الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
2083 -
[1] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 2017].
2084 -
[2] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبع الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: . . . . .
ــ
والخضوع والخشوع والذوق والحضور والإخلاص، وهذه الأشياء كرامات بلا شبهة، ومشاهدة الخوارق محل خطر، ومن مظان الاشتباه، وقد ورد في الأحاديث الترغيب في إحياء تلك الليلة، والمختار أن المعتبر إحياء أكثرها، ولو أحيا تمام الليلة ولم ينجرّ إلى مرض وملال واختلال في الفرائض والسنن المؤكدة فهو أفضل وأكمل، وإلا فأي مقدار قام حصل المرام، وليس للإنسان إلا ما سعى، وكان سعيه مشكورًا، رزقنا اللَّه السعي والجد في طلب مرضاته، ولم يحرمنا من فضله وبركاته، آمين.
الفصل الأول
2083 -
[1](عائشة) قوله: (تحروا) أمر من تتحرى تفعل من الحر، أو معنى تحراه تعمد وطلب ما هو أحرى وأولى، أي: اطلبوا ليلة القدر في الأوتار من ليالي العشر الأواخر من رمضان، وهي خمس ليال.
2084 -
[2](ابن عمر) قوله: (في السبع الأواخر (1)) الظاهر أن المراد السبع
(1) قال شيخنا في "التقرير": قال القاري: اختلف في معناها، فقيل: أراد السبع التي تلي آخر الشهر، فيكون مبدأه على المحقق من الليلة الثالثة والعشرين، وعلى المحتمل، أي: تقدير الشهر بثلاثين يكون المبدأ من الرابع والعشرين. وقيل: السبع الأخيرة، أي: السبع الرابع، فيكون بدؤه من الليلة الثانية والعشرين، والختم على ثمانية وعشرين، وما بعده ساقط؛ لأنه لا يتم =
"أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبع الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 2015، م: 1165].
ــ
الأواخر التي تلي [آخر] الشهر؛ لأن معنى التأخر فيه أظهر، واللَّه أعلم.
وقوله: (قد تواطأت) بالهمزة، وفي بعض النسخ: تواطت بدونها، والأول أصوب، قال التُّورِبِشْتِي (1): المواطأة الموافقة، وأصله أن يطأ الرجل برجله موطأ صاحبه، وقد رواه بعضهم بالهمزة وهو الأصل، وجاء في عامة نسخ الجامعين للصحيحين وغيرهما بغير همز، ولعل بعضهم لم يكتب للهمزة ألفًا، فترك بعضهم همزها، فأقرت على ذلك، انتهى. ومثل هذا قال في (المشارق) (2) حيث قال: جاء في عامة نسخ البخاري والموطأ ومسلم: تواطت، وعند ابن الحذاء: تواطأت مهموزًا،
= منه سبع. وقيل: المراد السبع بعد العشرين، فيكون البدء من الحادي والعشرين، والختم على سبع وعشرين، وقيل: هذا أولى لأنه يتناول الليلة الحادية والعشرين، لكن أشكل بأن إطلاق السبع الأواخر على ما بعد العشرين ليس بوجيه، مع أن ليلة الحادي والعشرين ليست في السبع الأخير بل في السبع الثالث. وقيل: جاء ذكر السبع فيه ثلاث مراث: الأول بعد الست قبل الثمانية، والثاني في سبع عشرة، والثالث في سبع وعشرين، فالمراد السبع الأخير وهو السبع والعشرون، وجمعه باعتبار جنسه، أي: اطلبوا في كل سبع وعشرين. هذا ما فهمت من كلام القاري مهذبًا ومهذبًا. وما يخطر بالبال في معناه أن (الأواخر) ليس بصفة لـ (سبع)، بل موصوفه محذوف اختصارًا، أي: اطلبوا في السبع الأوتار من النصف الآخر، وجمعيته باعتبار الأيام، فيكون المبدأ من ليلة سبع عشرة، والمنتهى ليلة التسع والعشرين، وقريب منه الاحتمال الثالث، أي: التمسوها في السبع من العشر الأواخر، فيكون البدء من ليلة إحدى والعشرين، والختم على سبع وعشرين.
(1)
"كتاب الميسر"(2/ 481).
(2)
"مشارق الأنوار"(2/ 486).
2085 -
[3] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ: فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 2021].
ــ
وكذا للقابسي مرة بالهمزة، وكذا قيدناه في (الموطأ) عن شيخنا أبي إسحاق، ولعلهم لم يكتبوا للهمزة ألفًا فترك بعضهم ذكرها جهلًا، وفي الحديث دليل على أن الرؤيا لها اعتبار في الأمور الموجودية، وذلك حق إذا لم يكن مخالفًا للأحكام الشرعية.
2085 -
[3](ابن عباس) قوله: (التمسوها) الضمير مبهم يفسره قوله: (ليلة القدر)، ويمكن أن يكون راجعًا إلى ليلة القدر المذكورة في مقام السؤال، وقوله:(ليلة القدر) بدلًا منه، ويجوز الإبدال في الضمير الغائب.
وقوله: (في تاسعة تبقى (1). . . إلخ) الذي يظهر في توجيهه أن يكون المراد التاسعة والعشرين والسابعة والعشرين والخامسة والعشرين كما ذكر في الرواية الأخرى، من حديث عبادة بن الصامت في الفصل الثالث، فيكون الترديد بين الأوتار الثلاثة من أوتار العشر الأخير، أو يكون المراد من التاسعة والسابعة والخامسة التسعة والسبعة والخمسة كما في حديث أبي بكرة في الفصل الثاني، فيكون الترديد بين الأوتار التي وقعت في تسعة أيام باقية من العشر الأخير وهي أربع ليال، والأوتار التي وقعت في سبعة أيام وهي ثلاث ليال، والأوتار التي في خمسة أيام، وهي ليلتان، واللَّه أعلم.
وقد يقال: (تاسعة تبقى) الليلة الثانية والعشرون؛ فإنها تاسعة، والرابعة والعشرون سابعة منها، والسادسة والعشرون خامسة منها، وهذا له وجه إن كان ذهب أحد إلى أن هذه الليالي ليلة القدر، نعم قد نقل في (فتح الباري)(2) قول شاذ في أربعة وعشرين،
(1) أي: يرجى بقاؤها.
(2)
"فتح الباري"(4/ 256).
2086 -
[4] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فِي قُبّهٍ تُرْكيَّةٍ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأسَهُ فَقَالَ:"إِنِّي اعْتكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِه اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِر، فَمَنْ كَانَ اعْتكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ". قَالَ: فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ،
ــ
واللَّه أعلم.
2086 -
[4](أبي سعيد الخدري) قوله: (في قبة تركية) نوع من القباب من لبود، ويسمى بالفارسية خِركَاه، كذا في بعض شروح (المصابيح).
وقوله: (أطلع) بفتح الهمزة وسكون الطاء، أي: أخرجه من القبة.
وقوله: (اعتكف) حكاية عن الحال الماضية كأنه يعتكف الآن طلبًا لها، وإلا كان الظاهر (اعتكفت).
وقوله: (ثم أتيت) بلفظ المجهول، أي: أتاني آت من الملائكة.
وقوله: (في العشر الأواخر) وصف بالجمع لما أن أوتارها مظنة الليلة كما جاء في الروايات بخلاف العشر الأول والأوسط فلم يصفهما بالجمع (1).
وقوله: (فقد أريت هذه الليلة) أي: معينة.
(1) قَالَ الطِّيبِيُّ (5/ 1623): فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ خُولِفَ بَيْنَ الأَوْصَافِ فَوَصَفَ الْعَشرَ الأَوَّلَ وَالأَوْسَطَ بِالْمُفْرَدِ، وَالآخِرَ بِالْجَمْعِ؟ قُلْتُ: تَصَوَّرَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ الأَخِيرِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَجَمَعَهُ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْعَشْرَينَ، انتهى.
وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمِ إِلَى قَوْلِهِ:"فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ". وَالْبَاقِي للْبُخَارِيِّ. [خ: 2016، م: 1167].
2087 -
[5] وَفِى رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: "لَيْلَةُ (1) ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 1168].
2088 -
[6] وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كعْبٍ. . . . .
ــ
و(العريش) بيت يسقف من أغصان الشجر كما يجعل للكروم، والعريش كل ما يستظل به، وكان سقف مسجده فى زمانه من أغصان النخل.
وقوله: (فوكف المسجد) أي: قطر ماء المطر من سقفه، وكف البيت يكف وكْفًا وكيفًا: قطر.
2087 -
[5](عبد اللَّه بن أنيس) قوله: (من حديث)(2) وفي بعض النسخ: (في رواية عبد اللَّه بن أنيس) بضم الهمزة بلفظ التصغير.
2088 -
[6](زرّ بن حبيش) قوله: (وعن زرّ) بكسر الزاي وتشديد الراء (ابن حبيش) بضم المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتانية في آخره شين معجمة.
وقوله: (سألتُ أبي بن كعب) وكان كثير الصحبة لأبي، وقال في
(1) قال القاري: بِجَرِّ لَيْلَةٍ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِوَضٌ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ هِيَ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، لأَنَّهُ أَمَرَهُ عليه الصلاة والسلام بِقِيَامِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلَيْلَةٌ مَرْفُوعَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. "مرقاة المفاتيح"(4/ 1439).
(2)
كذا في الأصل، والصواب:"في حديث"، انظر:"مرقاة المفاتيح"(4/ 1439).
فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُم الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَالَ: رحمه الله، أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ: بِالْعَلَامَةِ -أَوْ بِالآيَةِ- الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 762].
ــ
(الكاشف)(1): قال أبي بن كعب: يا زرّ ما تريد أن تدع آية إلا سألتني عنها.
وقوله: (ثم حلف لا يستثني) عطف على قال، أي: حلف أبي جازمًا من غير أن يقول: إن شاء اللَّه، ويتردد فيه، والضمير في (أنها تطلع) للشمس، وشعاعُ الشمس وشُعُّها، بضمهما: الذي تراه كأنه الحِبال مقبلةً عليك إذا نظرت إليها، أو الذي ينتشر من ضَوئها، أو الذي تراه ممتدًّا كالرِّماح بُعَيْدَ الطُّلوعِ وما أشْبهه، كذا في (القاموس)(2).
وجاء في رواية من حديث أحمد (3): (مثل الطست) فظهر أن أُبيًّا إنما قال بأمارة لا بالنص، وروي (4) أنه دعا عمرُ أصحابَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وسألهم عن ليلة القدر فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر، فقال ابن عباس لعمر: إني لأعلم -أو أظن- أيّ ليلة، هي سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر، فقال: من أين علمت ذلك؟ قال: خلق اللَّه سبع سماوات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، والدهر يدور في سبع، والإنسان خلق من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، وذكر الطواف والجمار وأشياء ذكرها،
(1)"الكاشف"(1/ 402).
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 676).
(3)
"مسند أحمد"(5/ 132).
(4)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(8821)، وعبد الرزاق في "مصنفه"(7679).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال: لقد فطنت لأمر ما فطنا له، انتهى.
وقال بعض الفضلاء: إن اللَّه تعالى ذكر ليلة القدر في سورة {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، ومجموعها سبعة وعشرين، وفيه إشارة إلى أنها الليلة السابعة والعشرون، وهذه وأمثالها كلها أمارات ظنية لا دلائل قطعية، ولا قطع بتعينها لأحد، وإن كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عالمًا بها قطعًا فلم يؤذن بتعينها للصحابة، وإن كان من الصحابة من أعلم بها فهو أيضًا ممنوع عنه، وفي ذلك سر وحكمة، واللَّه أعلم.
وقد روي (1) عن أبي ذر رضي الله عنه: أنه سأل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأقسم عليه ليخبره بها حتى أغضبه فقال: (لو أذن اللَّه لي أن أخبركم بها لأخبرتكم)، فإن قلت: فكيف حلف أبيّ من غير استثناء وهو يدل على الجزم والتوقيف؟ قلنا: هو مبالغة منه، ولعله حلف على غلبة ظنه، ويجوز الحلف على غلبة الظن، وعدم الاستثناء من باب المبالغة، واللَّه أعلم.
قالوا: قد اختلفت الروايات في تعيين هذه الليلة اختلافًا لا يرتفع معه الخفاء، إذ لم يثبت فيما يعول عليه من النقل من أحد من الصحابة، فإنه ما قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يحدث بميقاتها مجزومًا به، وإنما ذهب كل واحد إلى ما ذهب مما تبين له من معاريض الكلام الذي سمعه من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، والفهم يبلغ تارة ويقصر أخرى، والمجتهد يخطئ ويصيب، هذا ما ذكره الشارحون، وأقول: الظاهر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان عالمًا به، وأيُّ سرٍّ هذا يكتم له وقد كوشف له من الأسرار ما لا يعلمه إلا اللَّه؟
(1) أخرجه ابن حبان في "صحيحه"(3683).
2089 -
[7] وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 1175].
2090 -
[8] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 2024، م: 1174].
ــ
ولا يبعد أن كان هو صلى الله عليه وسلم قد خصه به بعض المقربين من أصحابه كما خص حذيفة بن اليمان بإعلام المنافقين، ولا يستنكر ذلك، وإنما يستنكر في الحدود والأحكام التي يتعبد بها المكلفون، فإن قلت: كيف يصح ذلك وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أريت هذه الليلة ثم أنسيتها؟ ) قلنا: يحتمل أنه أنسيها في عامه ذلك ثم كوشف بها بعد، فأخبر بها، كذا ذكر التُّورِبِشْتِي (1) رحمه الله رحمة واسعة.
2089 -
[7](عائشة) قوله: (ما لا يجتهد في غيره) وذلك أمارة أن فيها ليلة القدر ولا يجزم، لعله كان لتمام شهر رمضان وانقضائه، واللَّه أعلم.
2090 -
[8](عنها) قوله: (شدّ مئزره) أي: إزاره، وهو كناية عن الاجتهاد في العبادة أو عن الاعتزال عن النساء ومباشرتهن، ولا معنى لإرادة حقيقة شد المئزر، ولا فائدة في بيانها، والذي تقرر في علم البيان من جواز إرادة المعنى الحقيقي في الكناية إنما هو بمعنى عدم المانع من إرادته؛ لعدم نصب القرينة المانعة من إرادته كما في المجاز، لا بإرادتهما معًا إلا بطريق التوسل والعبور عنه إلى المعنى المقصود الذي كني عنه، فتدبر.
وقوله: (وأحيا ليله) الظاهر أن (ليله) مفعول به، ويحتمل أن يكون ظرفًا، والمفعول به محذوف، أي: أحيا نفسه في ليله، والاحتمالان جاريان في قولنا: إحياء
(1)"كتاب الميسر"(2/ 481).