المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الفصل الثاني: - لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح - جـ ٤

[عبد الحق الدهلوي]

فهرس الكتاب

- ‌(5) كتاب الجنائز

- ‌1 - باب عيادة المريض وثواب المرض

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌2 - باب تمني الموت وذكره

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌3 - باب ما يقال عند من حضره الموت

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌4 - باب غسل الميت وتكفينه

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌5 - باب المشي بالجنازة والصلاة عليها

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌6 - باب دفن الميت

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌7 - باب البكاء على الميت

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌8 - باب زيارة القبور

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌(6) كتاب الزكاة

- ‌ الفصل الأول:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌1 - باب ما يجب فيه الزكاة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌2 - باب صدقة الفطر

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌3 - باب من لا تحل له الصدقة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌4 - باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌5 - باب الإنفاق وكراهية الإمساك

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌6 - باب فضل الصدقة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌7 - باب أفضل الصدقة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌8 - باب صدقة المرأة من مال الزوج

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌9 - باب من لا يعود في الصدقة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌(7) كتاب الصوم

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌1 - باب رؤية الهلال

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌2 - باب

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌3 - باب تنزيه الصوم

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌‌‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌4 - باب صوم المسافر

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌5 - باب القضاء

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌6 - باب صيام التطوع

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌7 - باب

- ‌‌‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌8 - باب ليلة القدر

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌9 - باب الاعتكاف

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌(8) كتاب فضائل القرآن

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌1 - باب

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌2 - باب

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

الفصل: ‌ الفصل الثاني:

*‌

‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

1550 -

[28] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمِ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: 969، د: 3098].

1551 -

[29] وَعَن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنَيَّ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: 4/ 375، د: 3102].

ــ

الفصل الثاني

1550 -

[28](علي رضي الله عنه) قوله: (غدوة) الغدوة بالضم: البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، وبالفتح: السير في هذا الوقت، والمراد ههنا قبل الزوال، كما أن المراد بالعشية بعده.

وقوله: (وإن عاده)(إن) نافية أو شرطية، والتقدير: ما عاده إلَّا صَلَّى.

وقوله: (وكان له خريف في الجنة) أي: مخروف من ثمر الجنة، أي: مجتنى منها، وقد عرفت معنى اللفظ في الفصل الأول في حديث ثوبان (1).

1551 -

[29](زيد بن أرقم) قوله: (من وجع كان بعيني) بلفظ المفرد، وقد يروى بالتثنية، وفي شرح الشيخ (2): سنده صحيح، وفيه رد لمن زعم أن عيادة الأرمد لا تستحب لكون عائده يرى ما لا يراه، وأما ما أخرجه البيهقي والطبراني (3) مرفوعًا:

(1) انظر: (حديث: 1527).

(2)

انظر: "فتح الباري"(10/ 113).

(3)

"شعب الإيمان"(9188)، و"المعجم الأوسط" للطبراني (152).

ص: 32

1552 -

[30] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ وَعَادَ (1) أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُحْتَسِبًا بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمَ مسيرَة سِتِّينَ خَرِيفًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: 3097].

ــ

(ثلاثة ليس لهم عيادة، العين والدمل والضرس)، فصحح البيهقي (2) أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير، انتهى.

وقد نقل هذا الحديث في (شرعة الإِسلام)(3)، وأما توجيهه يكون عائده يرى ما لا يراه كما ذكره الشيخ فلا يعقل معناه ولا يجري في أخويه (4) أيضًا، واللَّه أعلم.

1552 -

[30](أنس) قوله: (مسيرة ستين خريفًا) المراد بالخريف ههنا العام، وقد نقل ذلك عن أنس رضي الله عنه، قال التُّورِبِشْتِي (5): جاء في بعض طرق هذا الحديث: فقيل: يا أبا حمزة وما الخريف؟ قال: العام (6)، وقال: كانت العرب يؤرخون أعوامهم بالخريف؛ لأنه كان أول جدادهم وقطافهم بإدراك غلاتهم، وفي الحديث: (فقراء أمتي

(1) وَلَعَلَّ الأَمْرَ بالطَّهَارَةِ لِلْعِيَادَةِ؛ لأَنَّهَا عِبَادَةٌ بِنُقْطَةِ زِيَادَةٍ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى رِعَايَةِ صَاحِبِ الْعِيَادَةِ، فَيَكُونُ جَامِعًا بَيْنَ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ فِي الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا دَعَا عَلَى الطَّهَارَةِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الإِجَابَةِ. وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَلَعَل الْحِكْمَةَ فِي الْوُضُوءِ هُنَا أَنَّ الْعِيَادَةَ عِبَادَةٌ، وَأَدَاءُ الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهِ الأَكْمَلِ أَفْضَلُ، هَذَا وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْوُضُوءُ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ. "مرقاة المفاتيح"(3/ 1135).

(2)

انظر: "شعب الإيمان"(8755).

(3)

"شرعه الإِسلام" لإمام زاده السمرقندي (ص: 287).

(4)

أي: الدمل والضرس.

(5)

"كتاب الميسر"(2/ 376).

(6)

أخرجه أبو داود في "سننه"(3097).

ص: 33

1553 -

[31] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ مُسْلِمِ يَعُودُ مُسْلِمًا فَيقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا شُفِيَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَضَرَ أَجَلُهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: 3106، ت: 2080].

1554 -

[32] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْحُمَّى وَمِنَ الأَوْجَاعِ كُلِّهَا أَنْ يَقُولُوا: "بِسْمِ اللَّهِ الْكَبِيرِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيم مِنْ شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ نَعَّارٍ، وَمِنْ شَرِّ حَرِّ النَّارِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ،

ــ

يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا) (1)، وهو الزمان بين الصيف والشتاء، والمراد السنة لأنه لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، فإذا انقضى أربعون خريفًا فقد مضت أربعون سنة، وفي حديث آخر:(إن أهل النار يدعون مالكًا أربعين خريفًا)(2)، وفي آخر:(ما بين منكبي الخازن من خزنة جهنم خريف)، أي: مسافة يقطع ما بين الخريف إلى الخريف.

1553 -

[31](ابن عباس) قوله: (سبع مرات) قد جاء كثيرًا في الدعاء تكريره ثلاث مرات، وذلك أدناه، وجاء في بعض الأدعية سبع مرات أيضًا، ويحتمل أن يكون تخصيص هذا العدد في هذا المقام لدفع المرض عن أعضائه السبعة، واللَّه أعلم.

1554 -

[32](وعنه) قوله: (من شر كل عرق) بكسر المهملة وسكون الراء.

وقوله: (نعار) بفتح النون وتشديد العين المهملة، أي: الممتلئ من الدم، يقال: نعر العرق: فار منه الدم، أو صوت خروج الدم، من فتح يفتح.

(1) أخرجه الطبراني في "معجمه الأوسط"(3477).

(2)

أخرجه أحمد في "زهده"(ص: 312)(ح: 1832).

ص: 34

لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. [ت: 2075].

1555 -

[33] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنِ اشْتَكَى مِنْكُمْ شَيْئًا -أَوِ اشْتكَاهُ أَخٌ لَهُ- فَلْيَقُلْ: رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاء وَالأَرْض كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ، فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الأَرْضِ،

ــ

1555 -

[33](أبو الدرداء) قوله: (من اشتكى منكم شيئا) أي: من مرض، فـ (اشتكى) من الشكاية و (شيئًا) مفعول به، وقد يجيء الشكاية بمعنى الوجع والمرض أيضًا، فيكون قوله:(شيئًا) مفعولًا مطلقًا بمعنى مرض شيئًا من المرض، والضمير في (اشتكاه) عائد إلى شيئًا.

وقوله: (ربنا) مبتدأ (اللَّه الذي في السماء) خبره، والمقصود التبري من آلهة الأرض، ولهذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم بإيمان امرأة سئلت أين اللَّه؟ فقالت: في السماء، وهو مُأوّل بما يُأوّل به قوله تعالى:{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 3] وقوله سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84].

وقوله: (تقدس اسمك) التفات من الغيبة إلى الخطاب للتوجه والحضور في الدعاء والسؤال، وزيادة الاسم كما في قوله تعالى:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} [الأعلى: 10].

وقوله: (أمرك في السماء والأرض) أمره سبحانه مشترك بين السماء والأرض غير مختص بواحد منهما، أما الأول فلقوله تعالى:{وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت: 12]، وأما الثاني فقوله تعالى:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} [الطلاق: 12].

وقوله: (كما رحمتك في السماء) أما الرحمة فعامة في السماوات وأهلها،

ص: 35

اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ، فَيَبْرَأُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: 3892].

1556 -

[34] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا. . . . .

ــ

ومختصة ببعض أهل الأرض دون بعض فسألها فيها، والمراد الرحمة الخاصة المختصة بالمؤمنين، وإلا فرحمته تعالى وسعت كل شيء، و (ما) في (كما رحمتك) مقحمة.

وقوله: (اغفر لنا حوبنا) بالضم والفتح: الإثم، وقيل: الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغة تميم، وقد يجيء بمعنى الحزن والوحشة والجهد والوجع والهلاك والبلاء، ولو أريدت هذه المعاني أيضًا كان وجهًا، والمراد موجب حوبنا، والمراد بالخطايا هنا الذنوب التي تقع بطريق الخطأ، وقد يطلق على مطلق الذنوب.

وقوله: (أنت رب الطيبين)(1) جعله معللًا لطلب المغفرة.

وقوله: (أنزل رحمة) التنكير للتعظيم والتكثير، ويجوز أن يكون للتقليل كما ينظر إليه قوله:(من رحمتك) فإن القليل منها كثير كقوله تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَر} [التوبة: 72].

وقوله: (على هذا الوجع) بفتح الجيم وكسرها.

وقوله: (فيبرأ) بالرفع بتقدير فهو يبرأ، وكان يرى في الظاهر أن يكون بالنصب جوابه. لقوله:(فليقل).

1556 -

[34](عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ينكأ لك عدوًّا) بالجزم جوابًا للأمر،

(1) أَيْ: مُحِبُّهُمْ وَمُتَوَلِّي أَمْرِهِمْ، وَالإِضَافَةُ تَشْرِيفِيَّةٌ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُطَهَّرُونَ مِنَ الشِّرْكِ، أَوِ الْمُتَّقُونَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ الأَفْعَالَ الدَّنِيَّةَ، وَالأَقْوَالَ الرِّدِيَّةَ. "مرقاة المفاتيح"(3/ 1136).

ص: 36

أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى جِنَازَةٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: 3107].

ــ

ويجوز الرفع على تقدير فإنه ينكأ، كذا قال الطيبي (1)، وفي بعض الشروح: أن (ينكأ) في موضع الحال، وكذا (يمشي)، وإلا فالحق الجزم على الجواب للأمر، انتهى. ويفهم منه أن أصل الرواية الرفع، واللَّه أعلم، ولا يخفى أن الحمل على الاستئناف على تقدير الرفع أولى وأظهر كما في أمثاله، ويقال: نكيت في العدو أنكي نكاية، وقد يهمز: أكثرت فيهم الجراح والقتل، كذا في (النهاية)(2)، والرواية في الحديث بالهمزة، قال النووي في (الأذكار) (3): ينكأ بفتح أوله وهمزة في آخره، معناه: يؤلمه ويوجعه، وذكره في (القاموس)(4) في البابين، وذكر من معناه: قشر القرحة قبل أن تبرأ، وقال في (المشارق) (5): الهمزة لغة، والأشهر ينكي معناه: المبالغة في الأذى، يقال: نكأت الجرح مهموز: إذا جرحت موضع الجرح، وأوقعت جرحًا على جرح.

وقوله: (أو يمشي) بإثبات الياء وهو يؤيد رواية الرفع في ينكأ، ويجوز أن يكون (يمشي) مجزومًا على لغة رفع المضارع بعد الجازم، وهي لغة فصيحة وعليه قراءة:(إِنَّهُ مَن يَتَّقي وَيَصْبِرُ) بالرفع، وتخصيص نكاية العدو والمشي إلى جنازة بالذكر من بين الأفعال لمناسبة أنه لما كان مريضًا على شرف الموت، ثم برأ ذكر ما يتعلق بالموت من إماتة الأعداء والدعاء والإمداد للموتى من الإحياء، وقال الطيبي (6): جمع

(1)"شرح الطيبي"(3/ 305).

(2)

"النهاية"(5/ 117).

(3)

"الأذكار"(ص: 219).

(4)

"القاموس المحيط"(ص: 64).

(5)

"مشارق الأنوار"(2/ 22).

(6)

"شرح الطيبي"(3/ 305).

ص: 37

1557 -

[35] وَعَن عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أُمَيَّةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّه عز وجل: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284] وَعَنْ قَوْلِهِ: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]، فَقَالَتْ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "هَذِهِ مُعَاتَبَةُ اللَّهِ العَبْدَ بِمَا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى وَالنَّكْبَةِ. . . . .

ــ

بين النكاية وتشييع الجنازة؛ لأن الأول كَدْحٌ في إنزال العقاب على عدو اللَّه، والثاني سَعْيٌ في إيصال الرحمة إلى ولي اللَّه.

1557 -

[35](علي بن زيد) قوله: (علي بن زيد) تابعي بصري تيمي، و (أمية) أيضًا تابعية، وقيل: صحابية.

وقوله: (فقال: هذه معاتبة اللَّه العبد. . .) الحديث، حاصله أن اللَّه تعالى أخبر بأن العباد يحاسبون على ما يضمرون في أنفسهم من خطرات الذنوب، وما يعملون منها، ويجزون على ما يعملون من سوء؛ قليل أو كثير، صغير أو كبير، فأشكل عليهم الأمر وتحيروا في أمرهم؛ لأنه لا يمكن الاجتناب عنها، فسألت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم ليخرجها من ورطة الحيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: هذه أي المحاسبة والمجازاة المذكورتين معاتبة اللَّه العبد بما يصيب العبد من الأمراض والمصائب والحوادث والمضار، يعني أنها مؤاخذة عتاب في الدنيا لا مؤاخذة عقاب في الآخرة، والعتاب: الملامة وأن يظهر أحد على خليله من الغضب بسوء أدب ظهر منه ليصلحه ويهذبه مع أن في قلبه محبةً ولطفًا ظاهرًا أو خفيًا، فلا ينبغي أن يسوء ويحزن، بل ينبغي أن ينشط ويفرح لأنها مكفرات لذنوبه بل رفع في درجاته.

وقوله: (والنكبة) بفتح النون: المصيبة.

ص: 38

حَتَّى الْبِضَاعَةِ يَضَعُهَا فِي يَدِ قَمِيصِهِ فَيَفْقِدُهَا فَيَفْزَعُ لَهَا، حَتَّى إِنَّ الْعَبْدَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الأَحْمَرُ مِنَ الْكِيرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: 2991].

ــ

وقوله: (البضاعة) بكسر الباء قطعة من المال، يبضع، أي: يقطع ويقتني للتجارة، وهو مجرور بالعطف، أو مرفوع على الابتداء، والمراد بـ (يد قميصه): الكم، كما هو العادة بوضع المال في الكم.

وقوله: (فيفزع) أي: يتغير ويخاف ويستغيث ويطلبها، ثم إنه قد وقع في (المصابيح):(متابعة اللَّه) بتقديم التاء مكان المعاتبة بتقديم العين، لا يعرف ذلك في الحديث ولا معنى له، وقد وجهه الطيبي معناه بما لا يخلو عن تكلف، فلينظر ثمة، هذا وقد وقع في بعض نسخ (المصابيح):(معاتبة) كما هو المقرر، وكأنه من إصلاح الناسخين، واللَّه أعلم.

وقوله: (كما يخرج التبر الأحمر) التبر بالكسر: الذهب والفضة، أو ما استخرج من المعدن قبل أن يصاغ، كذا في (القاموس)(1)، وفي (مجمع البحار) (2): التبر: الذهب الخالص والفضة قبل أن يضربا دنانير ودراهم، فإذا ضربا كانا عينًا، وقد يطلق على غيرهما من المعدنيات كالنحاس والحديد مجازًا، انتهى. وقال في (الصحاح) (3): التبر الذهب الخالص قبل أن يضرب، ويقال للفضة: تبر أيضًا عند البعض، انتهى. أقول: وتوصيف التبر في الحديث بالأحمر ينظر إلى أنه اسم للذهب خاصة إلا أن يقال: إن الفضة أيضًا يكون عند الإخراج من الكبير الأحمر، واللَّه أعلم.

(1)"القاموس المحيط"(ص: 334).

(2)

"مجمع بحار الأنوار"(1/ 251).

(3)

"الصحاح"(2/ 600).

ص: 39

1558 -

[36] وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَكْثَرُ، وَقَرَأَ:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: 3252].

1559 -

[37] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ مِنَ الْعِبَادَةِ ثُمَّ مَرِضَ قِيلَ لِلْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِهِ: اكْتُبْ لَهُ مِثْلَ عَمَلِهِ إِذَا كَانَ طَلِيقًا حَتَّى أُطْلِقَهُ أَو أَكْفِتَهُ إِلَيّ".

1560 -

[38] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُ بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ قِيلَ لِلْمَلَكِ: اكْتُبْ لَهُ صَالِحَ عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، فَإِنْ شَفَاهُ غَسَّلَهُ وَطَهَّرَهُ، وَإِنْ قَبَضَهُ غَفَرَ لَهُ وَرَحِمَهُ". . . . .

ــ

1558 -

[36](أبو موسى) قوله: (فما فوقها أو دونها) يحتمل فوقها في العظم ودونها في الحقارة والعكس، كذا قال الطيبي (1)، والظاهر هو الأول، فافهم. والتنوين في (نكبة) للتقليل أو التحقير، والمراد فرد منها أصاب العبد.

1559 -

[37](عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (إذا كان طليقًا) أي: غير مقيد بالمرض.

وقوله: (أو كفته) أي: أضمه إلى بالموت يقال: كفته الشيء إليه: ضمه وقبضه كأكفته، والكفات بالكسر: الموضع الذي يكفت فيه الشيء، أي: يضم ويجمع، ومنه قيل للأرض: كفات.

1560 -

[38](أنس) قوله: (غسله) بالتشديد والتخفيف.

(1)"شرح الطيبي"(3/ 307).

ص: 40

رَوَاهُمَا (1) فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ"[5/ 241].

1561 -

[39] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْم شَهِيدٌ،

ــ

1561 -

[39] قوله: (جابر بن عتيك) بوزن كريم.

وقوله: (وصاحب ذات الجنب) وهو ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأعضاء (2)، وقد يطلق على ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات والعضل التي في الصدر والأضلاع فيحدث وجعًا، فالأول هو ذات الجنب الحقيقي الذي تكلم عليه الأطباء، قالوا: ويحدث بسببه خمسة أمراض: الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشاري، ويقال أيضًا لذات الجنب: وجع الخاصرة وهو من الأمراض المخوفة؛ لأنها تحدث بين القلب والكبد وهو سيئ الأسقام، كذا في (المواهب اللدنية)(3).

وفي كتب الطب: ذات الجنب: ورم حار في نواحي الصدر في الفضلات الباطنة والحجاب الداخل، أو الحجاب الحاجز بين آلات الغذاء والات النفس، ويسمى خالصًا، وهو أعظم وأخوف أقسامه، أو في الفضلات الخارجة الظاهرة، أو في الحجاب الخارج بمشاركة الجلد، ومن أعراضه: حمى حارة والسعال وضيق النفس والوجع الناخس

(1) وأخرجهما أحمد في "مسنده"(رقم: 6895، 13501).

(2)

كذا في النسخ المخطوطة: "للأعضاء" وكذا في "المواهب"، وفي "فتح الباري"(10/ 172)، و"زاد المعاد" (4/ 81):"للأضلاع" بدل "للأعضاء".

(3)

"المواهب اللدنية"(3/ 482).

ص: 41

وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: 554، د: 3111، ن: 1846].

1562 -

[40] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: "الأَنْبِيَاءُ ثمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ،

ــ

والعطس واختلاط الذهن.

وقوله: (تموت بجمع) أي: التي تموت عند الولادة ولم يخرج ولدها، وقيل: ومن ماتت عقيب الولادة فهي في حكمها في هذا الثواب، وقيل: هي النفساء، وقيل: هي التي لم يمسها رجل، يقال: فلانة من زوجها بجمع: إذا لم يفتضَّها، والجمع بضم الجيم، وقيل: بكسرها وسكون الميم بمعنى المجموع من حمل أو بكارة؛ لأن البكارة مجموعة فيها كالولد، وفي حديث:(أيما امرأة ماتت بجمع ولم تطمث دخلت الجنة)، أراد به: البكر.

1562 -

[40](سعد) قوله: (ثم الأمثل فالأمثل) أي: الأفضل فالأفضل، كذا فسروه، والظاهر منه أن معنى لفظ (الأمثل): الأفضل، قال في (القاموس) (1): الأمثل: الأفضل، وجمعه أماثل، والْمَثَالَةُ: الفضل، وقد مَثُلَ ككرم، وما وقع في عبارة بعض الشارحين: أن الأمثل يعبر به عن الأشبه بالفضل والأقرب إلى الخير، وأماثل القوم كناية عن خيارهم، يشعر بأن إرادة الأفضل من الأمثل من جهة اعتبار معنى المماثلة، وقد قال في (القاموس) (2) أيضًا: الطريقة المثلى: الأشبه بالحق، وأمثلهم طريقة: أعدلهم وأشبههم بأهل الحق، وأتى بثم أولًا وبالفاء ثانيًا إشعارًا بالبعد بين مرتبة الأنبياء

(1)"القاموس المحيط"(ص: 974).

(2)

"القاموس المحيط"(ص: 974).

ص: 42

فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ هُوِّنَ عَلَيْهِ، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الأَرْض مَا لَهُ ذَنْبٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: 2398، جه: 4023، دي: 3/ 183، ح: 2825].

ــ

ومن عداهم، وعدمه بين ولي وولي؛ إذ مراتب الأولياء متقاربة ليس فيها ذلك التباعد، والتنوين في (صلبًا) للتعظيم، وفي (رقة) للتقليل، وقد تفنن في العبارة حيث جعل الصلابة صفة للرجل نفسه، والرقّة صفة لدينه، إشارة إلى أن الرجل ينبغي أن يكون في ذاته صلابة، والرقة إن كانت كانت في صفته وهو الدين، ففيه من المبالغة في بيان المقصود ما لا يخفى.

وقوله: (اشتد بلاؤه) لأنه يصبر عليه، ويعرف أنه نعمة من اللَّه، وفيه ألطاف خفية منه تعالى، فيكمل إيمانه ويكفر سيآته ويرفع درجاته بذلك، وأما الذي في دينه رقة يهون عليه لئلا يخرج بالبلاء من ربقة الدين، فيؤلف قلبه بالنعم.

وقوله: (حتى يمشي على الأرض ما له ذنب) تفريع على اشتداد البلاء للرجل الصلب وبيان لحاله، قال سيدنا ومولانا الغوث الأعظم محيي الدين أبو محمد عبد القادر الجيلاني رحمه الله: لا يزال اللَّه يبتلي عبده المؤمن على قدر إيمانه، فمن عَظُمَ إيمانُه وكثر وتزايد عظم بلاؤه، فالرسول بلاؤه أعظم من بلاء النبي؛ لأن إيمانه أعظم، والنبي بلاؤه أعظم من بلاء البدل، وبلاء البدل أعظم من بلاء الولي، كل واحد يُبْتَلى على قدر إيمانه ويقينه، وأصل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:(إنا معشر الأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل فالأمثل)(1)، فيديم اللَّه تعالى [البلاء] لهؤلاء السادة الكرام حتى يكونوا [أبدًا] في

(1) رواه الترمذي (2509) نحوه.

ص: 43

1563 -

[41] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا أَغْبِطُ أَحَدًا بِهَوْنِ مَوْتٍ بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: 979، ن: 183].

1564 -

[42] وَعَنْهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِالْمَوْتِ. . . . .

ــ

الحضرة، ولا يغفلوا عن اليقظة؛ لأنه يحبهم، فهم أهل المحبة، ومحبوبو الحق عز وجل، والمحب أبدًا لا يختار بُعْدَ محبوبه، فالبلاء خُطَّاف لقلوبهم، وقيد لنفوسهم، يمنعهم عن الميل [إلى غير مطلوبهم] والسكون والارتكان إلى غير خالقهم، وإذا دام ذلك في حقهم ذابت أهويتهم، وانكسرت نفوسهم، وتميز الحق من الباطل، فَتزْوي الشهوات والإرادات والميل إلى اللذات والراحات بأجمعها دنيا وأخرى إلى ما يلي النفس، ويصير السكون إلى وعد الحق عز وجل، والرضاء بقضائه، والقناعة بعطائه، والصبر على بلائه، والأمن شر خلقه إلى ما يلي القلب، فتقوى شوكة القلب، فتصير الولاية على الجوارح إليه؛ لأن البلاء يقوي القلب واليقين، ويحقِّقُ الإيمان والصبر، ويضعِّفُ النفس والهوى؛ لأنه كلما وصل الألم ووجد من المؤمن الصبر والرضاء والتسليم لفعل الرب عز وجل، رضي الله عنه وشكره فجاءه المدد والزيادة والتوفيق، انتهى كلامه الأقدس (1).

1563 -

[41](عائشة) قوله: (بهون موت) الهون: السهولة والخفة، في (القاموس) (2): هان هونًا: سهل، وهوَّنه اللَّه: سهَّله وخفَّفه.

1564 -

[42](عائشة) قوله: (وهو بالموت) الباء للملابسة، أو بمعنى (في) أي: في حالة الموت.

(1)"شرح فتوح الغيب"(ص: 118 - 119).

(2)

"القاموس المحيط"(ص: 1142).

ص: 44

وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ، وَهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَقُولُ:"اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى مُنْكَرَاتِ الْمَوْتِ أَوْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: 978، جه: 1623].

ــ

وقوله: (على منكرات الموت) جمع منكرة، بتقدير موصوف مؤنث كالخصلة والصفة، والمنكر: الأمر الشديد، يقال: نكر الأمر بضم الثاني، أي: اشتد، كذا في (الصحاح)(1).

وقوله: (أو سكرات الموت)(أو) للشك من الراوي، وسكرة الموت: شدته وهمه وغشيه، وسكَّره تسكيرًا: خنقه، وقوله تعالى:{سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} [الحجر: 15] أي: حبست عن النظر وحيرت وغطيت وغشيت، ولقد أبرز بعض العارفين من العلماء المتأخرين في سبب سكرات الموت له صلى الله عليه وسلم وجوهًا:

منها: أن مزاجه الشريف كان أعدل الأمزجة، فكان إحساسه بما يؤلم أكثر ووجدانه لآثاره أكبر، ومن ثم قال:(إني لأوعك كما يوعك رجلان منكم)، وبمثل هذا يأوَّل قوله:(ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت).

ومنها: أن تشبث الروح بجسده كان قويًا وتعشقها به كان أوفى، فكان تألمه بمفارقته أكثر.

ومنها: أن في ذلك تسليةً للأمة، فإنهم لما رأوا طريق نقل روحه على هذه الصورة يسهل على كل أحد حال نفسه على ذلك.

ومنها: أن حقيقته الشريفة كانت جامعة بجميع الأكوان، ففراق روحه لجسده الشريف كأنه فراق كل روح لكل جسد، وكل حياة لكل حي.

(1)"الصحاح"(2/ 837).

ص: 45

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم تحمل شدة أعباء هذا الأمر وقوة هذا الأمر من الأمة كما جاء في القرآن المجيد: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ} [التوبة: 128] خصوصًا على قراءة الوقف على {عَزِيزٌ} ، وجعل {عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ} خبرأ ومبتدأ.

ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم كان متوليًا مفوضًا إليه أمور المملكة الإلهية، وأي مملكة كان فيها وأي دائرة واسعة كان متوليًا عليها، ومن العادة المستمرة لمن فوض الملك أمر مملكته إليه واستحفظه عليها واستخلفه فيها، ثم أراد نقله عنها ورجوعه إليه يستعد لما يسأل عنه من أمورها ليكون على أهبة لما يطلب منه. وكان سيدي الشيخ عبد الوهاب ينقل من شيخه علي المتقي -رحم اللَّه عليهما- أنه كان يقول وقت وفاته: إذا رأيتم مِنّا شدة سكرات الموت فلا تحزنوا فإن ذلك من لازم منصب القطبية.

ومنها: وهو الوجه الوجيه وحقيقة الأمر -إن شاء اللَّه تعالى-: أتحف إليه في ذلك الوقت تنزلات أحدية، وتجليات صمدية، وأسرار كانت مستكنة في غيابة قدس الذات، ومشاهدة كانت مترفعة بالأسماء والصفات، ولقد كان صلى الله عليه وسلم يجد من الثقل والشدة في زمان الوحي ما يجد، فهذا آخر ذلك الأوقات وأتمها وأكملها، فموته الذي هو الحياة الأبدية بالإفاضات الإلهية له سكرات مشاهدات تبرز لأجل ضرورة ضيق نطاق الجثمان عن محض عالم العيان بصورة سكرات مجاهدات.

ومنها: إحساسه صلى الله عليه وسلم باللقاء الخاص على ما عنده من مزيد الخشية وعظيم الهيبة ووافر الإجلال مناسب معرفته وحاله في العبودية في حضرات قربه، كما قال:(إني أعرفكم باللَّه أخوفكم منه)، فلذلك ظهر عليه ما ظهر.

ومنها: استطارة الشوق إلى ذلك اللقاء الروحي الحامل على الإسراع لذلك، حتى كأنه يريد أن يخرج روحه ويدرجها بسرعة في غيب ذلك القرب الخاص، فينشأ

ص: 46

1565 -

[43] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: 2396].

ــ

ذلك بقهر عالم الطبيعة وضغطه حضيض مزاج البشرية ما يقوى به الانفعال ويظهر به سلطان ذلك الحال.

ومنها: تعلق أهل هذا العالم به صلى الله عليه وسلم ممن له نصاب إلى حضرة العلمية، فتمثل صور هذه التعلقات في مرآته التي لا أسطع وأصفى منها، فظهر من ذلك قلق والتفات فحصل ما حصل.

ومنها: أن اللَّه تعالى أجرى رسوله على أوصاف العبودية التي هي أشرف الأوصاف وأجل محامد الإنصاف، وذلك كمال خاص له صلى الله عليه وسلم، ومقتضى مزاج العبودية منازلة المكاره ومعاناة الشدائد، ولهذا قال عند موت ولده إبراهيم:(العين تدمع والقلب يحزن وأنا على فراقك لمحزونون يا إبراهيم)، واللَّه أعلم.

1565 -

[43](أنس) قوله: (أمسك عنه) أي: العقوبة.

وقوله: (بذنبه) حال عن الضمير في (عنه) أي: متلبسًا بذنبه ومصاحبًا به غير مفارق إياه، وقال الطيبي (1): أي أمسك عنه ما يستحقه بسبب ذنبه من العقوبة ولا يخفى بعده.

وقوله: (حتى يوافيه به) أي: يوافي اللَّه العبد بالذنب، أي: يؤاخذه ويعذبه مستوفى، يقال: أوفى فلانًا حقَّه، أي: أعطاه وافيًا.

(1)"شرح الطيبي"(3/ 310).

ص: 47

1566 -

[44] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ عُظْمَ الْجَزَاءِ مَعَ عُظْم الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّه عز وجل إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: 2396، جه: 4031].

1567 -

[45] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوِ الْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى مَالِكٌ نَحْوَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح. [ت: 2399، ط: 558].

1568 -

[46] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: . . . . .

ــ

1566 -

[44](وعنه) قوله: (أن عظم الجزاء) بضم العين سكون الظاء (1): اسم من التعظيم.

وقوله: (إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم) ترك ذكر أحد الفريقين اكتفاء بفهمه عن التفصيل، تقدير الكلام: إذا أحب قومًا وأبغض قومًا ابتلاهم جميعًا، فمن رضي. . . إلخ.

1567 -

[45](أبو هريرة) قوله: (في نفسه) أي: أحد المذكورين.

وقوله: (وما عليه من خطيئة) جملة حالية.

1568 -

[46](محمد بن خالد السلمي) قوله: (عن جده) قال في (جامع الأصول)(2): لجده صحبة، حديثه في فضل ثواب المرض أخرجه أبو داود.

(1) وَقِيلَ: بِكَسْر ثُمَّ فَتْحٍ. "مرقاة المفاتيح"(3/ 1142).

(2)

"جامع الأصول"(10/ 357).

ص: 48

"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبَلِّغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: 5/ 272، د: 3090].

1569 -

[47] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِخِّيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مُثِّلَ ابْنُ آدَمَ وَإِلَى جَنْبِهِ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ مَنِيَّةً، إِنْ أَخْطَأَتْهُ الْمَنَايَا وَقَعَ فِي الْهَرَمِ حَتَّى يَمُوتَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [ت: 2150].

ــ

وقوله: (لم يبلغها) صفة (منزلة)، و (صبَّره) بالتشديد، أي: حمله على الصبر ورزقه الصبر، أي: قدر اللَّه تعالى لعبد منزلةً ودرجةً رفيعةً، ولم يقدر ذلك العبد أن يبلغ تلك المنزلة بالعمل الصالح أصابه اللَّه ببلاء، ورزقه صبرًا على ذلك البلاء، حتى يبلغ تلك المنزلة من ثواب ذلك البلاء. قال الشيخ الإِمام أبو عبد اللَّه محمد بن علي الحكيم الترمذي: ولقد مرضت في سالف أيامي مرضةً، فلما شفاني اللَّه تعالى منها مثلت في نفسي ما دبر اللَّه لي من هذه العلة في مقدار هذه المدة وبين عبادة الثقلين في قدر أيام علتي، فقلت: لو خيرت بين هذه العلة وبين أن يكون لي عبادة الثقلين في مقدار مدتها إلى أيهما أميل اختيارًا، فصح عزمي ودام يقيني ووقعت بصيرتي أن مختار اللَّه تعالى أكثر شرفًا وأعظم أجرًا وأنفع عاقبةً، وهي العلة التي دبَّرها لي ولا شوب فيه.

1569 -

[47](عبد اللَّه بن شخير) قوله: (مثل) بتشديد المثلثة بلفظ المجهول، أي: صور وخلق.

وقوله: (تسع وتسعون منية) يعني أن الإنسان مشمول بالبلايا والمصائب لا تعد ولا تحصى، لا محيص له عنها، وإن خلص منها نادرًا أدركه.

وقوله: (الهرم) وهو أقصى الكبير وأشدُّه، وهو داء لا دواء له، والمنية: الموت

ص: 49

1570 -

[48] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: 2402].

1571 -

[49] وَعَنْ عَامرٍ الرَّامِ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الأَسْقَامَ فَقَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَهُ السَّقْمُ ثمَّ أَعْفَاهُ اللَّهُ عز وجل مِنْهُ، كَانَ كفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ. وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ ثمَّ أُعْفِيَ كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ،

ــ

كالمنا (1)، والمراد به البلاء، سمي بها لكونه سببًا ومقدمةً لها، وأصل التمنية الابتلاء والتقدير، يقال: منَّاه اللَّه تمنيةً: قدره وابتلاه واختبره، والموت مقدر، والإنسان مبتلى به بقوله تعالى:{لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7].

1570 -

[48](جابر) قوله: (يود) الود يجيء بمعنى المحبة والتمني، وهما متلازمان، ومفعول (يودّ) محذوف، أي: كونهم مبتلين في الدنيا أشدّ البلاء بقرينة قوله: (لو أن جلودهم. . . إلخ)، أي: قائلين أو متمنين، و (لو) للتمني، ويجوز أن تكون للشرط والجزاء محذوف، ويفهم منه أيضًا معنى التمني، فافهم.

1571 -

[49] قوله: (وعن عامر الرام) صحابي، ويقال: ابن الرام، والأول أشهر، و (الرام) مخفف الرامي.

وقوله: (ثم أعفي) بمعنى عُوفي، يقال: عافاه اللَّه من المكروه معافاة وعافية:

(1) كذا في الأصل، والظاهر: جمعها المنايا.

ص: 50

فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوهُ لِمَ أَرْسَلُوه". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الأَسْقَامُ؟ وَاللَّهِ مَا مَرِضْتُ قَطُّ، فَقَالَ: "قُمْ عَنَّا فَلَسْتَ مِنَّا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: 3089].

1572 -

[50] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَيُطَيِّبُ بِنَفْسِهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: 2087، جه: 1438].

ــ

وهب له العافية من العلل، وكذا أعفاه اللَّه، والعافية: دفاع اللَّه عن العبد ما يكرهه.

وقوله: (فلم يدر) أي: البعير، يعني كان ينبغي أن يعلم ويتنبه بأن مرضه بسبب ما ارتكبه من الذنوب فينتهي عنها.

وقوله: (فلست منا) في شرح الشيخ: الظاهر أنه كان منافقًا (1).

1572 -

[50](أبو سعيد) قوله: (فنفسوا له) التنفيس: التفريج، أي: فرِّجوا له وأذهبوا كربه فيما يتعلق بأجله، بأن تدعوا له بطول العمر وذهاب المرض، وأن تقولوا: لا بأس ولا تخف، سيشفيك اللَّه، وليس مرضك صعبًا، وما أشبه ذلك، فإنه وإن لم يردّ شيئًا من الموت المقدر، ولا يطول عمره، لكن يطيب نفسه وبفرحه، ويصير ذلك سببًا لانتعاش طبيعته وتقويتها فيضعف المرض.

وقوله: (ويطيب بنفسه) الباء زائدة في الفاعل نحو كفى باللَّه، أو للتعدية، وفي

(1) ويؤيده ما قال القاري (3/ 1144): جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا". رواه أحمد في "مسنده"(2/ 366)، والبخاري في "الأدب المفرد"(495)، والحاكم في "المستدرك"(1/ 498)، وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.

ص: 51