الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كما اعتبر عهد الموحدين عهد إحياء الاجتهاد (1).
وقد أدى ضعف الموحدين في نهاية عهدهم إلى تمزق دولتهم الشاسعة الأطراف على النحو التالي:
سقطت الأندلس في يد الأسبان والبقية الباقية التي لم تقع في أيديهم استقلت تحت إمرة بني الأحمر أصحاب غرناطة.
وأما منطقتنا فقد ظهرت فيها ثلاث دول إسلامية ظلت تتنازع السلطان وتحاول كل منها التوسع على حساب جارتها وهي:
الدولة الحفصية في المغرب الأدنى.
الدولة الزيانية في المغرب الأوسط.
الدولة المرينية في المغرب الأقصى (2).
ومنذ ذلك الحين يعتبر المغرب الإسلامي الكبير قد انقسم إلى ثلاث دول لكل منها تاريخه المستقل، والتي آلت حاليا إلى تونس والجزائر والمغرب (ويتبعها موريتانيا) وعليه فسوف تكون دراستنا الحالية لكل منها على حدة إلى الاحتلال الفرنسي وقد حكم تونس بعد الحفصيين الأتراك وفي عهدهم فرضت الحماية الفرنسية، وحكم الجزائر بعد بني زيان الأتراك وفي عهدهم وقع الاحتلال الفرنسي، وأما المغرب فحكمها بعد بني مرين الوطاسيون، ثم السعديون ثم العلويون وفي عهدهم فرضت الحماية الفرنسية.
أحوال المنطقة حتى الاحتلال الفرنسي:
أولا: تونس
الدولة الحفصية في المغرب الأدنى (تونس) 1230 م - 1574 م
(3):
وتنسب إلى أبي حفص عمر بن يحيى الهنتاني نسبة إلى قبيلة هنتانة
(1) انظر: الأنيس 2/ 154، الاستقصا 2/ 126، المعجب ص: 254، 255، عصر المنصور الموحدي ص: 256، الفكر السامي 3/ 170 - 173.
(2)
المغرب العربي الكبير في العصر الحديث ص: 26.
(3)
انظر: تاريخ إفريقية في العهد الحفصي (كاملا)، الدولة الحفصية (كاملا)، الفارسية في مبادىء الدولة الحفصية (كاملا)، تاريخ إفريقية في العهد الحفصي (كاملا)، تاريخ تونس ص: 60 - 63، المغرب العربي الكبير ص: 27 - 91.
البربرية وهو من خاصة ابن تومرت وأحد مريديه، وكانت له مكانة كبيرة لديه وقد استطاع أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص ولد المذكور بعد أن ولاه الخليفة الموحدي الناصر على تونس أن يقضي على كثير من الاضطرابات، فهزم ابن غانية كما تقدم، وخلفه ابنه عبد الرحمن سنة 618 هـ الذي تولى بعده أبو زكريا الحفصي سنة 627 هـ واستطاع أن يعلن استقلاله بتونس والقيروان عن دولة الموحدين بعد أن دب إليها الضعف ونازعها بنو مرين السلطة على المغرب الأقصى، وقمع ابن غانية عندما عاد للاضطرابات مرة ثانية وقتله، وقمع ثورة قبيلة هوارة فاستتب له الأمر بتونس، ثم توسع فاستولى على الجزائر وبايعته تلمسان وسجلماسة بل بايعته بعض بلاد المغرب الأقصى (1).
ثم واصل محمد والذي لقب بالمستنصر تلك الأعمال بنجاح أكثر وتلقب رسميا بلقب الخليفة أو أمير المؤمنين، وأرسل له أمير مكة والحجاز بمبايعته وأراد الصليبيون ضرب قلب الإسلام فشن القديس لويس الحملة الصليبية الثامنة (2) ضد تونس سنة 1270 وانتهت بمعاهدة صلح تنازل فيها الخليفة المستنصر فرضي بدفع غرامة حربية بالإضافة إلى مضاعفة ما كان يدفعه إلى ملك صقلية من أتاوة، ثم بدأت الانتفاضات على الحكم والاضطرابات وهجوم الأرغوينيين على سواحل تونس بعد استقرارهم بصقلية.
ثم احتل بنو مرين تونس لمدة عشر سنوات من سنة 1347 م - 1357 م حتى ظهر الأمير الحفصي أبو العباس والي مقاطعة قسنطينة الذي استطاع إعادة البلاد لوحدتها وللدولة الحفصية هيبتها بداية من سنة 1370 م واستطاع هو وأبو فارس خلفه وعثمان
(1) المغرب العربي الكبير ص: 27، 28.
(2)
هي الحملة الثامنة والأخيرة في الحروب الصليبية وسبقتها سبعة الأولى لفلسطين 493 هـ احتلت القدس، الثانية 544 هـ أبيدت، الثالثة 585 هـ لاسترجاع القدس بعد صلاح الدين فشلت، الرابعة 599 هـ لاسترجاع القدس فشلت، الخامسة 614 لمصر فشلت، السادسة 626 هـ للقدس فشلت، السابعة 646 هـ مصر فشلت (انظر الدولة الحفصية 152 - 158).
خلف أبي فارس أن يكبحوا جماح المنشقين، ويكسروا شوكة القبائل، وشنوا على أوروبا المسيحية حرب القرصنة، وعقدوا معاهدات تجارية مع إيطاليا، وذلك خلال مدة طويلة في الحكم سنة 1370 م - 1488 م من طرابلس إلى مدينة الجزائر.
وفي الفترة الأخيرة من العهد الحفصي ظهرت الاضطرابات من جديد، وانحلت الدولة حتى انحصرت في مدينة تونس وما يحيط بها، وتوالت هجمات النصارى على السواحل وتفاقم أثرها وفقدت الدولة القدرة على ردع القوى الانفصالية داخليا واحتل الأتراك ثم الأسبان على التوالي تونس سنة1534 م، 1535 م، وكانت السواحل مسرحا للصراع الأسباني التركي.
في أثناء التوسعات الأسبانية والبرتغالية ظهر على الساحة بحاران جزائريان هما الأخوان (عروج)، (خير الدين) فقد اتخذ عروج جزيرة جربه التونسية قاعدة لنشاطه بالاتفاق مع السلطان الحفصي محمد بن الحسن ونجح هو وأخوه في إنقاذ كثير من مسلمي الأندلس، ونقلهم منها فاستنجدت به المدن الساحلية في المغرب لتخليصهم من الأسبان فبترت ذراعه في أثناء محاولة تخليص بجاية سنة 918 هـ (1).
وبعد أن خلع الأتراك السلطان الحفصي من العرش أعاده القائد الأسباني بعد أن أدخله تحت حمايته وجعله تابعا له ثم خلعه ابنه أحمد وخلفه سنة 1541 م، ولم يكن أسعد حظا منه، واستطاع القائد التركي الاستقرار في طرابلس والاستيلاء على القطر التونسي، وفي سنة 1569 م دخلت الجيوش التركية بقيادة والي الجزائر تونس وطردت منها السلطان الحفصي، ثم استولى الأسبان على تونس من جديد سنة 1573 م إثر هزيمة الأسطول العثماني أمام القائد ليبانت، وأقاموا فيها حكما مشتركا أسبانيا حفصيا حتى قدم الأسطول العثماني بقيادة سنان باشا الذي استرجع تونس، وأنهى حضور الأسبان والدولة الحفصية بإفريقية.
واتجه خير الدين الوالي على الجزائر إلى تونس وذلك في نهاية الدولة
(1) انظر: صفحات من تاريخ مدن الجزائر ص: 42، إتحاف أهل الزمان 2/ 9، تاريخ الجزائر الحديث ص:26.
الحفصية، فدخلها في جيش من الأتراك فتوجه الأمير الحفصي الحسن بن أبي عبد الله إلى أسبانيا مستنجدا بملكها الذي أعد قوة ضخمة، فدخل تونس وعاث فيها فسادا ونهب جامع الزيتونة، وأعاد الأمير الحفصي لملكه مقابل شروط أثارت عليه الأهالي فسملوا عينيه وخلفه ابنه الذي حاول وقف التيار الأسباني فلم يستطع، وتمكن الأسبان من الاستيلاء على موانىء صفاقس وسوسة والمنستير، وأدى صراع الأمير الحفصي أبي العباس الثاني ووزيره إلى دخول العثمانيين في الصراع مع الأسبان، كان من حلقاته هزيمة الأسطول التركي سنة 1571 م، وإعادة الحفصيين إلى حكم تونس سنة 1573 م إلا أن القائد العثماني سنان باشا استطاع في عام 1574 القضاء نهائيا على الحفصيين في تونس.
ومن حلقاته أيضا محاولة شارل الخامس سنة 1541 م توجيه ضربة قاضية للأتراك في الجزائر ففشل واستطاع الأتراك سنة 1558 م، أن يوجهوا ضربة قاضية للأسبان قرب مستغانم ثم انتزعوا ميناء طرابلس من فرسان بيت المقدس وأخذ نشاط الأسبان يضعف (1).
وفي العهد الحفصي أنشئت الكتاتيب لتعليم القرآن وازدهر نشاط المذهب المالكي وظهر من العلماء أمثال ابن زيتون وابن عرفة، الذي يعتبر آخر كبار المجددين في زمنه وبعده أعلن علماء بلاد المغرب غلق باب الاجتهاد فتحجر العلم وأجدبت أرضه وانطوى العلماء ولقي التصوف رواجا كبيرا وغدا الانحراف فيه كبيرا وشيدت الأضرحة ولجأ الناس إلى الخرافات والبدع، التي أيدت من قبل الأمراء لأغراض سياسية وظهرت عبادة الأولياء والصالحين تحت حماية السلطة إلا أنه مع ذلك التدهور لم تخل المنطقة من ظهور بعض المفكرين وعلى رأسهم عبدالرحمن بن خلدون الذي ولد بتونس ورحل وتعلم وأثرى المكتبة الإسلامية بكتابات نافعة سنة 1332 - 1406 م، كما ظهر من علماء الحديث الحافظ ابن سيد الناس والمؤرخ أحمد بن محمد القرشي (2).
(1) انظر المغرب العربي الكبير في العصر الحديث ص: 44 - 91.
(2)
تاريخ تونس ص: 60 - 63، تاريخ إفريقية في العهد الحفصي 2/ 299 - 422، جامع الزيتونة ومدارس العلم في العهد الحفصي والتركي ص:32.