الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الطور الأول
النشأة والطفولة
ينسب الإمام أحمد بن حنبل إلى جده الأدنى، واسمه الكامل: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد، أبو عبد الله.
وينتهي نسب الإمام أحمد إلى شيبان بن ذُهل بن ثعلبة، فكان نسبهُ في العرب شيبانيًا صريحًا. وقد وقع خَطَأٌ في نسبه من بعض النُّساب صححه الخطيب البغدادي، فنُسب إلى بني ذهل بن شيبان. وسبب الخطأ هو أن ذهل بن شيبان اسم لعم ذهل بن ثعلبة الواقع في سياق نسب الإمام أحمد (1).
وكان جد الإمام، وهو حنبل بن هلال، من مؤسسي الدولة العباسية، فقد كان من أبناء الدعوة إليها بعدما كان واليًا للأمويين.
وكان أبوه محمد من أجناد مرو، مات شابًا في سن الثلاثين تقريبًا (2).
وكان مولد الإمام أحمد ببغداد، جاءت به أمه صفية بنت ميمونة الشييانية من مرو وهو حمل في بطنها، على الراجح من الروايات، وعلى ما صرح به هو عن نفسه، إذ قال: قدم بي من خراسان وأنا حمل، وولدت هاهنا، ولم أر جدي ولا أبي (3).
وكان مولده رحمه الله في ربيع الأول سنة 164 هـ، وقيل في ربيع الآخر، ولكن لم يختلف في سنة ولادته، فقد صرح هو عن نفسه بذلك في غير ما رواية.
(1) تاريخ بغداد 4/ 412، وسير أعلام النبلاء 11/ 178. وذكر الذهبي وهما آخر وقع في "مناقب أحمد" لأبي محمد بن أبي حاتم الرازي، وهو أنه قال: "ابن هذيل بن شيبان"، وصوابه ذهل. ووقع ابن الفراء في "الطبقات"(1/ 4) ، في الوهم الذي صوبه الخطبب.
(2)
تاريخ بغداد 4/ 415، مناقب الإمام أحمد، لإبن الجوزي، ص 27، سير أعلام النبلاء 11/ 179.
(3)
مناقب الإمام أحمد، ص 36، وذكر الذهبي في السير (11/ 179) قدوم أمه به حملًا إلى بغداد بصيغة التضعيف.
ونشأ الإمام أحمد يتيمًا في حجر أمه في بغداد، وترعرع فيها، وإن كانت الأخبار عن حياته المبكرة شحيحة قليلة، إلا أننا نستطيع أن نعرف بصورة عامة أنه كان يقضي آنذاك معظم وقته في كتاتيب بغداد التي كانت تزخر بالنشاط العلمي، فقد ذكر الخلال عن محمد بن الحسين عن المروذي، قال:"قال لي أبو عفيف وذكر أبا عبد الله أحمد بن حنبل فقال: كان في الكُتّاب معنا، وهو غُلَيِّم نعرف فضله، وكان الخليفة بالرقة، فيكتب الناس إلى منازلهم الكتب فيبعث نساؤهم إلى المعلم: ابعث إلينا بأحمد بن حنبل ليكتب لهن جواب كتبهن، فيبعثه، فكان يجيء إليهن مطأطئ الرأس، فيكتب جواب كتبهن، فربما أملين عليه الشيء من المنكر فلا يكتبه لهن"(1).
وهذا يدلنا على نبله وعقله وخلقه في صباه.
ويذكر المؤرخون أن داود بن بسطام كان مسؤولًا من قبل الخليفة عن أخبار بغداد في تلك الأيام، فاتفق له مرة أن أخرت عنه جريدة الأخبار، فبعث إلى عم الإمام أحمد يستفسره عن سبب ذلك، فقال له: بعثت بها مع ابن أخي؛ يعني أحمد بن حنبل، وكان أحمد ألقى بها في الماء، واستنكر أن يوصلها إليه، ولعل ذلك لما كان فيها من الوشايات والأنباء التي لا ترضي دين الإمام أحمد وخلقه الرفيع (2).
وكانت الكتاتيب في ذلك الوقت تعلم اللغة العربية، وتحفظ القرآن للأطفال. فقد قال ابن قتيبة في ذكر أسماء المعلمين: ومن المعلمين: علقمة بن أبي علقمة، مولى عائشة، كان يروي عنه مالك بن أنس، وكان له مكتب يعلم فيه العربية والنحو والعروض، ومات في خلافة المنصور (3).
(1) المناقب، لإبن الجوزي، ص 43.
(2)
المصدر السابق ص 44 - 45. قال الذهبي في كتاب "السير" (11/ 186): وذكر الخلال حكايات في عقل أحمد وحياته في المكتب وورعه في الصغر. ولم ينقل لنا شيئًا من ذلك.
(3)
المعارف، ص 549. وذكر الشيخ أبو زهرة رحمه الله في كتابه "ابن حنبل" (ص 20) أن الإمام أحمد أتمَّ حفظ القرآن في صغر في المكتب. ولكن أورد ابن الجوزي في "المناقب"(ص 57) قصة رواها الخلال تفيد أنه انقطع عن حفظ القرآن لما شغله الحديث، ولم يتم حفظه إلا في السجن في أيام المحنة.
وهكذا كان النبل والعقل والعفة سمة هذا الغلام من أول نشأته، حتى تَفَرَّس فيه أهل زمانه مستقبلًا متميزًا على أبناء جيله، فقال الحافظ الهيثم بن جميل الأنطاكي: إن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه (1).
وكان جادا في الطلب نشيطًا حريصًا، وريما كان يريد البكور في الحديث فتأخذ أمه بثيابه، وتقول: حتى يؤذن الناس، أو حتى يصبحوا (2).
وكانت والدته رحمها الله تحوطه بالعناية وتغذوه بالرعاية في ظل الباقي من أسرته، وكان وحبدها.
وكان عيشهما من غلة ميراث تركه له والده. قال ابن الجوزي: كان أحمد رضي الله عنه قد خلف له أبوه طِرزًا ودارًا يسكنها، وكان يكري تلك الطِّرز ويتعفف بكرائها عن الناس (3).
* * *
(1) تقدمة الجرح والتعديل، لإبن أبي حاتم، ص 295.
(2)
المنهج الأحمد، للعليمي 1/ 72. تحقيق محمود الأرناؤوط.
(3)
مناقب الإمام أحمد، ص 306 .. والطرز، قال في "اللسان": هو بيت إلى الطول، فارسي، وقيل: هو البيت الصيفي. قال الأزهري: أراه معربًا، وأصله تِرْز، وقيل: هو الموضع الذي تنسج فيه الثياب.