الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد فتحوا أبوابهم لتسرح ماشيتهم، فدخلوها فلم ينج منهم أحد واحتوى عمرو على مافيها ورجعوا إلى عمرو (1).
وكان فتح أطرابلس بعد قتال وافتتحها عمرو بن العاص عنوة وقال الليث بن سعد حدثني مشيختنا أن أطرابلس فتحت بعهد من عمرو بن العاص، وأصاب عمرو بها أحمالا كثيرة مع تجار من تجارها فباعه وقسم ثمنه بين المسلمين، وكتب إلى عمر ابن الخطاب أنا قد بلغنا أطرابلس وليس بينها وبين إفريقية إلا تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لنا في غزوها ويفتحها الله على يديه فعل، فكتب إليه ينهاه عنها ويقول: ماهي بإفريقية ولكنها مفرقة غادرة مغدوربها، لايغزوها أحد مابقيت، وقال مرة المعافري: سمعت عمر بن الخطاب يقول: إفريقية المفرقة ثلاث مرات لاأوجه إليها أحدا مامقلت عيني الماء.
وذلك أن أهلها كانوا يؤدون إلى ملك الروم شيئاً فكانوا يغدرون به كثيراً، وكان ملك الأندلس صالحهم ثم غدر بهم وكان خبرهم قد بلغ عمر (2).
وكذلك فإن عمر كان يخشى أن ينفرد بالمسلمين عدوهم، مع صعوبة نجدتهم لبعدهم عن مركز الخلافة، فلم يجد عمرو بدا من العودة إلى مصر، وبقي الأمر كذلك إلى زمن عثمان رضي الله عنه، فولى على مصر عبدالله بن سعد بن أبي سرح.
فتح إفريقية:
فلما عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر، وأمّر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يبعث المسلمين في جرائد الخيل، كما كانوا يفعلون أيام عمرو فيصيبون من أطراف إفريقية، ويغنمون فكتب في ذلك عبد الله بن سعد إلى عثمان، وأخبره بقربهم من حرز المسلمين، ويستأذنه في غزوها فندب عثمان الناس لغزوها بعد المشورة منه في ذلك، فلما اجتمع الناس - ولم يخالف في
(1) فتوح مصر وأخبارها ص: 116 - 117.
(2)
انظر فتوح مصر وأخبارها ص: 117، فتوح البلدان 225 - 226، طبقات أبي العرب 13، 16، الاستقصا1/ 73.
غزوها إلا سعيد بن زيد العدوي الذي استمسك برأي عمر - (1) أمر عليهم عثمان الحارث بن الحكم إلى أن يقدموا على عبد الله بن سعد مصر فيكون إليه الأمر فخرج عبد الله بن سعد إليها، وكان مستقر سلطان إفريقية يومئذ بمدينة يقال لها قرطاجنة، وكان عليها ملك يقال له جرجيركان هرقل قد استخلفه، فخلع هرقل، وضرب الدنانير على وجهه، وكان سلطانه مابين أطرابلس إلى طنجة، قال: فلقيه جرجير فقاتله فقتله الله وكان الذي ولي قتله عبدالله بن الزبير، وهرب جيش جرجير فبث عبد الله بن سعد السرايا وفرقها فأصابوا غنائم كثيرة، فلما رأى ذلك عظماء إفريقية اجتمعوا فطلبوا إلى عبدالله بن سعد أن يأخذ منه ثلاثمائة قنطار من ذهب على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم، فقبل ذلك ورجع إلى مصر، ولم يول عليهم أحدا، ولم يتخذ بها قيروانا، فأصاب الفارس يومئذ ثلاثة آلاف دينار والراجل ألف دينار وكان جيش عبد الله بن سعد ذلك عشرين ألفا.
وكان مع عبدالله بن سعد في تلك الغزوة أيضا: عبدالله بن عباس، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر ابن الخطاب، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن أنيس، وعمرو بن عوف المزني، وبلال بن الحارث المزني، وغيرهم، وانضم لهم عقبة ومن معه ببرقة، وذلك سنة سبع وعشرين، وهي الغزوة المعروفة بغزوة العبادلة لكثرة من اشترك فيها ممن اسمه عبدالله من الصحابة، ولم يكن هناك بد من القتال لأن جرجير قد رفض الإسلام والجزية ورغم ضخامة جيش العدو (بين 100 و 120 ألفا) فقد انتهت المعارك العديدة التي دارت بين الطرفين على مشارف مدينة سبيطلة بانتصار المسلمين، وقتل جرجير وكبار قادته وكثير من جيشه وغنم المسلمون أموالا عظيمة (2).
ولايمكن التقليل من شأن هذه الغزوة بسبب عدم بناء مدينة يستقر بها المسلمون، ويكفي أنها أذلت الروم بإفريقية، بحيث لم يتمكنوا من استرجاع
(1) انظر طبقات أبي العرب 12، 13، الرياض 1/ 14.
(2)
انظر فتوح مصر ص: 124 - 126، فتوح البلدان 227، البيان المغرب 1/ 28، تاريخ ابن خلدون 4/ 185.
قوتهم بعد ذلك، كما أنها عرفت أهل البلاد - ولو جزئيا - بالإسلام حتى اعتنقه بعضهم، ومن ناحية أخرى فقد وقف المسلمون على حالة البربر وعرفوا طبائعهم وعاداتهم عن قرب، كما أن المنطقة المفتوحة لايستهان بحجمها.
وفي سنة 33 هـ خرج المسلمون بقيادة عبدالله بن سعد أيضا حين نقض أهل إفريقية العهد، فجاهدوهم حتى دخل بعضهم في الإسلام، ورضي الباقون بالجزية (1).
ثم كانت سنة 34 هـ فخرج إلى المغرب معاوية بن حديج التجيبي، وكان معه في جيشه عامئذ عبدالملك بن مروان، فافتتح قصورا وغنم غنائم عظيمة.
وعن سليمان بن يسار قال: غزونا إفريقية مع ابن حديج ومعنا من المهاجرين والأنصار بشر كثير فنفلنا ابن حديج النصف بعد الخمس، فلم أر أحدا أنكر ذلك، إلا جبلة بن عمرو الأنصاري.
فانتهى معاوية بن حديج إلى قونية ثم مضى إلى جبل يقال له القرن، فعسكر بجانبه، وبعث عبدالملك بن مروان إلى مدينة يقال لها جلولاء في ألف رجل، فحاصرها أياما، فلم يصنع شيئا فانصرف راجعا فلم يسر إلا يسيرا حتى رأى في ساقة الناس غبارا شديدا، فظن أن العدو قد طلبهم فكر جماعة من الناس لذلك وبقي من بقي على مصافهم وتسرع سرعان الناس، فإذا مدينة جلولاء قد وقع حائطها فدخلها المسلمون، وغنموا مافيها وانصرف عبدالملك إلى معاوية بن حديج فاختلف الناس في الغنيمة، فكتب في ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان فكتب إن العسكر ردء للسرية، فقسم ذلك بينهم، فأصاب كل رجل منهم لنفسه مائتي دينار، وضرب للفرس بسهمين ولصاحبه بسهم.
ويقال: بل غزاها معاوية بن حديج بنفسه، فحاصرها فلم يقدر عليهم، فانصرف آيسا منها وقد جرح عامة أصحابه، وقتل منهم ففتحها الله بعد انصرافه بغير خيل ولا رجال فرجع إليها ومن معه وفيها السبي، ولم يردهم أحد، فغنموا وانصرف منها راجعا إلى مصر (2).
ثم اشتغل المسلمون في
(1) انظر البيان المغرب 1/ 14، النجوم الزاهرة 1/ 80، تاريخ الإسلام 2/ 115، قادة فتح المغرب 1/ 61.
(2)
انظر فتوح مصر وأخبارها ص: 131، طبقات أبو العرب 15، الرياض 1/ 30، 93، تاريخ ابن خلدون 4/ 185، تاريخ المغرب العربي 1/ 167.
المشرق بما أهمهم عن شأن المغرب، حتى اعتدل الأمر لمعاوية رضي الله عنه سنة 41 هـ، فأرسل إليها معاوية بن حديج، وفي سنة 42 هـ غزاها عقبة ابن نافع ويبدو أن هاتين الغزوتين لم تتوغلا داخل أرض إفريقية، أما الغزوة الموالية فكانت ذات شأن، وقد قادها معاوية بن حديج سنة 45 هـ، وكانت ردا على المحاولة التي قامت بها الدولة البيزنطية لإعادة إفريقية إلى نفوذها، فهزم معاوية جيوش البيزنطيين، وأعاد فتح إفريقية مدينة مدينة حتى وصل جبل القرن فعسكر هناك وبنى مساكن للجيوش، واتخذ ذلك الموقع قيروانا (1) وجه منه سراياه إلى البلاد، ففتح سوسة وجلولاء والجم وبنزرت، ولا شك أنه قد سيطر على جميع تلك الجهات لأنه تمكن سنة 45 هـ من غزو صقلية لأول مرة في التاريخ الإسلامي، كما أغزى جيشه جزيرة جربة، ففتحت سنة 45 هـ بقيادة رويفع بن ثابت الأنصاري، وقد آتت هذه الغزوة أكلها حيث ظهر الإسلام في البربر، وتمكن الجيش الإسلامي من التوغل في أراضيهم، وكسر شوكتهم (2).
فغزا معاوية بن حديج إفريقية ثلاث غزوات، أما الأولى فسنة أربع وثلاثين، قبل قتل عثمان وهي غزوة لايعرفها كثير من الناس، والثانية سنة أربعين، والثالثة سنة خمس وأربعين (3).
ولما قتل عثمان وولي أمر مصر محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة لم يوجه إليها أحداً، فلما ولي معاوية بن أبي سفيان ولى معاوية بن حديج السكونى مصر، وهو الذي بعث عقبة بن نافع لغزوها (4).
(1) بفتح القاف والراء: لفظ فارسي معرب وقد تكلمت به العرب قديما قال امرىء القيس:
وغارة ذات قيروان
…
كأن أسرابها الرعال
وهي اسم للقافلة وللجيش ومحط أثقاله وموضع اجتماع الناس. انظر معجم البلدان 4/ 420، مراصد الاطلاع 3/ 6139، الحلل السندسية 1/ 259، قادة فتح المغرب 1/ 103، معالم تاريخ المغرب 36، المعالم 1/ 8.
(2)
انظر البيان المغرب 1/ 10، 17 الرياض 1/ 28، النجوم الزاهرة 1/ 130، قادة فتح المغرب 1/ 79، المعالم 1/ 45، حسن البيان 76.
(3)
فتوح مصر وأخبارها ص: 132 وفيه سنة خمسين والصواب ما ذكرته كما في غيره من المراجع وأما سنة خمسين ففيها تأسست القيروان على يد عقبة كما سيأتي وانظر الإصابة 3/ 411.
(4)
فتوح البلدان 228.
فخرج عقبة بن نافع الفهري سنة ست وأربعين، ومعه بسر بن أرطأة، وشريك ابن سمي المرادي، فأقبل حتى نزل بمغمداش من سرت - وكان توجه بسر إليها سنة ست وعشرين - فأدركه الشتاء، وكان مضعفا وبلغه أن أهل ودان قد نقضوا عهدهم، ومنعوا ما كان بسر بن أبي أرطأة فرض عليهم - وكان عمرو بن العاص قد بعث إليها بسرا قبل ذلك، وهو محاصر لأهل أطرابلس فافتتحها - فخلف عقبة بن نافع جيشه هنالك، واستخلف عليهم عمر بن علي القرشي، وزهير بن قيس البلوي، ثم سار بنفسه وبمن خلف معه أربعمائة فارس، وأربعمائة بعير، وثمانمائة قربة، حتى قدم ودان فافتتحها، وأخذ ملكهم فجدع أذنه فقال: لم فعلت هذا بي وقد عاهدتني؛ فقال عقبة: فعلت هذا بك أدبا لك إذا مسست أذنك ذكرته فلم تحارب العرب، واستخرج منهم ما كان بسر فرضه عليهم ثلاثمائة وستين رأسا، ثم سألهم عقبة: هل من ورائكم أحد؟ فقيل له جرمه وهي مدينة فزان العظمى فسار إليها ثماني ليال من ودان، فلما دنا منها أرسل فدعاهم إلى الإسلام، فأجابوا.
فنزل منها على ستة أميال، وخرج ملكهم يريد عقبة، وأرسل عقبة خيلا، فحالت بين ملكهم وبين موكبه، فأمشوه راجلا حتى أتى عقبة، وقد لغب وكان ناعما فجعل يبصق الدم فقال له: لم فعلت هذا بي وقد أتيتك طائعا؟ فقال عقبة أدبا لك إذا ذكرته لم تحارب العرب، وفرض عليه ثلاثمائة عبد وستين عبدا، ووجه عقبة الرحل من يومه إلى المشرق، ثم مضى على جهته من فوره ذلك إلى قصور فزان فافتتحها قصرا قصرا، حتى انتهى إلى أقصاها، فسألهم هل من ورائكم أحد؟ قالوا نعم: أهل خاوار وهو قصر عظيم على رأس المفازة في وعورة على ظهر جبل، وهو قصبة كوار فسار إليهم خمسة عشر ليلة، فلما انتهى تحصنوا فحاصرهم شهرا، فلم يستطع لهم شيئا فمضى أمامه على قصوركورا فافتتحها، حتى انتهى إلى أقصاها وفيه ملكها فأخذه فقطع أصبعه، فقال: لم فعلت هذا بي؟ قال: أدبا لك إذا أنت نظرت إلى اصبعك لم تحارب العرب، وفرض عليه ثلاثمائة عبد وستين عبدا، فسألهم: هل من ورائكم أحد؟ فقال الدليل: ليس عندي بذلك معرفة ولادلالة، فانصرف عقبة راجعا.
فمر بقصر خاوار، فلم يعرض له ولم ينزل بهم، وسار ثلاثة أيام، فأمنوا وفتحوا مدينتهم، وأقام عقبة بماء اسمه
اليوم ماء فرس، ولم يكن به ماء فأصابهم عطش شديد أشفى منه عقبة وأصحابه على الموت، فصلى عقبة ركعتين ودعا الله، وجعل فرس عقبة يبحث بيديه في الأرض، حتى كشف عن صفاة فانفجر منها ماء، فجعل الفرس يمص ذلك الماء، فأبصره عقبة فنادى في الناس أن احتفروا فاحتفروا سبعين حسيا، فشربوا واستقوا فسمي لذلك ماء فرس، ثم رجع عقبة إلى خاوار من غير طريقه التي كان أقبل منها فلم يشعروا به، حتى طرقهم ليلا قد تمهدوا في أسرابهم، فاستباح مافي المدينة من ذرياتهم وأموالهم وقتل مقاتلتهم، ثم انصرف راجعا، فسار حتى نزل بموضع زويلة
…
ثم ارتحل، حتى قدم على عسكره بعد خمسة أشهر، وقد جمعت خيولهم وظهرهم، فسار متوجها إلى المغرب، وجانب الطريق الأعظم وأخذ إلى
…
مزاتة فافتتح كل قصر بهاإلى
…
، ثم بعث خيلا إلى غدامس فافتتحت غدامس فلما انصرف
…
سار إلى قفصة فافتتحها وافتتح قصطيليه ثم انصرف إلى القيروان فلم يعجب بالقيروان الذي كان معاوية بن حديج بناه قبله فركب والناس معه، حتى أتى موضع القيروان اليوم وكان واديا كثير الشجركثير القطف تأوي إليه الوحوش والسباع والهوام، ثم نادى ياأهل الوادي ارتحلوا رحمكم الله فإنا نازلون نادى بذلك ثلاثة أيام فلم يبق من السباع ولا الوحوش ولاالهوام إلا خرج، وأمر الناس بالتنقية والخطط ونقل الناس من الموضع الذي كان معاوية بن حديج نزله، إلى مكان القيروان اليوم وركز رمحه وقال هذا قيروانكم.
وقال زياد بن العجلان: إن أهل إفريقية أقاموا بعد ذلك أربعين سنة ولو التمست حية أو عقرب بألف دينار ماوجدت (1).
وكان ذلك سنة 50 هـ حيث بدأت إفريقية الإسلامية عهدا جديدا مع عقبة بن نافع المتمرس بشؤون إفريقية منذ حداثة سنه فقد لاحظ كثرة ارتداد البربر، ونقضهم العهود، وعلم أن السبيل الوحيد للمحافظة على إفريقية ونشر الإسلام بين أهلها هو إنشاء مدينة تكون محط رحال المسلمين ومنها تنطلق جيوشهم، فأسس مدينة القيروان وبنى جامعها وافتتح كثيرا من البلدان، وعمل على نشر الإسلام بين البربر وشرد
(1) فتوح مصر وأخبارها ص: 132 - 133.
من بقي على الكفر.
وقال لأصحابه حين أراد تأسيسها: إن إفريقية إذا دخلها إمام أجابوه إلى الإسلام فإذا خرج منها رجع من كان أجابه منهم لدين الله إلى الكفر، فأرى لكم يامعشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة تكون عزا للإسلام إلى آخر الدهر (1).
وقال موسى بن علي: أول من بنى القيروان عقبة بن نافع الفهرى اختطها ثم بنى وبنى الناس معه الدور والمساكن، وبنى المسجد الجامع بها (2).
ولما أراد عقبة تمصير القيروان فكر في موضع المسجد منه فأري في منامه كأن رجلاً أذن في الموضع الذي جعل فيه مئذنته، فلما أصبح بنى المنبر في موقف الرجل ثم بنى المسجد (3).
ثم عزل معاوية بن أبي سفيان معاوية بن حديج وولى مصر والمغرب مسلمة بن مخلد الأنصاري، وهو أول من جمعت له، فولى المغرب أبا المهاجر مولاه وأوصاه حين ولاه أن يعزل عقبة أحسن العزل، فخالفه أبو المهاجر فأساء عزله وسجنه وأوقره حديدا حتى أتاه الكتاب من الخليفة بتخلية سبيله وإشخاصه إليه، فخرج عقبة حتى أتى قصر الماء، فصلى ثم دعا وقال اللهم لاتمتني حتى تمكني من أبي المهاجر دينار بن أم دينار، فبلغ ذلك أبا المهاجر فلم يزل خائفا منذ بلغته دعوته فلما قدم عقبة مصر ركب إليه مسلمة بن مخلد فأقسم بالله لقد خالفه ماصنع أبو المهاجر ولقد أوصيته بك خاصة، وقد كان قيل لمسلمة لو أقررت عقبة فإن له جزالة وفضلا، فقال مسلمة: إن أبا المهاجر صبر علينا في غير ولاية ولاكبير نيل فأحببنا أن نكافئه، فلما قدم أبوالمهاجر إفريقية كره أن ينزل في الموضع الذي اختطه عقبة بن نافع، ومضى حتى خلفه بميلين فابتنى مدينة تيكروان ونزل، وكان الناس قبل أبي المهاجر يغزون إفريقية، ثم يقفلون منها إلى الفسطاط،
(1) انظر البيان المغرب 1/ 19، الرياض 1/ 10، حسن البيان 76.
(2)
فتوح البلدان 230.
(3)
فتوح البلدان 231 وانظر لتأسيس القيروان أيضا: البيان المغرب 1/ 19، الرياض 1/ 84، حسن البيان 76، تاريخ خليفة 210 تاريخ الطبري 4/ 178، البداية والنهاية 8/ 45، الاستيعاب 3/ 108، الإصابة 3/ 80، سيرة القيروان 72 - 74، معالم تاريخ المغرب 114.
وأول ما أقام بها حين غزاها أبو المهاجر مولى الأنصار أقام بها الشتاء والصيف واتخذها منزلا وكان مسلمة بن مخلد الذي عقد له على الجيش الذين خرجوا معه إليها، فلم يزالوا بها حتى قتل ابن الزبير، فخرجوا منها (1).
وكانت لأبي المهاجر مع البربر سياسة حسنة، فقد تألف قادتهم وعلى رأسهم كسيلة البربري فانقادوا للإسلام وازدادت رقعة البلاد المفتوحة حتى بلغت تلمسان من بلاد الجزائر، وطالت مدة إقامة أبي المهاجر ومن معه من الصحابة والتابعين.
ثم قدم عقبة على معاوية بن أبي سفيان فقال له فتحت البلاد وبنيت المنازل ومسجد الجماعة ودانت لي ثم أرسلت عبد الأنصار فأساء عزلي فاعتذر إليه معاوية، وقال: قد عرفت مكان مسلمة بن مخلد من الإمام المظلوم وتقديمه إياه وقيامه بدمه وبذل مهجته، وقد رددتك على عملك، ويقال: إن معاوية ليس هو الذي رد عقبة بن نافع ولكنه قدم على يزيد بن معاوية بعد موت أبيه، فرده واليا على إفريقية وذلك أصح لأن معاوية توفي سنة ستين (2).
فعاد عقبة ثانية إلى القيروان سنة 62 هـ بأمر من يزيد بن معاوية، فأعاد عمارة المدينة ودعا لها ومن معه من الصحابة، وقد بلغوا خمسة وعشرين صحابيا، وكان مما قال في دعائه وهم يؤمنون: اللهم املأها علما وفقها وأعمرها بالمطيعين والعابدين، واجعلها عزا لدينك وذلا لمن كفر بك، وأعز بها الإسلام وامنعها من جبابرة الأرض (3).
وخرج عقبة للغزو بعد ماأوثق أبا المهاجر في وثاق شديد وأساء عزله، فغزا به معه إلى السوس وهو في حديد وأصل السوس بطن من البربر يقال لهم: أنبيه، فجول في بلادهم لايعرض له أحد، ولايقاتله فانصرف إلى إفريقية، ففتح جميع بلاد المغربين الأوسط والأقصى، أي مايعرف الآن بالجزائر والمغرب، حتى وصل إلى البحر المحيط، فأدخل فيه قوائم فرسه، وقال كلمته المشهورة: اللهم اشهد أني قد بلغت المجهود ولولا هذا البحر لمضيت في
(1) فتوح مصر وأخبارها ص: 133 - 134.
(2)
فتوح مصر وأخبارها ص: 134.
(3)
طبقات أبي العرب 8، وانظر البيان المغرب 1/ 33، حسن البيان 187.
البلاد أقاتل من كفر بك حتى لايعبد أحد دونك، ثم كر راجعا وفتح في طريقه بعض بلاد السودان، فلما اقترب من مدينة تهودة صرف أصحابه إلى منازلهم ثقة بما دوخ من البلاد، فعرض له كسيلة بن لمزم في جمع كثير من الروم والبربر وقد كان بلغه افتراق الناس عن عقبة وكان قد دار بين عقبة وكسيلة مواقف جعلت كسيلة يضمر حقدا شديدا على عقبة لأنه أذله في تلك المواقف ولم يسمع نصيحة أبي المهاجر في تألفه وإعزازه (1)،
فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل عقبة ومن كان معه، وقتل أبو المهاجر وهو موثق في الحديد، ثم سار كسيلة ومن معه حتى نزلوا الموضع الذي كان عقبة اختطه فأقام به وقهر من قرب من باب قابس ومايليه، وجعل يبعث أصحابه في كل وجه ويقال: بل خرج عقبة بن نافع إلي السوس واستخلف على القيروان عمر بن علي القرشي وزهير بن قبس البلوي وكانت إفريقية يومئذ تدعى مزاق، فتقدم عقبة إلي السوس وخالفه رجل من العجم في ثلاثين ألفا إلى عمر بن علي وزهير بن قيس وهما في ستة الاف، فهزمه الله وخرج ابن الكاهنة البربري على أثر عقبة كلما رحل عقبة من منهل دفنه ابن الكاهنة فلم يزل كذلك حتى انتهى عقبة إلى السوس، ولا يشعر بما صنع البربري، فلما انتهى عقبة إلى البحر أقحم فرسه فيه حتى بلغ نحره، ثم قال: اللهم إني أشهدك أن لامجاز ولو وجدت مجازا لجزت وانصرف راجعا والمياه قد غورت وتعاونت عليه البربر، فلم يزل يقاتل وأبو المهاجر معه في الحديد فلما استحر الأمر أمر عقبة بفتح الحديد عنه، فأبى أبو المهاجر فقال: ألقى الله في حديدي، فقتل عقبة وأبو المهاجر ومن معهما (2).
وكان لهذه الحادثة أثر عميق في نفوس المسلمين.
وأما زهير بن قيس البلوي خليفة عقبة على القيروان فقد اضطر للسير نحو المشرق، فأقام ببرقة إلى أن جاءه المدد من عبدالملك بن مروان سنة 69 هـ، فسار إلى القيروان واستنقذها من يد كسيلة الذي اضطربت صفوفه لأن المسلمين البربر قد تنازعوا
(1) مقدمة دولة الأدارسة ص: 15.
(2)
انظر الرياض 1/ 39، الاستقصا 1/ 82، فتوح مصر ص: 134 - 135.
معه ولم تذكر المصادر أن كسيلة قد أساء إلى المسلمين في الفترة التي حكم فيها القيروان، وقد دامت مدة خمس سنوات.
ويقال إن عبد العزيز بن مروان لما ولي مصر كتب إلى زهير بن قيس وزهير يومئذ ببرقة، يأمره بغزو إفريقية فخرج في جمع كثير فلما دنا من قونية وبها عسكر كسيلة بن لمزم عبأ زهير لقتاله، وخرج إليه فاقتتلا فقتل كسيلة ومن معه ثم انصرف زهير قافلا إلى برقة.
وفي هذه الموقعة قتل كسيلة ومن معه من الروم وملوك البربر وأشرافهم وفرسانهم وخلد أهل إفريقية إلى الطاعة وتمهدت البلاد لزهير بن قيس البلوي فخاف على نفسه الفتنة، لما رأى من عظمة الملك وكان من رؤساء العابدين وكبار الزاهدين، وقرر الرحيل إلى المشرق بينما أقام معظم أصحابه بالقيروان، لكنه استشهد في قلة من أصحابه على يد الروم الذين أغاروا على برقة، وكانت المصيبة بزهير وأصحابه رضي الله عنهم مثل المصيبة بعقبة بن نافع وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين، وبموت زهير اختلت الأمور في إفريقية من جديد إلا أن الوضع بالمشرق لم يكن يسمح بإرسال من يعيد الأمور إلى نصابها (1).
ثم قدم حسان بن النعمان واليا على المغرب أمره عليها عبدالملك بن مروان في سنة ثلاث وسبعين، وذلك بعد أربع سنوات، فمضى في جيش كبير، حتي نزل أطرابلس، واجتمع إليه بها من كان خرج من إفريقية وأطرابلس، وانضم إليه كثير من أهل مصر وممن أسلم من بربر إفريقية، فوجه على مقدمته محمد بن أبي بكيرة، وهلال بن ثروان اللواتي، وزهير بن قيس، ففتح البلاد، وأصاب غنائم كثيرة، وخرج إلى مدينة قرطاجنة، ففتحها واضطر إلى هدمها لأن أهلها غدروا به، وفرض سيطرته على كامل تلك المنطقة، وأثخن في الروم والبربر بالقتل.
ثم توجه حسان لمحاربة الكاهنة، لأنها هي الخطر الوحيد الذي بقي يهدد الكيان الإسلامي في إفريقية والمغرب، وقد قال له البربر المسلمون: إن قتلتها دان لك المغرب كله ولم يبق لك مضاد ولا معاند، فغزا الكاهنة وهي
(1) انظر فتوح مصر وأخبارها ص: 135، المغرب الكبير 2/ 234، البيان المغرب 1/ 31، الرياض 1/ 46.
إذ ذاك ملكة البربر، وقد غلبت على جل إفريقية فلقيها على نهر يسمى نهر البلاء، فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمته، وقتلت من أصحابه وأسرت منهم ثمانين رجلا، وأفلت حسان ونفذ من مكانه إلى أنطابلس فنزل قصورا من حيز برقة فسميت قصور حسان، واستخلف على إفريقية أبا صالح، وقامت الكاهنة بتخريب إفريقية ظنا منها أن ذلك هو غاية مطلب المسلمين من إفريقية، وقد أثار عملها نقمة كثير من سكان تلك المدن فاستجاروا بالمسلمين (1).
وكانت أنطابلس ولوبيا ومراقية إلى حد أجدابية من عمل حسان، فأحسنت الكاهنة أسارى من أسرته من أصحابه إلى أن سار إليها حسان ومن معه في جيش لم يدخل إفريقية مثله قط، فلقي الكاهنة في أصل جبل فقتلت وعامة من معها، فسميت بئر الكاهنة. وطلب الباقون الأمان، فاشرط عليهم حسان أن يعطوه من قبائلهم اثني عشر ألفا يجاهدون مع العرب، فأجابوه؛ وأسلموا على يديه، وبذلك انكسرت شوكة الروم والبربر بإفريقية نهائيا (2).
ثم انصرف حسان فنزل موضع قيروان إفريقية، وبنى مسجد جماعتها ودون الدواوين، واتجه إلى ناحية قرطاجنة، فبنى مدينة تونس، وأنشأ بها دارا لصناعة السفن، وحفر إليها البحر فأصبحت ميناء هاما، وبنى جامع الزيتونة، ووضع الخراج على عجم إفريقية، وعلى من أقام معهم على النصرانية من البربر، وعامتهم من البرانس إلا قليلاً من البتر، وأقام حسان بموضعه حتى استقامت له البلاد، ثم توجه إلى عبد الملك بغنائمه في جمادى الآخرة سنة ست وسبعين، وولى على الصدقات حنشا الصنعاني، وبذلك تمهدت إفريقية وأصبحت دار إسلام وحسنت طاعة أهلها، وأقام بها حسان لايغزو أحدا ولاينازعه أحد لأن جميع من بها إما مسلم مطيع، أوكافر خاضع مستكين، ووجه حسان عناية كاملة لنشر الدين الإسلامي واللغة العربية، فدخل البربر في دين الله أفواجا، خاصة وأن حسانا كان إلى جانب ذلك يقسم الفيء والأرض بينهم واستمر حسان في تركيز مباديء الإسلام لدى أهل إفريقية وإعادة تعمير ماخربته الكاهنة
(1) انظر فتوح مصر وأخبارها ص: 136، البيان 1/ 35، المعالم 1/ 61 - 64، الاستقصا 1/ 93، حسن البيان 158، الرياض 1/ 53.
(2)
انظر فتوح مصر وأخبارها ص: 136، البيان المغرب 1/ 38، تاريخ ابن خلدون 4/ 187.
حتى رجع إلى المشرق سنة 85 هـ، ويمكن أن نعتبر أن فتح إفريقية قد تم نهائيا في هذه المرحلة، لولا وجود بعض البؤر التي لم تفتح وبقيت تشكل خطرا على الإسلام مثل قلعة زغوان الواقعة بين القيروان وتونس، وبعض المدن الواقعة في أطراف إفريقية (1).
ولما مر حسان ببرقة أمر على خراجها إبراهيم بن النصراني، ثم مضى فمر بعبد العزيز بن مروان وهو بمصر، ثم نفذ إلى عبد الملك فسر عبد الملك بما أورد عليه حسان من فتوحه وغنائمه، ويقال بل أخذ منه عبدالعزيزكل ما كان معه من السبى، وكان قد قدم معه من وصائف البربر بشيء لم ير مثله جمالاً، فكان نصيب الشاعر يقول: حضرت السبى الذي كان عبد العزيز أخذه من حسان مائتى جارية منها مايقام بألف دينار.
ثم أغارت الروم بعد حسان على أنطابلس فهرب إبراهيم بن النصراني، وخلى أهل أنطابلس وأهل ذمتها في أيدي الروم، فرأسوها أربعين ليلة حتى أسرعوا فيها الفساد، وبلغ ذلك عبد العزيز بن مروان، فأرسل إلى زهير بن قيس، وكان خرج مع حسان، فلما بلغ مصر أقام بها فأمره عبد العزيز بالنهوض إلى الروم، ولم يجتمع لزهير من أصحابه إلا سبعون رجلا
…
، وكان عبد العزيز عاتبا على زهير بن قيس، لأنه كان قاتله حين وجهه أبوه مروان بن الحكم من ناحية أيلة من قبل أن يدخل مصر، فقال له: ماعلمتك يازهير إلاجلفا جافيا، فقال له زهير: ماكنت أرى ياابن ليلى أن رجلا جمع ماأنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم من قبل أن يجتمع أبواك جلف جاف، ماهو بالجلف ولا الجاف، أنا منطلق فلا ردني الله إليك، فخرج حتى إذا كان بدرنة من طبرقة من أرض أطرابلس لقي الروم وهو في سبعين رجلا، فتوقف ليلحق به الناس، فقال له فتى شاب كان معه: جبنت يازهير، فقال: ماجبنت يا ابن أخي، ولكن قتلتني وقتلت نفسك! فلقيهم فاستشهد زهير وأصحابه جميعا، فقبورهم هنالك معروفة إلى اليوم، وكان مقتل زهير وأصحابه في سنة ست وسبعين (2).
(1) انظر المعالم 1/ 69، البيان المغرب 1/ 38 - 41، الرياض 1/ 56.
(2)
فتوح مصر وأخبارها ص: 136 - 137.
وقدم حسان بن النعمان من قبل عبد الملك متوجها إلى المغرب، فلما قدم مصر، قال لعبد العزيز: اكتب إلى عبدك بالإعراض عن أنطابلس فقال له عبد العزيز: ماكنت لأفعل بعد إذ ضيعتها فاستولت عليها الروم. فقال حسان: إذن أرجع إلى أمير المؤمنين فقال: ارجع. فانصرف حسان راجعا إلى عبد الملك وخلف ثقله بمصر فقدم على عبد الملك وهو مريض ووجه عبد العزيز موسى بن نصير إلى المغرب، فأخبر حسان عبد الملك بذلك فخر عبد الملك ساجدا وقال: الحمد لله الذي أمكنني من موسى لشدة أسفه عليه، وكان عاملا لعبد الملك على العراق مع بشر بن مروان فعتب عليه عبد الملك فأراد قتله فافتداه منه عبد العزيز بمال لما رأى من عقل موسى بن نصير ولبه وكان عنده بمصر، ثم لم يلبث حسان بن النعمان إلايسيرا حتى توفي، وقدم موسى بن نصير المغرب في سنة ثمان وسبعين.
وأمر موسى بن نصير على إفريقية سنة تسع وسبعين، فعزل أبا صالح، وافتتح عامة المغرب، وواتر فتوحه وكتب بها إلى عبدالعزيز بن مروان، وبعث بغنائمه وأنهاها عبد العزيز إلى عبد الملك، فسكن ذلك من عبد الملك بعض ما كان يجد على موسى ثم إن موسى بن نصير حين غزا المغرب، بعث ابنه مروان على جيش فأصاب من السبي مائة ألف، وبعث ابن أخيه في جيش آخر، فأصاب مائة ألف، فلما أتى كتبه بذلك قال الناس: ابن نصير والله أحمق من أين له عشرون ألفا يبعث بها إلى أمير المؤمنين في الخمس؟ فبلغ ذلك موسى بن نصير، فقال: ليبعثوا من يقبض لهم عشرين ألفا، ثم توفي عبد الملك بن مروان، وكانت وفاته يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من شوال، سنة ست وثمانين، واستخلف الوليد بن عبد الملك فتواترت فتوح المغرب على الوليد من قبل موسى بن نصير، فعظمت منزلة موسى عنده واشتد عجبه به (1).
ووجه موسى بن نصير ابنه مروان بن موسى إلى طنجة مرابطا على ساحلها فجهد هو وأصحابه فانصرف، وخلف على جيشه طارق بن عمرو،
(1) فتوح مصر وأخبارها ص: 137.
وكانوا ألفا وسبعمائة.
ويقال: إن موسى بن نصير خرج من إفريقية غازيا إلى طنجة، فهو أول من نزل طنجة من الولاة وبها من البربر بطون من البتر والبرانس ممن لم يكن دخل في الطاعة، فلما دنا من طنجة، بث السرايا فانتهت خيله إلى السوس الأدنى، فوطأهم وسباهم وأدوا إليه الطاعة وولى عليهم وليا أحسن فيهم السيرة.
وهذه المنطقة من السوس الأدنى هي منطقة شنقيط، التي خلت منذ تلك الفترة من كل ديانة عدا الإسلام (1).
ثم إن موسى عزل الذي كان استعمله على طنجة، وولى طارق بن زياد ثم انصرف إلى القيروان، فأقام طارق هناك مرابطا زمانه، وذلك في سنة اثنين وتسعين.
وكان المجاز الذي بينه وبين أهل الأندلس عليه رجل من العجم، يقال له: يليان صاحب سبتة، وكان على مدينة على المجاز إلى الأندلس يقال لها: الخضراء والخضراء ممايلي طنجة، وكان يليان يؤدي الطاعة إلى لذريق صاحب الأندلس وكان لذريق يسكن طليطلة فراسل طارق يليان ولاطفه حتى تهاديا، وكان ليليان قد بعث بابنة له إلى لذريق صاحب الأندلس ليؤدبها ويعلمها فأحبلها، فبلغ ذلك يليان فقال: لاأرى له عقوبة ولا مكافأة إلا أن أدخل عليه العرب، فبعث إلى طارق أني مدخلك الأندلس وطارق يومئذ بتلمسين، وموسى بن نصير بالقيروان، فقال طارق: فإني لا أطمئن إليك حتى تبعث إلي برهينة، فبعث إليه بابنتيه ولم يكن له ولد غيرهما، فأقرهما طارق بتلمسين واستوثق منهما ثم خرج طارق إلى يليان وهو بسبتة على المجاز ففرح به حين قدم عليه وقال له: أنا مدخلك الأندلس وكان بين المجازين جبل يقال له اليوم جبل طارق فيما بين سبتة والأندلس فلما أمسى جاءه يليان بالمراكب، فحمله فيها إلى ذلك المجاز، فكان ما كان من فتح الأندلس (2).
فكان دور موسى بن نصير تمهيد جميع ماتبقى في نواحي إفريقية فسيطر على قبائل المغرب الأوسط ومدنه ووجه عنايته للغزو البحري فغزا صقلية وافتتح سرقوسة وسردانية ثم وجه جيشه إلى المغرب الأقصى ففتح جميعه
(1) انظر فتوح مصر وأخبارها ص: 138، موريتانيا بلاد شنقيط ص:8.
(2)
فتوح مصر وأخبارها ص: 138.