الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
1956 -
[1] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ شَهَرُ رَمَضَانَ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ".
ــ
لم يكونوا يعدون الفجر فجركم، وإنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت، قال شمس الأئمة الحلواني: الأول أحوط، والثاني أرفق (1).
الفصل الأول
1956 -
[1](أبو هريرة) قوله: (إذا دخل [شهر] رمضان) في (القاموس)(2): الرمض محركة شدةُ وقعِ الشمس على الرمل وغيره. رمض يومُنا، كفرح: اشتد حرّه، وقدمه: احترقت من الرمضاء، للأرض الشديدة الحرارة، ورمضان معروف، والجمع رمضانات ورمضانون وأرمضة، وأرمض شاذ، سمي به لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور من اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر زمن الحر والرمض، أو من رَمَضَ الصائمُ: اشتد حرُّ جوفه، أو راجع إلى معنى الغافر، أي: يمحو الذنوب ويمحقها، انتهى.
وقوله: (فتحت أبواب السماء) بالتخفيف والتشديد، وفي التشديد من المبالغة ما ليس في التخفيف، وقد قرئت بهما في الآية، لكن التخفيف في الحديث أكثر وأشهر وأظهر؛ لأن الفتح كل الفتح إنما يكون في الآخرة للدخول والاستقرار فيها، وأما في الدنيا فشيء منها في الجملة، ثم إنهم قالوا: الفتح هنا كناية عن تنزيل الرحمة وكثرتها وتواترها، وتؤيده رواية:(فتحت أبواب الرحمة) وكذلك فتح أبواب الجنة كناية عن
(1)"مرقاة المفاتيح"(4/ 484).
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 594).
وَفِي رِوَايَةٍ: "فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ (1) ".
ــ
التوفيق للخيرات الذي هو سبب لدخول الجنة، وغلق أبواب جهنم كناية عن تخلص نفوس الصوام من بواعث المعاصي بقمع الشهوات، ولا يحسن حملها على الظواهر؛ لأن ذكرها على سبيل المن على الصوام، وأي فائدة في فتح باب السماء، وكذا في فتح أبواب الجنة وغلق أبواب جهنم؛ لأنه لا يدخل فيها أحد ما دام في هذه الدار إلا أن يقال: المقصود بيان شرف رمضان وفضله على سائر الشهور، وإنزال الرحمة والتوفيق والتخلص المذكور حاصل أيضًا، أو يحمل ذلك على أن الأمر متعلق بمن مات من صوام رمضان من صالحي أهل الإيمان وعصاتهم الذين استحقوا العقوبة، فوصول الروح من الجنة وعدم إصابة لفح جهنم وسمومها عليهم في عالم البرزخ أكثر وأوفر على تقدير الفتح والغلق كذا قيل.
(1) قال القاري (4/ 1361): أَيْ قُيِّدَتْ بِالسَّلَاسِلِ مَرَدَتُهُمْ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ عَنِ امْتِنَاعِ تَسْوِيلِ النُّفُوسِ، وَاسْتِعْصَائِهَا عَنْ قَبُولِ وَسَاوِسِهِمْ، إِذْ بِالصَّوْمِ تَنْكَسِرُ الْقُوَّةُ الْحَيَوَانِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَبْدَأُ الْغَضَبِ وَالشَّهَوَاتِ الدَّاعِيَيْنِ إِلَى أَنْوَاعِ السَّيِّئَاتِ، وَتَنْبَعِثُ الْقُوَّةُ الْعَقْلِيَّةُ الْمَائِلَةُ إِلَى الطَّاعَاتِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ أَنَّ رَمَضَانَ أَقَلُّ الشُّهُورِ مَعْصِيَةَ، وَأَكْثَرُهَا عِبَادَةً، انتهى. وقال التُّورِبِشْتِي: ولنا أن نحمل ذلك على ظاهره كما يحمل قوله سبحانه: {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} [ص: 38] على الظاهر. فان قال قائل: فما أمارة ذلك، ونحن نرى الفاسق في رمضان لا يرعوي عن فسقه، وإن ترك بابًا أتى بابًا آخر؟ . قلنا: أَمَارَةُ ذَلِكَ تَنَزُّهُ أَكْثَرِ الْمُنْهَمِكِينَ فِي الطُّغْيَانِ عَنِ الْمَعَاصِي وَرُجُوعُهُمْ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ، وإكبابهم على إقام الصلاة بعد التهاون بها، وإقبالهم على تلاوة كتاب اللَّه واستماع الذكر بعد الإعراض عنهما، وتركهم ارتكاب المحظورات بعد حرصهم عليها. وَأَمَّا مَا يُوجَدُ مِنْ خِلَافِ ذَلِكَ فِي بَعْضِهِمْ ويؤنس عنهم من الأباطيل والأضاليل فَإِنَّهَا تَأْثِيرَاتٌ مِنْ تَسْوِيلَاتِ الشَّيَاطِينِ أُغْرِقَتْ فِي عُمْقِ تِلْكَ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ، وَبَاضَتْ فِي رُؤُوسِهَا، وقد أشار بعض العلماء فيه إلى المعنى الذي ذكرنا. "كتاب الميسر"(2/ 456).
وَفِي رِوَايَةٍ: "فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 1899، م: 1079].
1957 -
[2] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، مِنْهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 3257، م: 1152].
1958 -
[3] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 1901، م: 760].
1959 -
[4] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ. . . . .
ــ
وقوله: (متفق عليه) قيل: رواية: (أبواب السماء) من أفراد البخاري، و (أبواب الرحمة) من أفراد مسلم، والمتفق عليها (فتحت أبواب الجنة).
1957 -
[2](سهل بن سعد) قوله: (يسمى الريان) قد سبق بيانه في (باب فضل الصدقة).
1958 -
[3](أبو هريرة) قوله: (ومن قام رمضان (1)) المراد قيام ليالي رمضان للصلاة.
1959 -
[4](أبو هريرة) قوله: (كل عمل ابن آدم) مبتدأ، وقوله:
(1) قال القاري (4/ 1361): وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: (رَمَضَانُ) بِدُونِ شَهْرٍ، وَكَرِهَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِخَبَرِ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَهُوَ شَاذٌّ، لِأَنَّ الْخَبَرَ الضَّعِيفَ لَا يُثْبِتُ اسْمَ اللَّهِ، انتهى. وفي "التقرير": ونُسِبَ القولُ بكراهته لمحمد كما في "الشامي".
يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. . . . .
ــ
(يضاعف) خبره بتقدير الضمير، أي: يضاعف الحسنة منه.
وقوله: (إلا الصوم) فإن ثوابه لا يقادر قدره ولا يقدر إحصاءه إلا أنا، فأنا أجزي به ما أشاء.
وقوله: (فإنه لي) أضافه تعالى إليه إضافة تشريف وتكريم كما في قوله تعالى: {نَاقَةُ اللَّهِ} مع أن العالم كله له سبحانه، وقيل: لأنه لم يعبد غيره تعالى به، فلم يعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودًا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود وغيرهما، وقيل: لأن الصوم بعيد من الرياء لخفائه، بخلاف غيره من العبادات الظاهرة، يعني: لا يدخل الرياء بفعله وإن كان قد يدخله بالقول كمن يخبر بأنه صائم، فإنما يدخل الرياء من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال؛ فإن الرياء يدخلها بمجرد فعلها، وقيل: لأنه ليس للصائم ونفسه فيه حظ، وقيل: لأن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب تعالى، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته تعالى أضافه إليه، والموافق بسياق الحديث أن الإضافة لأجل أنه تعالى هو المتفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته.
وقوله: (يدع شهوته وطعامه) جملة موجبة لعلة الحكم، و (طعامه) من عطف الخاص على العام، وفي رواية:(طعامه وشرابه) فحينئذٍ يكون المراد بالشهوة شهوة الجماع.
وقوله: (فرحة عند فطره) إما بما يحصل من انتعاش الطبيعة بالأكل والشرب بعد الجوع والعطش مع ضميمة نورانية العبادة والتقرب والشكر كما قيل: الماء الحلو
وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِبح الْمِسْكِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ،
ــ
البارد يخرج الشكر من صميم القلب، وإما بالشكر على تمام النعمة وتوفيق اللَّه سبحانه به، و (الخلوف) بالضم تغير فم الصائم وطيبه (1)، (عند اللَّه) كناية عن قربه تعالى ورضاه عن الصائم، وقيل: يكون يوم القيامة أطيب منه كدم الشهيد (2).
وقوله: (والصيام جنة) أي: من المعاصي في الدنيا، أو من النار في الآخرة.
وقوله: (فلا يرفث) بضم الفاء أي لا يفحش ولا يتكلم بكلام قبيح، (ولا يصخب) بفتح الخاء، أي: لا يرفع صوته بالهذيان والخصومة.
(1) قال الباجي: الْخُلُوفُ تَغَيُّرُ رَائِحَةِ فَمِ الصَّائِمِ، وَإِنَّمَا يَحْدُثُ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ بِتَرْكِ الأَكْلِ وَلَا يَذْهَبُ بِالسِّوَاكِ؛ لأَنَّهَا رَائِحَةُ النَّفَسِ الْخَارِجِ مِنْ الْمَعِدَةِ، وَإِنَّمَا يَذْهَبُ بِالسِّوَاكِ مَا كَانَ فِي الأَسْنَانِ مِنْ التَّغَيُّرِ. وَقَالَ الْبَرْنِيُّ: خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ تَغَيُّرُ طَعْمِ فَمِهِ وَرِيحِهِ لِتَأَخُّرِ الطَّعَامِ، وَهَذَا لَيْسَ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ رحمه الله، وَإِنَّمَا هُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَلِذَلِكَ مُنِعَ الصَّائِمُ السِّوَاكَ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ؛ لأَنَّهُ وَقْتُ وُجُودِ الْخُلُوفِ فِيهِ عِنْدَهُ، وَأَبَاحَهُ مَالِكٌ رحمه الله؛ لأَنَّ الْخُلُوفَ عِنْدَهُ لَا يَزُولُ بِالسِّوَاكِ؛ لأَنَّ أَصْلَهُ مِنَ الْمَعِدَةِ، وَلَوْ زَالَ بِالسِّوَاكِ لَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ قَبْلَ الزَّوَالِ؛ لأَنَّ تَعَاهُدَهُ بِالسِّوَاكِ قَبْلَ الزَّوَالِ يَمْنعُ وُجُودَهُ مِنْهُ بَعْدَ الزَّوَالِ. انتهى. "المنتقى شرح الموطأ"(2/ 74).
(2)
اختلف في كون الخلوف أطيب عند اللَّه من ريح المسك مع أنه سبحانه وتعالى منزه عن استطابة الروائح إذ ذاك من صفات الحيوان، ومع أنه يعلم الشيء على ما هو عليه على أوجه. قال المازري: هو مجاز لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا، فاستعير ذلك للصوم لتقريبه من اللَّه، فالمعنى أنه أطيب عند اللَّه من ريح المسك عندكم، أي: يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر. وقيل: المراد أن ذلك في حق الملائكة، وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما تستطيبون ريح المسك. وقد بسط في "الفتح" عدة أقوال فارجع إليه (4/ 105 - 106).