الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
1646 -
[1] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً. . . . .
ــ
وقيل: تنقلب الأولى صحيحة عند تحقق العجز فلا تعاد، كذا ذكره في (شرح ابن الهمام)(1)، وسيأتي الكلام في قيد الحضور في صلاته صلى الله عليه وسلم على النجاشي.
الفصل الأول
1646 -
[1](أبو هريرة) قوله: (أسرعوا بالجنازة) أي: بحملها إلى القبر، والأمر فيه للاستحباب بلا خلاف (2)، وشذَّ ابن حزم الظاهري فقال بوجوبه بظاهر الأمر (3)، وقيل: المراد بالإسراع تجهيزها، أو ما هو أعم من الأول، وينافيه (تضعونه عن رقابكم)، وتعقب بأن الحمل عن الرقاب يعبر به عن أداء الحق، كما يقال: حمل فلان عن رقبته ديونًا. والجنازة تطلق على الميت، والضمير في قوله:(فإن تك صالحة) راجعٌ إليها، ولا حاجة إلى إرجاعه إلى الجثة المحمولة، كما في بعض الشروح، ولا إلى ما قال الطيبي (4): أَسند الفعلَ إلى الجنازة وأراد به الميت، وقال: إذ جعلت
(1)"شرح فتح القدير"(2/ 117).
(2)
انظر: "المغني"(3/ 394)، قال ابن قدامة: لا خلاف بين الأئمة في استحباب الإسراع بالجنازة، انتهى. والمراد بالإسراع: الإسراع المتوسط بين الخبب، أي: شدة السعي -وبين المشي المعتاد، قال العيني (6/ 155): مراده الإسراع المتوسط، قال الحافظ (3/ 184): وهو قول الجمهور، والحاصل أنه يستحب الإسراع بها لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشمه على الحامل أو المشيع، انتهى.
(3)
"المحلى بالآثار"(3/ 381).
(4)
"شرح الطيبي"(3/ 360).
فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 1315، م: 944].
1647 -
[2] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَت لأَهْلهَا: يَا ويْلَهَا، أَيْن تذهبون بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءِ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ. . . . .
ــ
الجنازة عين الميت ووصفت بأعماله الصالحة. . . إلى آخر ما قرر، فافهم.
وقوله: (فخير تقدمونها إليه) أي: فالإسراع سببُ خيرٍ تقدمون الجنازة إليه، وهو وصولها إلى جزاء عمله من نعيم القبر.
1647 -
[2](أبو سعيد) الخدري، قول:(إذا وضعت الجنازة) أي: وضع الميت على النعش.
وقوله: (قالت) أي: الجنازة، قيل: القائل الروح، وأسند القول إلى الجنازة -وهو الجسد- مجازًا، وقيل: لا مانع من إن يردَّ اللَّه سبحانه الروح إلى الجسد في تلك الحال (1).
وقوله: (يا ويلها) الويل: الهلاك، ينادي الهلاك ويقول: يا هلاكي احْضُرْ فهذا أوانُكَ، والظاهر أن يقول: يا ويلي، ولكنه من تصرف الراوي كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه، وقيل: لما كان أبصر نفسه غير صالحةٍ نزعها وجعلها كأنها غيره، وهذه نكتة، والوجه هو الأول.
(1) قال ابن بزيزة: قوله في آخر الحديث: "يسمع صوتها كل شيء" قال على أنه قول بلسان القال لا بلسان الحال، انظر:"فتح الباري"(3/ 185)، و"عمدة القاري"(6/ 158).
لَصَعِقَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 1316].
1648 -
[3] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 1310، م: 959].
1649 -
[4] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: مَرَّتْ جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقُمْنَا مَعَهُ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ، فَقَالَ: "إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ،
ــ
وقوله: (لصعق) أي: مات، وقيل: يغشى عليه، والصعق يجيء بالمعنيين.
1648 -
[3](وعنه) قوله: (فقوموا) ترحيبًا للميت وتعظيمًا لإيمانه، أو تهويلًا للموت وتفظيعًا له، وهو المفهوم من حديث جابر (1).
وقوله: (حتى توضع) أي: بالأرض، وقيل: في اللحد، والأول أصح وأوفق بالأحاديث، وترجم البخاري (2):(باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال)(3).
1649 -
[4](جابر) قوله: (مرت جنازة) بضم الميم وفتحها، والضم أكثر.
وقوله: (فزع) الرواية بفتح الزاي، أي: محلُّ فزع (4).
(1) الآتي برقم (1649).
(2)
انظر: "صحيح البخاري"(1310).
(3)
قال شيخنا: إن ههنا قيامين اختلفت الأئمة في حكمهما، الأول: القيام لمن مرت عليه الجنازة، والثاني: قيام من تبعها، ثم لخص الكلام عليهما مختصرًا. فالقيام للجنازة لمن مرت به منسوخ عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه، ومستحب عند أحمد ومن وافقه، والقيام لمن تبعها حتى توضع بالأرض مستحب عند الجمهور، انظر:"أوجز المسالك"(4/ 520 - 528).
(4)
اختلفت الروايات في بيان التعاليل للقيام بالجنازة، فلا منافاة بين هذه التعاليل، إذ يجوز =
فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَة فَقُومُوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 1311، م: 960].
1650 -
[5] وَعَن عَليٍّ قَالَ: رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ فَقُمْنَا وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا، يَعْنِي فِي الْجَنَازَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَأَبِي دَاوُدَ: قَامَ فِي الْجَنَازَةِ ثُمَّ قَعَدَ بَعْدُ. [م: 962، ط: 33، د: 3175].
1651 -
[6] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ،
ــ
1650 -
[5](علي رضي الله عنه) قوله: (قام فقمنا) وفي رواية أبي ذر: (وقمنا) بالواو، وأما قوله:(فقعدنا) فبالفاء، وللحديث معنيان: أحدهما: أنه قام لرؤية الجنازة، ثم قعد بعد تجاوزه وبُعده عنه، وثانيهما: أنه كان أولًا يقوم، ثم قعد، فيكون الأول منسوخًا، أو دل فعله الأخير على أن الأول كان مندوبًا لا واجبًا.
1651 -
[6](أبو هريرة) قوله: (من اتبع) بالتشديد، وللأصيلي:(تبع) على وزن سمع.
وقوله: (حتى يصلي) بكسر اللام، ويروى بفتحها والفتح أكثر، ولكنها محمولة على الكسر، فإن حصول القيراطين موقوف على وجود الصلاة من الذي يتَّبع، كذا في بعض الشروح نقلًا عن الشيخ (1).
وقوله: (يفرغ) بصيغة المعلوم، وفي رواية بالمجهول، والقيراط جزء من أربعة
= تعدد الأغراض والعلل، انظر:"فتح الباري"(3/ 180)، و"أوجز المسالك"(4/ 518)، و"مرعاة المفاتيح"(5/ 366).
(1)
انظر: "فتح الباري"(3/ 196 - 197).
كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 1325، 945].
1652 -
[7] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَات. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 1318، م: 951].
ــ
وعشرين، وهو ثلث الثمن، كذا نقل عن (نزهة الحسَّاب)(1)، وقال الجوهري (2): القيراط: نصف الدانق، فهو جزء من اثني عشر؛ لأن الدانق جزء من ستة. وقال في (القاموس) (3): القيراط يختلف وزنه بحسب البلاد، فبمكة: ربع سدس دينار، وبالعراق: نصف عُشره، والقيراط: أصله قِرّاط برائين، فأبدل من إحدى حرفي التضعيف ياء بدليل جمعه على قراريط؛ كدينار ودِنّار لجمعه على دنانير، والمراد في الحديث: القسط والنصيب (4).
1652 -
[7](وعنه) قوله: (نعى للناس) أخبرهم بموته، نعاه له نعيًا ونعوًا
(1) هو للشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الهائم، المتوفى سنة 815 هـ، لخصه من "المرشدة في علم الغبار"، ورتبة على مقدمة وبابين وخاتمة. "كشف الظنون"(2/ 1942).
(2)
"الصحاح"(3/ 1151).
(3)
"القاموس المحيط"(ص: 628).
(4)
قال الحافظ (3/ 194 - 195): ذهب الأكثر إلى أن المراد بالقيراط جزء من أجزاء معلومة عند اللَّه، وقد قرّبها النبي صلى الله عليه وسلم للفهم بتمثيله القيراط بأحد، انتهى.
قال النووي: اعلم أن الصلاة يحصل بها قيراط إذا انفردت، فإن انضم إليها الاتباع حتى الفراغ حصل له قيراط ثان، ولمن اقتصر على الصلاة قيراط واحد، انتهى نقلًا عن "عمدة القاري"(1/ 401).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ونعيانًا: أخبره بموته (1)، والنجاشي (2) اسمه أصحمة بفتح الهمزة وسكون صاد وفتح حاء مهملتين على الصواب، ولبعضهم صحمة، ولآخرين صمحة، كذا في (شرح صحيح مسلم)(3)، والنجاشي لقب ملك الحبشة، وهو بفتح النون -وقيل: بكسرها- وخفة جيم وبمعجمة وخفة ياء وهو الأكثر، وعن صاحب (التكملة): تشديدها، وقيل: بهما، وتشديد جيمه خطأ.
والحديث متمسَّك الشافعي في الصلاة عن الغائب، ونحن نقول: رُفع سريره له صلى الله عليه وسلم حتى رآه بحضرته، أو كشف له، فيكون صلاة من خلفه كالصلاة على ميت يراه الإمام ويحضره دون المأمومين، وهذا غير مانع من الاقتداء، وقيل: ذلك مخصوص بالنجاشي فلا يلحق به غيره وإن كان أفضل منه، كشهادة خزيمة من شهادة الصديق.
وفي صلاته صلى الله عليه وسلم على غير النجاشي كمعاوية المزني الذي مات بالمدينة والنبيُّ صلى الله عليه وسلم بتبوك، وعلى زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب استُشهدا بمؤتةٍ كلام من حيث إسناد الأحاديث التي رويت فيها، وعلى تقدير التسليم إنما قلنا بتخصيصه بالنجاشي على تقديرِ أن لم يرفع ولم يكشف سريره للنبي صلى الله عليه وسلم، وأما على تقدير الرفع والكشف فلا
(1) فيه جواز النعي، قال الحافظ:(3/ 117): إن النعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نهي عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، قال ابن العربي في "عارضة الأحوذي" (2/ 206): تؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح، فهذا سنة، والثانية: دعوة الحفل للمفاخرة، فهذه تكره، الثالثة: الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك، فهذا يحرم، انتهى. انظر:"أوجز المسالك"(4/ 439).
(2)
اختلف العلماء في أن النجاشي هذا هو الذي أرسل إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كتابه أو غيره؟ فلينظر لزامًا: "أوجز المسالك"(4/ 440)، و"زاد المعاد"(1/ 116)، و"تاريخ الخميس"(2/ 30).
(3)
"شرح صحيح مسلم"(4/ 27).
1653 -
[8] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكَبِّرُهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 957].
ــ
صلاة على الغائب، وفي قصة زيد وجعفر كان كذلك (1).
1653 -
[8](عبد الرحمن بن أبي ليلى) قوله: (كبر على جنازة خمسًا) قد اتفق الأئمة الأربعة على أن التكبيرات في صلاة الجنازة أربع (2)، وردت فيها الأحاديث الصحيحة من الكتب الستة، وجاء في بعض الروايات الخمسُ وأكثر منها، والذي ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم آخرًا هي الأربع.
وقال في (فتح الباري)(3): قد اختلف السلف في ذلك، فروى مسلم عن زيد بن أرقم أنه كبر خمسًا، ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وروى ابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه:(أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد فكبَّر خمسًا)، وروى ابن المنذر وغيره [عن عليٍّ]:(أنه كان يكبر على أهل بدر ستًّا، وعلى باقي الصحابة خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا) وذهب بكر بن عبد اللَّه المزني: أنه لا يُنقص من ثلاث ولا يزاد على سبع، وقال أحمد مثله، لكن قال: لا يُنقص من أربع، وروي عن أنس الاقتصار على ثلاث، وروي أيضًا أنه كبر على جنازة ثلاثًا، ثم انصرف ناسيًا، فقيل: يا أبا حمزة إنك كبَّرت ثلاثًا، قال: فصُفُّوا، فصَفَّوا فكبَّر الرابعة. وقال: والذي نختاره ما ثبت عن عمر، فإنه جمع الناس على أربع، وروى البيهقي بإسناد [حسن إلى] أبي وائل قال: كانوا يكبرون
(1) انظر: "أوجز المسالك"(4/ 442 - 448).
(2)
انظر: "المغني"(3/ 410)، و"المجموع"(5/ 134)، و"فتح القدير"(2/ 123).
(3)
"فتح الباري"(3/ 202).
1654 -
[9] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، فَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 1135].
ــ
على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سبعًا وخمسًا وستًا وأربعًا، فجمع عمر الناس على أربع، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار يزيد التكبير على أربع إلا ابن أبي ليلى، انتهى.
وقال الشُّمُنِّي: قال محمد في (الآثار)(1): عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النخعي: أن الناس كانوا يكبرون على الجنائز خمسًا وستًّا وأربعًا حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كبروا كذلك في ولاية أبي بكر، ثم ولي عمر ففعلوا ذلك، فقال لهم عمر: إنكم أصحاب محمد متى تختلفون يختلف الناس بعدكم، والناس حديث عهد بالجاهلية، فاجمعوا على شيء يجتمع عليه مَنْ بعدكم، فاجتمع رأي أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن ينظروا آخر جنازة كبر عليها [النبي صلى الله عليه وسلم حين قبض] فيأخذوا به ويرفضوا ما سواه، [فنظروا] فوجدوا آخر جنازة كبر عليها أربعًا، فأجمعوا عليه.
ثم إنه لا دعاء بعد التكبيرة الرابعة، بل يسلم من غير ذكر بعدها في ظاهر الرواية، واستحسن بعض المشايخ:{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [البقرة: 201]، و {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8] الآيتين، كذا في (شرح ابن الهمام)(2).
1654 -
[9](طلحة بن عبد اللَّه بن عوف) قوله: (فقرأ فاتحة الكتاب) قال علماؤنا: لا يقرأ الفاتحة إلا أن يقرأها بنية الثناء، ولم يثبت القراءة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم،
(1) انظر: "كتاب الآثار"(ص: 49)، مع اختلاف يسير في ألفاظ الحديث.
(2)
"شرح فتح القدير"(2/ 123).
1655 -
[10] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مَدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْج وَالْبَرَدِ، وَنقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلَا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. . . . . .
ــ
وفي (موطأ مالك): عن نافع: أن ابن عمر كان لا يقرأ في صلاة الجنازة، ويصلي بعد التكبيرة الثانية كما يصلي في التشهد وهو الأولى، كذا قال الشيخ ابن الهمام (1)، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والثوري، وكان عمل الصحابة في ذلك مختلفًا.
وقال الطحاوي (2): لعل قراءة بعض الصحابة الفاتحة في صلاة الجنازة كان بطريق الثناء والدعاء لا على وجه القراءة، وعند مالك والشافعي: يقرأ الفاتحة، ويظهر من كلام (فتح الباري)(3) أن مرادهم بذلك مشروعية القراءة لا وجوبها، وقال الكرماني (4): يجب، والمراد بالسنة التي وقع في كلام ابن عباس: الطريقة المسلوكة في الدين، وبه قال الطيبي (5).
1655 -
[10](عوف بن مالك) قوله: ) (وكرم نزله) بضم النون والزاي وتسكن: ما يقدم إلى الضيف من الطعام.
(1)"شرح فتح القدير"(2/ 121 - 122).
(2)
انظر: "شرح ابن بطال"(3/ 317)، و"الجوهر النقي" لابن التركماني (4/ 39).
(3)
"شرح الكرماني"(7/ 116).
(4)
"فتح الباري"(3/ 204).
(5)
"شرح الطيبي"(3/ 364).
وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ". وَفِي رِوَايَةٍ: "وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ" قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 963].
1656 -
[11] وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَة لما تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَتِ: ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم علَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ. . . . .
ــ
وقوله: (ومن عذاب النار)(أو) للشك أو بمعنى الواو، وقد جاء في رواية بالواو.
وقوله: (قال) أي: عوف بن مالك، والميت كان أبا سلمة.
1656 -
[11](أبو سلمة بن عبد الرحمن) قوله: (لما توفي سعد بن أبي وقاص) توفي رضي الله عنه في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل إليها على أعناق الرجال ليدفن بالبقيع، وذلك في إمرة معاوية، وعلى المدينة مروان.
وقوله: (قالت: ادخلوا به المسجد) فأصلي عليه، وفي رواية لمسلم (1):(أرسلت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه).
وقوله: (فأنكر ذلك عليها) على صيغة الماضي المجهول، أنكره الصحابة.
وقوله: (على ابني بيضاء) امرأة اسمها دعد بنت الجحدم، وسهل وسهيل ابناها من الصحابة، ينسبان إلى الأم، واسم أبيهما وهب بن ربيعة، ويظهر مما ذكر في (جامع الأصول) (2): أن سهلًا وسهيلا كلاهما مات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأما صلاته صلى الله عليه وسلم
(1)"صحيح مسلم"(خ: 973).
(2)
"جامع الأصول"(6/ 233)، و (12/ 451، 453).
فِي الْمَسْجِدِ: سُهَيْلٍ وَأَخِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 973].
ــ
فلم يذكرها إلا على سهل بلا ياء، ويفهم من هذا الحديث عن عائشة عند مسلم أنه صلى عليهما، وقد جاء في رواية لمسلم تخصيصها بسهيل بالياء، وذكر التُّورِبِشْتِي (1): أنهم لم يختلفوا في سهيل أنه مات بالمدينة سنة تسع، وصلى عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المسجد، وأما سهل فقيل: إنه مات في زمان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو الأكثر، وذكر عن الواقدي: أنه مات بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وروى مالك بن أنس هذا الحديث عن أبي النضر عن أبي سلمة، ولم يذكر فيه سهلًا، وأرسل الحديث، وقد روي هذا الحديث عن عائشة مبيَّنًا، وذكر فيه سهلًا وسهيلًا، انتهى كلام التُّورِبِشْتِي، واللَّه أعلم.
إذا عرفت هذا فاعلم أنهم اختلفوا في صلاة الجنازة في المسجد، فعندنا مكروه، سواء كان الميت والقوم في المسجد، أو كان الميت خارج المسجد والقوم في المسجد، أو كان الإمام مع بعض القوم خارج المسجد والميت والباقون في المسجد، أو الميت في المسجد والإمام والقوم خارج المسجد، قال في (الخلاصة): هكذا في (الفتاوى الصغرى)، وقال: هو المختار، خلافًا لما أورده النسفي، كذا نقل الشيخ ابن الهمام (2)، وقال: وهذا الإطلاق في الكراهة بناء على أن المسجد إنما بني للصلاة المكتوبة وتوابعها من النوافل والذكر وتدريس العلم.
وقيل: لا يكره إذا كان الميت خارج المسجد، وهو بناء على أن الكراهة لاحتمال تلويث المسجد، والأول هو الأوفق لإطلاق الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة (3)
(1)"الكتاب الميسر"(2/ 391 - 392).
(2)
"شرح فتح القدير"(2/ 128).
(3)
"سنن أبي داود"(3191)، و"سنن ابن ماجة"(1517).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (من صلى على ميت في المسجد فلا أجر له)، وروي:(فلا شيء له).
ثم هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ روايتان، ويظهر لي أنّ الأَولى كونها تنزيهية، إذ الحديث ليس هو نصًا غير مصروف، ولا قرن الفِعْل بوعيد بل سلبُ الأجر، وسلب الأجر لا يستلزم ثبوت استحقاق العقاب؛ لجواز الإباحة، ويجوز أن يكون المراد نفي الأجر الكامل، وقد يقال: إن الصلاة نفسها سببٌ موضوع للثواب، فسلبُ الثواب مع فعلها لا يكون إلا باعتبار ما يقرن بها من إثم يقاوم ذلك، وفيه نظر لا يخفى، كذا قال الشيخ ابن الهمام (1). وهذا هو مذهب مالك، والظاهر من قوله رحمه الله:(لا أحبه) كراهة التنزيه، وعند الشافعي جائزة، وما وجدنا فيه نصًا من الإمام أحمد رحمه الله في كتابه (2)، ولكنه قد يفهم من تخصيص الشارحين الخلاف بأبي حنيفة ومالك أن أحمد مع الشافعي في ذلك، واللَّه أعلم.
دليل الشافعي الحديث المذكور في الكتاب، وهو حديث صحيح رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وقد أقسمت عائشة فيه على صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد، وفي رواية: أنها قالت لما أنكر عليها: (ما أسرع مَا نسِيَ الناسُ! ما صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد)(3)، وفي رواية: (فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فقالت عائشة:
(1)"شرح فتح القدير"(2/ 128).
(2)
وفي "المغني" لابن قدامة (3/ 421): ولا بأس بالصلاة على الميت في المسجد إذا لم يخف تلويثه.
(3)
أخرجه مسلم في "صحيحه"(973).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما أسرع الناس أن يعيبوا ما لا علم لهم به! عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد، وما صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد) (1).
وتمسك أبو حنيفة ومالك بالحديث المذكور عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (من صلى على ميت في المسجد فلا أجر له)، وروي:(فلا شيء له)(2). وأما حديث عائشة فروايةُ واقعةٍ لا عموم لها، وما يثبت به إلا أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ولو مرة أو مرتين، ويجوز أن يكون ذلك لضرورة دعت إليه، وقد يروى: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان معتكفًا، لهذا صلى في المسجد، ويروى أيضًا: أن الجنازة كانت خارج المسجد، وفي هذه الصورة اختلاف بين الحنفية، وأيضًا قالوا: إن مصلى المسجد كان مكانًا متصلًا بالمسجد، فيحتمل أن رواية الصلاة في المسجد باعتبار كونه قريبًا من المسجد متصلًا به، وما جاء في رواية مسلم:(فوضعت عند حُجَرِهن) أيضًا مبني على ذلك، ويظهر أيضًا أن ذلك مبنَى ما يروى عن أبي يوسف أنه قال: إن كان مسجد معدًّا لذلك جازت فيه بلا كراهة، واللَّه أعلم. على أن إنكار الصحابة والتابعين مع كثرتهم دليل على أن الأمر استقر بعد ذلك على تركه ونسخه، ونسبة عائشة رضي الله عنها عدم العلم والنسيان إليهم محل كلام، ويحتمل أن تكون عائشة هي غير عالمة بالنسخ، وهو الظاهر لكثرتهم وإيقانهم، على أن في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى للصلاة على النجاشي دليلًا ظاهرًا على كراهته في المسجد، ولو كانت جائزة في المسجد لم يخرج كما هو الظاهر.
وقال بعض الشافعية: إن حديث أبي هريرة ضعيف؛ لأنه من أفراد صالح مولى
(1) هو الحديث السابق.
(2)
مر تخريجه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التوأمة، وهو يضعَّف، وعلى تقدير التسليم [فإن] الرواية:(فلا شيء عليه) -كما رواه الخطيب البغدادي- والمعنى: فلا حرج ولا إثم عليه.
وقال الشيخ ابن الهمام (1): مولى التوأمة ثقة، لكنه اختلط في آخر عمره، وأسند النسائي إلى ابن معين أنه قال: هو ثقة، لكنه اختلط قبل موته، فمن سمع منه قبل ذلك فهو ثبت حجة، وكلهم على أن ابن أبي ذئب راوي هذا الحديث عنه سمع منه قبل الاختلاط، فوجب قبوله بخلاف سفيان أو غيره، ورواية:(فلا شيء له) مشهور، ولا يعارضه رواية:(فلا شيء عليه)، انتهى كلام الشيخ.
وقال العبد الضعيف: رواه في (الهداية)(2): (فلا أجر له)، ورواه صاحب (جامع الأصول) (3):(فلا شيء له)، وقال: في نسخة: (فلا شيء عليه)، ويظهر من ذلك أن الأصل والأكثر (فلا شيء له)، وروى السيوطي في (جمع الجوامع) (4):(فليس له شيء)، وإذا ثبت أن الأكثر المشهور (فلا شيء له) ينبغي أن يحمل عليه رواية (فلا شيء عليه) إن ثبت، على معنى: فلا أجر له على هذا العمل، تطبيقًا وحملًا للظاهر على النص، واللَّه أعلم.
وما روي: أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد صلي عليهما في المسجد، كما روى ابن أبي شيبة (5): أنه صلى عمر على أبي بكر، وصهيب على عمر في المسجد، وقد حضرها
(1)"شرح فتح القدير"(2/ 128 - 129).
(2)
"الهداية"(1/ 91).
(3)
"جامع الأصول"(6/ 235، ص: 4335).
(4)
"الجامع الكبير" للسيوطي (7/ 55، ح: 20824).
(5)
"المصنف"(3/ 44، ص: 11967 - 11969).
1657 -
[12] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ وَسَطَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْه. [خ: 1332، م: 964].
ــ
المهاجرون والأنصار، فلم ينكر ذلك أحد، فعلى تقدير ثبوته يحمل على أن الجنازة كانت خارج المسجد.
هذا والحق أن قولهم إن كان أن السنة والأفضل أن يصلَّى في المسجد، فهو باطل قطعًا (1)، وإلا لكان هو المعمول في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولتوارث بعده، ولم ينكره أحد، بل لم يتركه أحد إلا لضرورة، وليس فليس، وإن كان المقصود أصل الجواز والإباحة فلا مناقشة على أن المختار عندنا الكراهة التنزيهية، ومآله أن الأولى والأفضل خصوصًا إذا كانت الجنازة خارج المسجد، فلا خلاف في الحقيقة، هذا وقد اعتاد في زماننا الصلاة في الحرم الشريف استحسانًا من المتأخرين، واللَّه أعلم.
1657 -
[12](سمرة بن جندب) قوله: (ماتت في نفاسها) القيد اتفاقي، وبيان لواقعة رأى فيها، واللَّه أعلم.
وقوله: (فقام وسطها) الرواية المشهورة بالتحريك، وقد يسكن، والفرق بينهما أن المتحرك ما بين الطرفين والساكن أعم، قالوا: المتحرك ساكن والساكن متحرك، واستدل به الشافعي على أن المستحب أن يقف الإمام عند عجيزة المرأة، والمذهب عندنا أن يقوم الإمام حذاء صدر الميت رجلًا كان أو امرأة، ويناسبه رواية وسط.
قال الشيخ ابن الهمام (2): هذا لا ينافي كونه الصدرَ، بل الصدر وسطٌ باعتبار
(1) وقال الشيخ ابن القيم بعد الكلام الطويل: فالصواب ما ذكرنا أولًا أن سنته وهديه الصلاة على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر، وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد، نقلًا عن "أوجز المسالك"(4/ 477).
(2)
"شرح فتح القدير"(2/ 126).
1658 -
[13] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ لَيْلًا، فَقَالَ:"مَتَى دُفِنَ هَذا؟ " قَالُوا: الْبَارِحَة. قال: "أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟ " قالوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 1247، م: 954].
ــ
توسط الأعضاء، إذ فوقه يداه ورأسه وتحته بطنه وفخذاه، ويحتمل أنه وقف كما قلنا إلا أنه مال إلى العجيزة في حقها، فظن الراوي ذلك لتقارب المحلين، واستدلوا بما روى أبو داود والترمذي من فعل أنس: أنه قام على جنازة رجل، فقام عند رأسه، ثم جيء بجنازة امرأة فصلى عليها وقام حذاء عجيزتها، ثم سئل أنس: يا أبا حمزة! هكذا كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنازة كصلاتك: يكبر عليها أربعًا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم (1).
وأجاب الحنفية عنه بأنه إنما قام عند عجيزة المرأة لأنه لم يكن النعوش حينئذ، فكان يقوم حيال عجيزتها يسترها من القوم، وسيأتي ذلك في آخر الفصل الثاني من حديث أبي غالب (2)، وقد قال الشُّمُنِّي: إنه روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه يقوم من المرأة حذاء العجيزة كما هو مذهب الجماعة.
1658 -
[13](ابن عباس) قوله: (البارحة) الليلة الماضية، إن ذكرت قبل الزوال يقال لها: الليلة، وإن ذكرت بعده يقال: البارحة.
وقوله: (فصلى عليه) أي: على القبر بعد ما كان الناس قد صلوا عليه، كذا يفهم من بعض الأحاديث، وهو الظاهر لأن دفنهم الميت بدون الصلاة بعيد.
(1) واختاره الطحاوي وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة كما في "الهداية"، كذا في "التقرير".
(2)
انظر: (1679).
1659 -
[14] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ -أَوْ شَابٌّ- فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَ عَنْهَا -أَوْ عَنْهُ- فَقَالُوا: مَاتَ. قالَ: "أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ ". قالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا -أَوْ أَمْرَهُ- فَقَالَ: "دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ" فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا، .
ــ
1659 -
[14](أبو هريرة) قوله: (كانت تقم) بضم القاف، قَمَّ البيت: كَنَسَه.
وقوله: (أو شاب) شك من الراوي بأن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شاب أسود كان يقمه.
وقوله: (فقدها) أي: لم يرها حاضرة في المسجد، هذا من قبيل اكتفاء ذكر حال المرأة، واكتفى به عن ذكر حال الرجل كما جاء في رواية:(أو شاب)، وقد يوجد في بعض النسخ:(أو فقده) على سبيل الشك، ويلائمه قوله:(فسأل عنها أو عنه) و (أمرها أو أمره).
وقوله: (قال: فكأنهم) قول الراوي من أبي هريرة، وفاعل (قال): أبو هريرة، كان الصحابة تخيلوا أن ذلك الميت حقير لا يليق أن يكلف لأجله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وذلك لغاية تعظيمهم أمره صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (دُلُّوني على قبره) وهو الموجود في أكثر النسخ، وفي بعضها:(قبرها)، وعلى كل تقدير هو من باب الاكتفاء، ويمكن أن يكون الضمير للميت أو للشخص.
واعلم أن الصلاة على القبر مختلف فيه بين العلماء، فذهب الجمهور إلى مشروعيتها سواء صلِّي أولًا أو لا، والنخعي وأبو حنيفة ومالك على أنه يصلى إن لم يصلَّ أولًا وإلا فلا، وفي رواية عن أحمد كذلك، وعن مالك أن من صلى أولًا مرة على الجنازة لم يصل على القبر. وأيضًا إنما يصلى عند أبي حنيفة إن لم يتفسَّخ في القبر،
ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ. [خ: 1337، م: 956].
1660 -
[15] وَعَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ مَاتَ لَهُ ابْنٌ بِقُدَيْدٍ -أَوْ بِعُسْفَانَ- فَقَالَ: يَا كُرَيْبُ! انْظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ النَّاسِ. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَاسٌ قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ فَأَخْبَرْتُهُ،
ــ
وقدَّره بعضهم بثلاثة أيام، وفي رواية عن محمد: يصلِّى ما لم يتمزق، وهو مقدر إلى شهر، وقد جاء مثل ذلك في بعض الأحاديث، كذا في حواشي (الهداية)(1).
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما جاء من ذلك لم يكن على وجه الصلاة، وإنما كان دعاء واستغفارًا فحسب، ولذا لم تذكر التكبيرات في بعض تلك الروايات، وما ذكرت فيه التكبيرات من الروايات لم تصح، كما يروى من صلاته صلى الله عليه وسلم على شهداء أحد بعد ثمان سنين، وكان ذلك بطريق التوديع لا الصلاة، أو كان ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم، حتى ذهب بعض العلماء أن الصلاة على القبر مطلقًا من خصائص النبوة كما يفهم من قوله:(إن اللَّه ينورها لهم بصلاتي عليهم)(2).
1660 -
[15](كريب مولى ابن عباس) قوله: (مات له ابن) الظاهر أن (له) صفة لابن قدمت عليه للاهتمام، ويجوز أن يكون متعلقًا بـ (مات)، لأن في موت الولد نفعًا للوالد، و (قديد) و (عسفان) بضم أوّلهما: موضعان بين مكة والمدينة، وعسفان أقرب إلى مكة من قديد.
وقوله: (انظر ما اجتمع له)(ما) عامة للعقلاء وغيرهم، إذ المراد الصفة، كما
(1) انظر: "العناية"(2/ 121)، و"البناية"(1/ 558).
(2)
انظر: "أوجز المسالك"(4/ 453 - 456).
فَقَالَ: تَقُولُ: هُمْ أَرْبَعُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَخْرِجُوهُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٌ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 948].
1661 -
[16] وَعَنْ عَائِشَةَ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِئَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ، إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 947].
ــ
فعله البيضاوي في قوله تعالى: {وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس: 6 - 7].
وقوله: (فقال: يقول) كذا في نسخة الأصل (يقول) بالتحتانية، أي: قال كريب: يقول ابن عباس، وقوله:(هم أربعون) بحذف حرف الاستفهام، وفي نسخة صحيحة:(فقال: تقول) بالفوقانية، أي: قال ابن عباس خطابًا لي تقول: هم أربعون؟
وقوله: (قال: نعم) أي: قال كريب: قلت: نعم.
وقوله: (ما من رجل) ظاهره يدل على أن الابن كان بلغ مبلغ الرجال، أو قاس غير الرجال عليه.
وقوله: (فيقوم) أي: يصلون، وفيه إيماء إلى أن مجرد قيام المؤمنين الموحدين على الجنازة ودعائهم له مؤثر.
1661 -
[16](عائشة رضي الله عنها) قوله: (يبلغون مئة) لا منافاة بينه وبين حديث ابن عباس؛ لأن الظاهر أن الأربعين أقل من يرجى شفاعتهم والمئة أكثرهم، وقال التُّورِبِشْتِي (1): السبيل في أمثال هذا الحديث أن يكون الأقل من العددين متأخرًا فضلًا
(1)"الميسر في شرح مصابيح السنة"(2/ 393).
1662 -
[17] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"وَجَبَتْ"، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ:"وَجَبَتْ" فَقَالَ عُمَرُ: مَا وَجَبَتْ؟ فَقَالَ: "هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاء اللَّه فِي الأَرْض". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: "الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ". [خ: 1367، م: 949].
1663 -
[18] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ". قُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: "وَثَلَاثَةٌ". قُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: "وَاثْنَانِ"، ثُمَّ لم نَسْأَلَهُ عَنِ الْوَاحِدِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 1368].
ــ
من اللَّه وتكرمًا على عباده.
1662 -
[17](أنس) قوله: (فأثنوا عليها) من إطلاق الثناء في الشر للمشاكلة.
وقوله: (هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة) معناه: أن الذين أثنوا عليه رأوا منه الخير والصلاح، وذلك علامة كون الرجل من أهل الجنة، وفي الثناء بالشر على عكس ذلك، وقطعه صلى الله عليه وسلم باطِّلاعه عليه، كذا قالوا، ولا يذهب عليك أن قوله صلى الله عليه وسلم:(أنتم شهداء) يدل بظاهره أن من شهد له أو عليه المؤمنون يثبت به قطعًا ما شهدوا به، فعلى هذا يكون المراد المؤمنون أهل الصدق والتقوى من غير مدخلية غرض نفساني، لا سيما إذا كانوا من أهل الإجماع لقوله تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]، فافهم.
1663 -
[18](عمر) قوله: (ثم لم نسأله عن الواحد) ولعله لو سئل عنه لأجاب بقوله: وواحد، واللَّه أعلم، وهذا إخبار وإشارة منه صلى الله عليه وسلم بكمال سعة رحمة اللَّه ورجاء
1664 -
[19] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 1393].
1665 -
[20] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: . . . . .
ــ
وتوقع لذلك من فضله وكرمه، واللَّه ذو الفضل العظيم، واللَّه أعلم (1).
1664 -
[19](عائشة) قوله: (لا تسبوا الأموات) النهي عن سب الأموات إنما هو في غير المنافق والكافر والفاسق المجاهر بفسقه، وأما هؤلاء فلا يحرم سبُّهم للتحذير من طريقهم، كما في الغيبة.
وقوله: (فإنهم قد أفضوا) أي: وصلوا (الى ما قدموا) من أعمالهم، فإن كان خيرًا فلا ينبغي أن يذكروا بشر، وإن كان شرًّا فلعله يغفر لهم، وإن لم يغفر فذكركم إياه وقوع فيما لا يعني.
1665 -
[20](جابر) قوله: (في ثوب واحد) قال زين العرب (2): المراد به القبر الواحد إذ لا يجوز تجريدهما بحيث تتلاقى بشرتاهما (3)، وقال الخطابي: يجوز
(1) قال الحافظ (3/ 230): قال الزين بن المنير: إنما لم يسأل عمر عن الواحد استبعادًا منه أن يكتفى في مثل هذا المقام العظيم بأقل من النصاب.
(2)
هو شارح "مصابيح السنة" للبغوي، اسمه: علي بن عبيد اللَّه بن أحمد المصري، الشهير بزين العرب، المتوفى 758 هـ، شرحه مخطوط في مجلدين في دار الكتب. "الأعلام"(4/ 310).
(3)
قال السندي في "حاشية النسائي"(4/ 62): نقله غير واحد وأقروه عليه، لكن النظر في الحديث يردّه، بقي أنه ما معنى ذلك والشهيد يدفن بثيابه التي كانت عليه، فكأن هذا فيمن قطع ثوبه، ولم يبق على بدنه أو بقي منه فليل لكثرة الجروح، وعلى تقدير بقاء شيء من الثوب السابق =
"أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ "، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ:"أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 1343].
1666 -
[21] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِفَرَسٍ مُعْرَوْرٍ. . . . .
ــ
عند الضرورة جمعهما في ثوب واحد، كما في قبر واحد.
وقوله: (أيهم) وفي نسخة: (أيهما).
وقوله: (واللحد) بفتح اللام وبضم وسكون الحاء: الشق في عرض القبر.
وقوله: (ولم يصل عليهم ولم يغسلوا) ترك الغسل على الشهيد متفق عليه، وأما ترك الصلاة فمختلف فيه، وعندنا يصلى، والكلام فيه طويل (1)، وقد استوفيناه في (شرح سفر السعادة).
1666 -
[21](جابر بن سمرة) قوله: (بفرس معرور) في (القاموس)(2): اعرورى فرسًا: ركبه عريانًا، فهو متعد، وقال النووي (3): مُعْرَوْرًى بضم الميم وفتح الراء، قال أهل اللغة: اعْرَوْريت الفرس: إذا ركبته عريانًا، فهو مُعْرَوْرًى، قالوا: لم يأت افعوعل متعديًا إلا قولهم: اعروريت الفرس واحْلَوْلَيْت الشيء، انتهى. وهكذا ذكر
= فلا إشكال لكونه فاصلًا عن ملاقاة البشرة.
(1)
انظر: "المغني"(3/ 467)، و"أوجز المسالك"(9/ 368 - 370).
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 1204).
(3)
"شرح صحيح مسلم" للنووي (4/ 38، ح: 964).
فَرَكِبَهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ جَنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ، وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْلَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 965].
ــ
القاضي عياض (1).
وقال الطيبي (2): القياس فتح الراء لكن صحت الرواية بكسر الراء، وعلى هذا ينبغي أن يكون مُعْرَوْرًى لازمًا، فيكون قد جاء المعرورى متعديًا لا لازمًا، فيكون معناه: فرس عار عن السرج، ولكن يفهم من كلامهم أن مجيئه لازمًا في غير هذا اللفظ، وفيه متعدٍّ.
قال في (القاموس)(3): اعرورى: سار في الأرض وحده، واعرورى فرسًا: ركبه عريانًا. ويجوز أن يكون الكسر على تقدير التعدية على سبيل الإسناد المجازي وصفًا للفرس بوصف صاحبه، كذا قيل، فتدبر.
ثم في حصر النووي وعياض التعدية في اعرورى فرسه نظر، فقد جاء التعدية في غيره أيضًا، لأن صاحب (القاموس) قال: اعرورى قبيحًا: أتاه، واللَّه أعلم.
وقوله: (فركبه حين انصرف) وأما وقت الذهاب والمشايعة فلم يركب، بل أبى عنه، وجاء في رواية أبي داود ما معناه: أنه أتي بدابة حتى يركب، فأبى عن الركوب، ولما انصرف ركب، فسئل عنه فقال:(إن الملائكة يمشون على أقدامهم (4)).
(1)"مشارق الأنوار"(2/ 136).
(2)
"شرح الطيبي"(3/ 371).
(3)
"القاموس المحيط"(ص: 1204).
(4)
انظر: "سنن أبي داود"(3177)، والرواية الكاملة هكذا: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أتي بدابة وهو مع الجنازة، فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب، فقيل له، فقال:"إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت".