الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[حديث ذهبنا نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصبيان إلى ثنية الوداع]
146 -
[3083] حدّثنا مالك بن إسماعيل: حدّثنا ابن عيينة، عن الزهريّ، قال: «قال السّائب بن يزيد (1).
رضي الله عنه: ذهبنا نتلقّى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصبيان إلى ثنيّة الوداع». (2).
وفي رواية: «أذكر أني خرجت مع الصّبيان نتلقّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى ثنيّة الوداع مقدمه من غزوة تبوك» . (3).
* شرح غريب الحديثين: * " ثنية الوداع " موضع بالمدينة على طريق مكة، سميت بذلك؛ لأن الخارج من المدينة يودعه فيها مشيعه، وهو اسم جاهلي قديم سمي لتوديع المسافرين (4).
* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
من موضوعات الدعوة: الحث على الإحسان إلى اليتيم وحفظه.
2 -
من صفات الداعية: الاعتزاز بما يقع من إكرام الشرع.
3 -
من صفات الداعية: التواضع.
4 -
أهمية تلقي العلماء والقادمين من سفر الطاعة.
5 -
من أصناف المدعوين: الصبيان.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على الإحسان إلى اليتيم وحفظه: دل فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما على أن من موضوعات الدعوة
(1) السائب بن يزيد تقدمت ترجمته في الحدث رقم 38.
(2)
[الحديث 3083] طرفاه في كتاب المغازي، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر، 5/ 158، برقم 4426 و 4427.
(3)
الطرف رقم 4427.
(4)
انظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض، 1/ 136، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، 2/ 86 وقد أشكل قوله في الحديث:"نتلقى النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك" قال ابن حجر: "لا يمنع كونها في جهة الحجاز أن يكون خروج المسافر إلى الشام من جهتها" فتح الباري، 8/ 128.
الحث على الإحسان إلى اليتيم وحفظه؛ وقد حمل النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وقد اعتنى صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن جعفر؛ لأنه كان يتيما، فعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقّي بصبيان أهل بيته، قال: إنه قدم من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه، قال: فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابة» (1) وهذا يدل على عناية النبي صلى الله عليه وسلم باليتيم وحفظه؛ لأن جعفر بن أبي طالب مات شهيدا فعطف النبي صلى الله عليه وسلم على ولده عبد الله فحمله بين يديه (2) وقد أمر الله عز وجل بالإحسان إلى اليتيم في آيات كثيرة (3) ومن ذلك قوله عز وجل: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36](4) وأمر بالمحافظة على أموالهم فقال عز وجل: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34](5) وحذر من أكل أموالهم بالباطل فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10](6) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة» وأشار مالك بالسبابة والوسطى (7).
/ +50 وبين صلى الله عليه وسلم ما لمن سعى على الضعفاء والأرامل من الثواب فقال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار» (8).
(1) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما، 4/ 1885، برقم 2428.
(2)
انظر: فتح الباري لابن حجر، 6/ 192.
(3)
في اثنين وعشرين موضعا من القرآن الكريم، انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبد الباقي، ص 770 مادة:"يتم".
(4)
سورة النساء، الآية:36.
(5)
سورة الإسراء، الآية:34.
(6)
سورة النساء، الآية:10.
(7)
مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم، 4/ 2287، برقم 2983، وأخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي، كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيما 7/ 101، برقم 605.
(8)
البخاري، كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل، 6/ 232 برقم 5353، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم، 4/ 2286، برقم 2982، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أحرّج (1) حق الضعيفين: اليتيم والمرأة» (2) فينبغي للداعية أن يحث الناس على العناية باليتيم وهو الذي مات أبوه وهو دون البلوغ، والله المستعان.
ثانيا: من صفات الداعية: الاعتزاز بما يقع من إكرام الشرع: إن من الصفات الحميدة أن يعتز المسلم وخاصة الداعية إلى الله عز وجل بما أكرمه الله عز وجل من الفضائل؛ ولهذا اعتز عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما بتفضيل النبي صلى الله عليه وسلم له على غيره من الصبيان وذلك عندما قال له ابن الزبير رضي الله عنهما: «أتذكر إذ تلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأنت وابن عباس؛ قال: نعم، فحملنا وتركك» ، وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أن من فوائد هذا الحديث:"جواز الفخر بما يقع من إكرام النبي صلى الله عليه وسلم"(3) وقال العلامة العيني رحمه الله: "وفيه الفخر بإكرام الشارع"(4) ولا حرج من الفرح بفضل الله ورحمته، بل ينبغي ذلك؛ لقول الله عز وجل:{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58](5).
ثالثا: من صفات الداعية: التواضع: لا شك أن من صفات الداعية التواضع؛ ولهذا تواضع النبي صلى الله عليه وسلم فحمل الصبيان على دابته وأردفهم، ولاطفهم، كما في هذين الحديثين، قال عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما لعبد الله بن الزبير:"فحملنا وتركك" فكان صلى الله عليه وسلم من أعظم الناس تواضعا وخلقا (6).
رابعا: أهمية تلقي العلماء والقادمين من سفر الطاعة: دل هذان الحديثان على أهمية تلقي المسافرين من العلماء ومن قدم من سفر
(1) أحرج حق الضعيفين: أي أضيقه وأحرمه على من ظلمهما. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الراء، مادة:"حرج" 1/ 361.
(2)
ابن ماجة، كتاب الأدب، باب حق اليتيم، 2/ 1213، برقم 3678، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة، 2/ 298، وسلسلة الأحاديث الصحيحة 3/ 12، برقم 1015.
(3)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 6/ 92.
(4)
عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 15/ 13.
(5)
سورة يونس، الآية:58.
(6)
انظر: الحديث رقم 33، الدرس الحادي عشر، ورقم 62، الدرس الثالث.
الحج أو العمرة، أو الجهاد، أو الدعوة، أو غيرها من سفر الطاعة؛ قال عبد الله ابن الزبير لعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم:«أتذكر إذ تلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا، وأنت، وابن عباس» وقال السائب رضي الله عنه: «ذهبنا نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصبيان إلى ثنية الوداع» ؛ قال الإمام النووي رحمه الله: "هذه سنة مستحبة أن يتلقى الصبيان المسافر، وأن يركبهم، وأن يردفهم، ويلاطفهم، والله أعلم"(1) وقال ابن العربي رحمه الله: "قيل: إذا سافر الرجل ودع إخوانه في منازلهم، وإذا جاء تلقوه، والتشييع سنة"(2) وقال العلامة العيني رحمه الله: "وفيه من الفوائد أن التلقي للمسافرين والقادمين من الحج والجهاد، بالبشر والسرور: أمر معروف ووجه من وجوه البر"(3) ولفظ الحديث في سنن أبي داود يدل على أن الناس تلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرجال والصبيان، قال السائب رضي الله عنه:«لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك تلقاه الناس، فلقيته مع الصبيان على ثنية الوداع» (4).
خامسا: من أصناف المدعوين: الصبيان: دل هذان الحديثان على أن الصبيان من أصناف المدعوين؛ ولهذا اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بإكرامهم، والإحسان إليهم، وملاطفتهم، وإدخال السرور عليهم، وتعليمهم مكارم الأخلاق (5)؛ قال الإمام الخطابي رحمه الله في ذكره لفوائد حديث عبد الله بن السائب:"فيه تمرين الصبيان على مكارم الأخلاق، واستجلاب الدعاء لهم"(6) فينبغي العناية بالأطفال والإحسان إليهم ومراعاة أحوالهم في دعوتهم إلى الله بالقدوة الحسنة والعطف عليهم وإدخال السرور في قلوبهم (7).
(1) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 15/ 207.
(2)
عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي، 4/ 175.
(3)
عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، 15/ 13 وهذا الكلام الذي ذكره العيني منسوب للمهلب، كما قال الخطابي في معالم السنن، 4/ 88.
(4)
سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في التلقي، 3/ 90 برقم 2779، وأصله تقدم تخريجه في حديث الباب، ص 841.
(5)
انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 15/ 207، وعمدة القاري للعيني 15/ 13.
(6)
معالم السنن، 4/ 87، وانظر: فتح الباري لابن حجر، 3/ 619، 10/ 395.
(7)
انظر: الحديث رقم 142، الدرس الأول.