
[3166] حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَمْرو: حَدَّثَنَا مُجَاهِد، عَنْ عبد الله بْنِ عَمرو (1) رضي الله عنهما عن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاما» (2).
* شرح غريب الحديث: * " معاهدا " المعاهد: من كان بينك وبينه عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة، وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب مدة معلومة (3).
* " لم يَرَحْ " لم يرح رائحة الجنة: أي لم يشم ريحها (4)"لم يرح " فيه ثلاث لغات: فتح الياء والراء: أي لم يجد ريحها، وقيل: بضم الياء وكسر الراء "يُرِحْ "، وقيل بفتح الياء وكسر الراء "يَرِحْ "، ونقل الحافظ ابن حجر رحمه الله: أن الأجود الذي عليه الأكثر الأول "لم يرحْ "(5).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
من موضوعات الدعوة: التحذير من قتل أهل الذمة بغير حق.
2 -
من أساليب الدعوة: الترهيب.
3 -
من سماحة الإِسلام: حفظه لحرمة العهد والميثاق.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
(1) تقدمت ترجمته في الحديث رقم: 114.
(2)
[الحديث 3166] طرفه في كتاب الديات، باب إثم من قتل ذميا بغير جرم، 8/ 60، برقم 6914.
(3)
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب العين مع الهاء، مادة:"عهد" 3/ 325.
(4)
انظر: المرجع السابق، باب الراء مع الواو، مادة:"روح " 2/ 272.
(5)
انظر: أعلام الحديث للخطابي، 4/ 1464، وجامع الأصول لابن الأثير، 2/ 650، وفتح الباري لابن حجر، 6/ 270.
أولا: من موضوعات الدعوة: التحذير من قتل أهل الذمة بغير حق: إن من موضوعات الدعوة: التحذير من قتل أهل الذمة بدون حق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة» ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"والمراد به من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان مسلم "(1) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "المعاهد هو الذي له ذمة، أي عهد، سواء كان من أهل الجزية أو أهل الأمان، فلا يجوز قتله حتى ينبذ إليه عهده "(2) فينبغي للداعية أن يُحذِّر الناس من قتل أهل الذمة بغير حق عند الحاجة للتحذير من ذلك.
ثانيا: من أساليب الدعوة: الترهيب: الترهيب من أساليب الدعوة النافعة؛ ولهذا ثبت هذا الأسلوب في هذا الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما» ، وهذا فيه ترهيب ووعيد لمن فعل هذه الكبيرة، قال الإِمام الطيبي رحمه الله:"والمعنى: أنه لم يشم رائحة الجنة ولم يجد ريحها، ولم يرد به أنه لا يجده أصلا، بل أول ما يجدها سائر المسلمين الذين لم يقترفوا الكبائر، توفيقا بينه وبين ما تعاضدت به الدلائل النقلية والعقلية على أن صاحب الكبيرة إذا كان موحِّدا محكوما بإسلامه لا يخلد في النار ولا يحرم من الجنة"(3) هذا إن لم يستحل هذه الكبيرة، أو يأتِ بناقض من نواقض الإِسلام، وسمعت العلامة ابن باز حفظه الله يقول:"وهذا من باب الوعيد، فهو تحت المشيئة، فهذا جزاؤه إن جازاه "(4) فإن شاء الله عذبه بذنبه حتى يطهر ثم يخرجه من النار، وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من أول مرة بعفوه سبحانه، وإحسانه (5) أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (6).
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 12/ 259.
(2)
سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم 3166 من صحيح البخاري.
(3)
شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، 8/ 2457.
(4)
سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم 4749 من سنن النسائي.
(5)
انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للالكائي 6/ 1160 - 1184.
(6)
انظر: الحديث رقم 7، الدرس الثالث عشر.
ثالثا: من سماحة الإسلام: حفظه لحرمة العهد والميثاق: دل هذا الحديث على أن الإِسلام يحفظ حرمة العهد والميثاق؛ ولهذا حرم قتل المعاهد الذي دخل في ذمة المسلمين: بصلح، أو عهد، أو أمان، أو بدفع الجزية، إلا أن ينقض العهد ويأتي بما يحل دمه وماله؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:«من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة» ، وقد أمر الله عز وجل المؤمنين بالوفاء بالعقود والعهود والمواثيق فقال عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1](1).
قال الإِمام أبو جعفر الطبري رحمه الله: "أوفوا بالعقود" يعني: أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربكم، والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضا، فأتموها بالوفاء، والكمال، والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكثوها، فتنقضوها بعد توكيدها" (2).
ونقل رحمه الله: اتفاق أهل التفسير على أن معنى "العقود" العهود (3) وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم نقض العهد من علامات النفاق الخالص، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أربع من كُنَّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعَها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (4) وهذا يؤكد للداعية أنه ينبغي له أن يبين سماحة الإِسلام وحفظه لحرمة العهود والمواثيق.
(1) سورة المائدة، الآية:1.
(2)
تفسير الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 9/ 449.
(3)
انظر: المرجع السابق، 9/ 449، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 6/ 35.
(4)
متفق عليه: البخاري، كتاب الإِيمان، باب علامة المنافق، 1/ 17، برقم 34، ومسلم كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، 1/ 78، برقم 58.