الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
2211 -
[1] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يقْرَأ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَقْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَرْسِلْهُ، اقْرَأ" فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"هَكَذَا أُنْزِلَتْ"، ثُمَّ قَالَ لي:"اقْرَأ" فَقَرَأتُ، فَقَالَ:"هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ. [خ: 2419، م: 818].
ــ
الفصل الأول
2211 -
[1](عمر بن الخطاب) قوله: (هشام بن حكيم بن حزام) بكسر الحاء وبالزاي.
وقوله: (على غير ما أقرؤها) أي: على [غير] وجه قراءة كنت أقرأ السورة عليه.
وقوله: (أن أعجل) بالتخفيف، وفي بعض النسخ: بالتشديد.
وقوله: (ثم [أمهلته حتى] انصرف) أي: عن القراءة، أي: تركها.
وقوله: (ثم لببته بردائه) لببته تلبيبًا: إذا جمعت ثيابه عند نحره في الخصومة ثم جررته، واللَّبَّة واللَّبب: المنحر.
وقوله: (أرسله) خطاب لعمر رضي الله عنه، و (اقرأ) خطاب لهشام.
وقوله: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) قد سبق في كتاب العلم بيان المراد بسبعة أحرف أنها القراءات أو اللغات المختلفة.
2212 -
[2] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ خِلَافَهَا، فَجئْتُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، فَقَالَ:"كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ، فَلَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 2410].
2213 -
[3] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَا، فَحَسَّنَ شَأْنَهُمَا، فَسُقِطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ (1) وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ،. . . . .
ــ
2212 -
[2](ابن مسعود) قوله: (في وجهه الكراهية) لجداله وخلافه، والاختلاف المنهي عنه إنكار أحد وجوه القرآن التي أنزل عليها.
2213 -
[3](أبي بن كعب) قوله: (فلما قضينا) بلفظ المتكلم مع الغير، وفي بعض النسخ:(فلما قضيا) بلفظ التثنية.
وقوله: (ولا إذ كنت في الجاهلية) أي: ولا وقع في نفسي التكذيب والوسوسة إذ كنت في الجاهلية، وهذا مبالغة، ولأنه كان في الجاهلية جاهلًا، فلا يستبعد وقوع التكذيب والوسوسة إذ ذاك.
(1) قال القاري: جاء في الفرقان الحميد: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} الآية [الأعراف: 149]، يقال: سقط في يده أو يديه بمعنى ندم، فالمراد ههنا: ندمت من تكذيبي إياهم مثل ما لم أندم مثله في زمان قطّ من الإسلام والجاهلية، فتأمل. انتهى ملخصًا. انظر:"مرقاة المفاتيح"(4/ 1510).
فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْت عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا، فَقَالَ لِي: "يَا أُبَيُّ! أُرْسِلَ إِلَيَّ: أَنِ اقْرَأ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ. . . . .
ــ
وقوله: (ما قد غشيني) أي: من التكذيب والوسواس.
وقوله: (ففضت) على وزن (بعت)، من فاض الماء يفيض فيضًا: كثر حتى سال، و (عرقًا) تمييز، وهذا أبلغ من أن يقول: فاض عرقي، مثل قول القائل: سالت عيني دمعًا، و (فرقًا) بفتحتين، أي: خوفًا، مفعول له، و (أرسل) بصيغة المجهول أو المعلوم، أي: اللَّه تعالى، والأول أشهر رواية، والثاني أبلغ معنى؛ لأنه لما انكشف على أبيّ جلال اللَّه ونظر إليه بعين قلبه أرجع إليه الضمير غير ما سبق ذكره، أي: أرسل الذي رأيته ونظرت إليه.
وقوله: (أن أقرأ) بلفظ المتكلم والأمر.
وقوله: (فرددت) أي: راجعت إليه (فرد) أي: أرسل (إليّ الثانية) بلفظ المجهول أو المعلوم، والظاهر أن (اقرأه) هذا بلفظ الأمر، وكذا ما بعده.
وقوله: (ولك بكل ردة [رَدَدْتُكَهَا] مسألة)(1) أي: إجابة مسألة أيّ مسألة كانت،
(1) قال القاري (4/ 1511): أَيْ لَكَ بِمُقَابَلَةِ كُلِّ دَفْعَةٍ رَجَعَتْ إِلَيَّ، وَ (رَدَدْتُكَهَا) بِمَعْنَى أَرْجَعْتُكَ إِلَيْهَا بِحَيْثُ مَا هَوَّنْتُ عَلَى أُمَّتِكَ مِنْ أَوَّلِ الأَمْرِ "مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا" قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذِهِ الْجُمْلَةُ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، يَعْنِي مَسْأَلَةً مُسْتَجَابَةً قَطْعًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يَنْبَغِي أَنْ تَسْأَلَنِيهَا فَأُجِيبَكَ إِلَيْهَا، انتهى.
تَسْأَلُنِيهَا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ عليه السلام". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 820].
ــ
ولذا وصفها بصيغة الجنس للتعميم، وقال:(تسألنيها) على وزن {طَائِرٍ يَطِيرُ} .
لما سأل رسول اللَّه -ومحبوبه ومقبوله في الحضرة صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات (أن هون على أمتي)، بارك سبحانه وتعالى عليه وكرّمه زيادة بركات وتكريمات متعلقة بأمر الآخرة لأمته المرحومة بعد أن أنجح مرامه وأسعف سؤله فيهم في أمر الدنيا بجميع التيسير والتسهيل عليهم في الدنيا والآخرة، فأمره تعالى بأن يسأله ثلاث مسائل، فسأل صلاة اللَّه وسلامه المغفرة لهم ثلاثًا، فالأولى للسابقين لما يصدر عنهم من الهفوات والزلات ما لا يليق بشأن قربهم ومكانهم من اللَّه على ما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، والثانية للمقتصدين المقصِّرين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وأَخَّرَ الثالثة للظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكابهم المعاصي وانهماكهم فيها، حتى لعل واحدًا منهم لم يكن فيهم إلا مثل حبة خردل من إيمان أو خير.
قال الطيبي (1): إنه صلى الله عليه وسلم جعل الدعوات الثلاثة مقصورة على دعوة واحدة -وهي المغفرة- اقتصارًا على الأهم والأصل الجامع لجميع الخيرات، وامتثل أمره تعالى بالتثليث بتكراره ثلاثًا بطريق التأكيد، أو في أزمنة متعددة مرتين في الدنيا ومرة في الآخرة يوم تظهر رفعة شأنه وعظمة برهانه، وذلك اليوم يوم ينادي كل نبي: نفسي نفسي، وهو صلى الله عليه وسلم يقول:(أمتي أمتي).
وقوله: (حتى إبراهيم) تخصيصه بالذكر لأنه أبوه وأصله وأفضل الأنبياء بعد نبينا صلوات اللَّه وسلامه عليه كما نص عليه العلماء، وليس عنهم نص في غيره من الأنبياء
(1)"شرح الطيبي"(4/ 291).