المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا - نشأة المذاهب الفقهية وسببها: - المذهب الحنبلي دراسة في تاريخه وسماته - جـ ١

[عبد الله بن عبد المحسن التركي]

فهرس الكتاب

- ‌مُقَدِّمَة

- ‌تَمْهِيدْ

- ‌أولًا - كلمة "مذهب

- ‌1 - المذهب لغة:

- ‌2 - المذهب عرفًا:

- ‌3 - المذهب اصطلاحًا:

- ‌ثانيًا - نشأة المذاهب الفقهية وسببها:

- ‌ثالثًا - أهمية المذاهب الفقهية في خدمة الشريعة الإسلامية:

- ‌الفصل الأولفي سيرة الإمام أحمد وعلمه

- ‌المبحث الأولالحياة السياسية في عصر الإمام أحمد

- ‌المبحث الثانيالحياة الثقافية في عصر الإمام أحمد

- ‌المبحث الثالثالحياة الإجتماعية في عصر الإمام أحمد

- ‌المبحث الرابعسيرة الإمام أحمد

- ‌الطور الأولالنشأة والطفولة

- ‌الطور الثانىطلبه للعلم والرحلة فيه

- ‌الطور الثالثحياة الإمام أحمد في بغداد إلى بداية المحنة

- ‌الطور الرابعالمحنة أسبابها. مراحلها. نتائجها

- ‌أسباب المحنة

- ‌مراحل المحنة

- ‌المرحلة الأولىالمحنة في زمن المأمون

- ‌المرحلة الثانيةالمحنة في زمن المعتصم

- ‌المرحلة الثالثةالمحنة في زمن الواثق

- ‌نتائج المحنة

- ‌المبحث الخامس‌‌وفاة الإمام أحمدومجمل مناقبه وعلمه

- ‌وفاة الإمام أحمد

- ‌مجمل مناقب الإمام أحمد وصفاته:

- ‌علم الإمام أحمد

- ‌أولاً: شهادة الناس له بالعلم:

- ‌ثانياً. في الرواية عنه:

- ‌ثالثاً: في مؤلفاته:

- ‌ما نسب إلى الإمام أحمد من كتب:

- ‌رسائل الإمام أحمد

- ‌المسندديوان السنة النبوية

- ‌ تاريخ تأليف المسند:

- ‌ وصف المسند:

- ‌ رواية المسند:

- ‌ منزلة المسند بين كتب الحديث:

- ‌ الأعمال التي تمت على المسند:

- ‌1 - غريب الحديث، لغلام ثعلب (261 هـ - 345 ه

- ‌2 - ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج لهم أحمد بن حنبل في "المسند" لإبن عساكر (499 هـ - 571 ه

- ‌3 - خصائص المسند، للحافظ أبي موسى المديني (501 هـ -581 ه

- ‌5 - التذكرة في رجال العشرة، لإبن حمزة الحسيني (715 هـ - 765 ه

- ‌6 - الإكمال في ذكر من له رواية في مسند الإمام أحمد من الرجال سوى من ذُكر في تهذيب الكمال:

- ‌8 - ترتيب المسند، لأبي بكر بن المحب (712 هـ - 789 ه

- ‌9 - ترتيب المسند، لإبن زريق (ت 803 ه

- ‌10 - إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لإبن الملقن (723 هـ -804 ه

- ‌11 - مختصر المسند

- ‌12 - غاية المقصد في زوائد المسند، للهيثمي (735 هـ - 807 ه

- ‌13 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:

- ‌14 - جزء للحافظ الهيثمي:

- ‌15 - ترتيب مسند أحمد على حروف المعجم، للمقدسي (ت 820 ه

- ‌16 - ذيل الكاشف، لإبن العراقي (762 هـ - 826 ه

- ‌17 - المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد، للحافظ ابن الجزري (751 هـ - 833 ه

- ‌18 - المقصد الأحمد في رجال أحمد

- ‌19 - المسند الأحمد فيما يتعلق بمسند أحمد

- ‌20 - ترتيب المسند المسمى "الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري"، لإبن زكنون (758 هـ - 837 ه

- ‌21 - زوائد المسانيد المسمى بـ: "إتحاف السادة المهرة بزوائد العشرة" للبوصيري (762 هـ - 840 ه

- ‌22 - القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد، للحافظ ابن حجر العسقلاني (773 هـ - 852 ه

- ‌23 - إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي:

- ‌24 - تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة:

- ‌25 - التعريف الأجود بأوهام من جمع رجال السند:

- ‌26 - الذيل الممهد على القول المسدد، للسيوطي (ت 911 ه

- ‌27 - عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد:

- ‌29 - شرح المسند، للشيخ أبي الحسن السندي (ت 1139 ه

- ‌30 - نفثات الصدر المُكْمَد وقرّة عين السعد بشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، للسفاريني (1114 هـ - 1189 ه

- ‌31 - ذيل القول المسدد، لمحمد صبغة الله المدراسي:

- ‌32 - الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني للساعاتي (ت 1378 ه

- ‌33 - بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني:

- ‌34 - تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر للمسند:

- ‌35 - الموسوعة الحديثية الكبرى:

- ‌دعوى كون الإمام أحمد محدثًا غير فقيهٍ والرَّد عليها:

- ‌الفصل الثانيفي أدوار المذهب ومواطن انتشاره

- ‌الدور الأولالنشأة والتأسيس

- ‌تَمْهِيدْ

- ‌المبحث الأولوصف عام لأصحاب الإمام أحمد

- ‌المبحث الثانيفي التعريف بأصحابه الذين سمعوا منه ورووا فقهه

- ‌تصنيف رواة المسائل عن الإمام أحمد:

- ‌التعريف بأشهر أصحاب الإمام أحمد

- ‌1 - إبراهيم الحَرْبي (198 هـ - 285 ه

- ‌2 - إسحاق بن إبراهيم بن هانئ (218 هـ - 285 ه

- ‌3 - أحمد بن حُميد (أبو طالب) (؟ - 244 ه

- ‌4 - أحمد المرّوذي (؟ - 275 ه

- ‌5 - أحمد الأثرم (؟ - 273 ه

- ‌6 - إسحاق الكَوْسَج (170 هـ - 251 ه

- ‌7 - حرب الكرماني (؟ - 280 ه

- ‌8 - حنبل بن إسحاق (؟ - 273 ه

- ‌9 - سليمان بن الاشعث أبو داود (202 هـ - 275 ه

- ‌10 - صالح بن الإمام أحمد (203 هـ - 266 ه

- ‌11 - عبد الله بن الإمام أحمد (213 هـ - 290 ه

- ‌12 - عبد لله بن محمد (فوران) (- 256 ه

- ‌13 - عبد الملك الميموني (- 274 ه

- ‌14 - مُهَنّا بن يحيى الشامي:

- ‌الدور الثانيالنقل والنمو

- ‌تَمْهِيدْ

- ‌المبحث الأولمميزات هذا الدور

- ‌المبحث الثاني‌‌أشهر علماء هذا الدوروأبرز أعمالهم

- ‌أشهر علماء هذا الدور

- ‌1 - الخلال (311 ه

- ‌2 - ابن المنادي (256 هـ - 336 ه

- ‌3 - أبو بكر النجاد (253 هـ - 348 ه

- ‌4 - الخِرَقي (334 ه

- ‌5 - الآجُرّي (360 ه

- ‌6 - غلام الخلَّال (285 هـ - 3763 ه

- ‌7 - ابن بَطة العُكْبَري (304 هـ - 387 ه

- ‌8 - ابن المُسْلِم (387 ه

- ‌9 - الحسن بن حامد (403 ه

- ‌أبرز أعمال علماء هذا الدور

- ‌أولاً - الجمع للمسائل

- ‌ثانياً - الإختصار الفقهي

- ‌ثالثا - شروح المختصرات

- ‌رابعاً - التآليف الجزئية المفردة

- ‌خامساً - الكتابة في أصول الفقه الحنبلي

- ‌الدور الثالثالإنتشار - الإزدهار - الإستقرار

- ‌تَمْهِيدْ

- ‌المبحث الأولالمذهب في العراق

- ‌1 - القاضي أبو يَعْلى (380 - 458 ه

- ‌2 - أبو الخَطّاب (432 - 510 ه

- ‌3 - ابن المَنِّي (501 - 583 ه

- ‌المبحث الثانيالمذهب في حَرَّان

- ‌آل تيمية وجهودهم في خدمة المذهب الحنبلي:

- ‌المبحث الثالثالمذهب في بلاد الشام

- ‌المقادسة وجهودهم

- ‌نتائج جهود المقادسة

- ‌أشهر الفقهاء الشاميين الذين خدموا المذهب:

- ‌ موفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي (541 - 620 ه

- ‌ شمس الدين ابن مفلح (712 - 763 ه

- ‌ علاء الدين المرداوي (817 - 885 ه

- ‌حالة المذهب الحنبلي بعد المقادسة

- ‌الشيخ عبد القادر ابن بدران (1280 - 1346 ه

- ‌المبحث الرابعالمذهب في مصر

- ‌1 - ابن النجار الفُتُوحي (898 هـ - 972 ه

- ‌2 - منصور بن يونس البُهُوتي (1000 - 1051 ه

- ‌المبحث الخامسالمذهب في الجزيرة العربية

- ‌ الشيخ أحمد بن يحيى بن عطوة (948 ه

- ‌ الشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان (1099 ه

- ‌الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته

- ‌نتائج دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

- ‌1 - الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (1165 - 1244 ه

- ‌2 - الشيخ عبد لله بن عبد الرحمن الملقب بـ "أبا بُطين" (1194 - 1282 ه

- ‌3 - الشيخ عبد الرحمن بن حسن أل آلشيخ (1193 - 1285 ه

- ‌أثر الملكة العربية السعودية في ازدهار الفقه الحنبلي

- ‌خلاصة ما تمّ في المملكة العربية السعودية من جهود في خدمة المذهب الحنبلي

- ‌1 - الشيخ سعد بن حمد بن علي ابن عتيق (1267 - 1349 ه

- ‌2 - الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الرحمن العنقري (1290 - 1373 ه

- ‌3 - الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (1307 - 1376 ه

- ‌4 - الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع (1300 - 1385 ه

- ‌5 - الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (1311 - 1386 ه

- ‌الفصل الثالثسمات الحنابلة

- ‌تَمْهِيدْ

- ‌المبحث الأولأثر سيرة الإمام أحمد على الحنابلة

- ‌المبحث الثانيالإعتناء بعلوم الحديث الشريف

- ‌المبحث الثالثالحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌المبحث الرابعالإتباع للسلف ومناهضة البدع

- ‌المبحث الخامسالحنابلة والسلطة السياسية

- ‌المبحث السادسأضواء على الإجتهاد عند فقهاء الحنابلة

- ‌ تعريف "الإختيارات

- ‌ التأليف في الإختيارات:

- ‌ اختيارات ابن تيمية ومميزاتها:

- ‌ الأسس التي ترتكز عليها اختيارات شيخ الإسلام:

- ‌ مرتبة ابن تيمية في طبقات المجتهدين:

- ‌ منهج ابن تيمية في الفتوى والإجتهاد:

- ‌الفصل الرابعأبرز مؤلفات المذهب الحنبلي

- ‌تَمْهِيدْ

- ‌المبحث الأولفي فنون الفقه التي توزعتها التصانيف

- ‌المبحث الثانيفي ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية

- ‌كيفية التعرف على كتاب من الكتب الفقهية

- ‌كيفية ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية

- ‌المبحث الثالثفي التعريف بأشهر الكتب المعتمدة في المذهب

- ‌ الجامع للخلال:

- ‌ مختصر الخرقي:

- ‌ الإرشاد إلى سبيل الرشاد:

- ‌ الخلاف الكبير للقاضي أبي يعلى:

- ‌ كتاب الروايتين والوجهين:

- ‌ شرح مختصر الخرقي للقاضي أبي يعلى:

- ‌ الانتصار في المسائل الكبار:

- ‌ المستوعب:

- ‌ المغني:

- ‌ العمدة

- ‌ المقنع

- ‌الكافي

- ‌ المحرر:

- ‌ الفروع:

- ‌الإنصاف

- ‌الإقناع

- ‌ منتهى الإرادات:

الفصل: ‌ثانيا - نشأة المذاهب الفقهية وسببها:

واصطلح المتأخرون من فقهاء المذاهب على أن كلمه "مذهب أحمد" مثلًا إذا أطلقت، فلا يقصد بها دائمًا ما ذهب إليه الإمام نفسه، بل ما استقر عليه القول وجرت به الفتوى، سواء أكان هو قول الإمام نفسه، أم كان قولًا لأصحابه، أم كان قولًا مخرجًا معتمدًا، فيقولون: المذهب في المسألة كذا، ويقصدون هذا المعنى، من باب إطلاق الشيء على جزئه الأهم، كقوله صلى الله عليه وسلم:"الحج عرفة"(1)، وذلك لأن الأهم عند الفقيه المقلد هو ما به الفتوى دون غيره (2).

والمذهب بهذا المعنى الأخير لم يكن معروفًا في زمن الأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة، فمالك والشافعي وغيرهما لم يكونوا يعرفون معنى المذاهب، وإنما كانوا ينشرون علم السنة، وفقه الصحابة والتابعين، ولذا قيل: إن نسبة المذهب إلى صاحبه لا يخلو من تسامح.

ثم تطورت دلالة هذه الكلمة حتى استقرت على مدلول كبير ومضمون واسع وأصبح إطلاق كلمة "المذهب الحنبلي" مثلًا في الأزمنة المتأخرة إلى يومنا هذا يعني ذلك المجموع المتكامل، والبنيان المتراصف المشيد من فقه وأصول وقواعد وضوابط وفروق واصطلاحات، تولدت وترتبت وهذبت، عبر مدة زمنية غير قليلة، وجهود كوكبة متلاحقة من العلماء، بنى اللاحق فيها على ما انتهى إليه السابق، منذ أن كان المذهب في طي تلك المسائل والفتاوي المتفرقة، والإجتهادات المنثورة في التصانِيف الأولى والأسمعة التي دونها الأصحاب رحمة الله أجمعين.

* * *

‌ثانيًا - نشأة المذاهب الفقهية وسببها:

من المعلوم أن المذاهب الفقهية لم تكن معروفة في زمن الصحابة ولا التابعين، على أن بعض الصحابة تفردوا بالمشيخة ليبعض فقهاء التابعين، فقد ذكر السخاوي

(1) أخرجه أحمد (18774)، وأصحابه السنن: أبو داود (1949) والترمذي (889)، والنسائي 5/ 264، وابن ماجة (3015) من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي.

(2)

محاضرات في تاريخ المذهب المالكي د. عمر بن عبد الكريم الجيدي، ص 7، ط. المغرب.

ص: 15

عن علي ابن المديني أن المذاهب المقلَّدة أربابها من الصحابة ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، قال: وكان لكل منهم أتباع في الفقه يدون في علمهم وفتواهم قولهم (1).

ولنا أن نزعم أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كانت على حظ من ذلك؛ إذ تتلمذ عليها ابن أختها عروة بن الزبير، ومسروق بن الأجدع، وعلقمة والأسود النخعيان، فقد جاء أكثر علمها من جهة هؤلاء.

وطبقة فقهاء الصحابة لم تكن تتميز بالأمصار والأقاليم، وإنما كانت متميزة بالزمن الذي أظل الخلافة الراشدة وما بعدها إلى نهاية القرن الأول. وقد جرى الشيرازي على هذا المَهيع، فلم يوزع الصحابة الفقهاء على الأمصار الإسلامية، وإنما ترجم لهم ترجمة زمنية عامة، وقسمهم إلى كبار وصغار، مع أن منهم من مات بالمدينة، ومنهم من مات يالبصرة، ومنهم من مات بالشام، وهكذا .. فلما انتهى إلى فقهاء التابعين وزعهم على الأمصار الإسلامية المعروفة آنذاك (2).

فدل هنا على أن الفقه انتسب إلى البلدان في زمن التابعين، ويالخصوص في طبقة صغارهم، فاشتهر بالمدينة جماعة، وبمكلة جماعة، وبالبصرة والكوفة والشام واليمن ومصر كذلك. ولسنا بحاجة إلى تفصيل ذلك، لكن نقول: إن هذه البلدان احتضنت من فقهاء التابعين أعدادًا متفاوتة بحسب تفاوت عدد الصحابة الذين ورثوهم من قبل، وهذا التفاوت هو السر في تكوين مدرسة الحجاز ومدرسة العراق، فقد كانت الخلافة بالمدينة أولًا، وكانت مجتمع الصحابة وموطن سراتهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من غزوة حنين ترك بها اثني عشر ألفًا من الصحابة، مات بها منهم عشرة آلاف، وتفرق ألفان في سائر أقطار الإسلام، هكذا قال مالك وغيره (3).

ثم انتقلت الخلافة إلى الكوفة قبل أن تستقر في الشام، وانتقل إليها من الصحابة نحو من ثلاثمائة ونيف (4). وكان قد استوطن البصرة والكوفة من الصحابة المشهورين: علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر وأبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين، وغيرهم رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم.

وتولدت من الكوفة مدرسة الرأي التي تستعمل القياس، وتعمله بشكل واضح

(1) الفكر السامي، لمحمد بن الحسن الحجوي 1/ 287.

(2)

طبقات الفقهاء، للشيرازي.

(3)

الفكر السامي 1/ 211.

(4)

المرجع السابق 1/ 310.

ص: 16

ومنهجي في استنباط الأحكام، وكان رائدها إذ ذاك إبراهيم النخعي رحمه الله، وظهرت مدرسة الحديث بالحجاز، وكان حامل اللواء فيها هو سعيد بن المسيَّب.

والواقع أن الحجاز لم تكن فيها مدرسة ولا رائد، وإنما تميز الحجازيون بأنهم أهل حديث وأثر، كما تميز العراقيون باستعمال القياس وكثرة التفريع الفقهي ، وقد كان صغار التابعين ومن بعدهم في الشام ومصر واليمن على سنن الحجازيين ، كما أن فقهاء الأمصار استعملوا القياس، كما استعمله الصحابة، وكان ربيعة بن عبد الرحمن يسكن المدينة، وهو شيخ مالك ابن أنس في الفقه، ومع ذلك كان يتعاطى الرأي حتى لقب بـ "رييعة الرأي"، كما كان الشعبي وابن سيرين من أعلام محدثي العراق وعلمائهم، ولم يكونا معروفين بالرأي.

فالحقيقة أن النزاع قام بين بعض الحجازيين والعراقيين بسبب أن معظم العلم انحصر في الحجاز والعراق، وكان قد دخل في طور الإنتساب إلى البلدان كما قلنا، فحصل ما يشبه تحاسد الأقران وتنازعهم على الفضائل، فكان علماء الحجاز يرون أنهم قد اجتمعت لهم السنة، وأن الإسناد الصحيح الثابث لا يزال متوارثًا فيهم، فأصح الأسانيد عندهم: الزهري عن سالم عن أبيه، ومالك عن نافع عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وأن الحديث إذا جاوز الحرّتين انقطع نخاعه.

وكان علماء العراق يرون أنهم هم الآخرون قد استغنوا بما حمل إليهم الصحابة الأولون من العلم، وخصوصًا عبد الله بن مسعود، وكان جادة الإسناد إليه: منصور عن إبراهيم عن علقمة عنه رضي الله عنه. ولكن لما قلّت بضاعتهم بالنظر إلى بضاعة الحجازين فتحوا باب الرأي والقياس ليسدوا الفراغ، ويحكموا في تلك الفروع الكثيرة التي خاضوا فيها.

إلى جانب ذلك فقد اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وامتزجت الثقافات فيها، وتفرق الفقهاء في الأمصار، وكثرت الرحلات والفتاوى والوقائع، وشاع الجدل والمناظرات في المجالس، وأخذ التدوين، بمعنى التصنيف، يشق طريقه في صفوف العلماء، كما كثرت الترجمة لعلوم الأوائل، وتجرد كثير من الموالي وانتدبوا يتفقهون ويتعلمون حتى صاروا أئمة الناس وازدهر الفقه بهم ازدهارًا عظيمًا (1).

كل هذه العوامل تسببت في وجود علماء تميزوا بجمع الفقه، وكثرة الحفظ والتألق في الإجتهاد على ضوء ما انتهى إليهم من شيوخهم، وبذلك صاروا فيما بعد أئمة لمذاهب فقهية تعرف بأسمائهم بصورة تلقائية.

(1) المدخل للفقه الإسلامي، محمد سلام مدكور، ص 85 - 89.

ص: 17

• ففي المدينة:

انتهى الفقه إلى مالك بن أنس، ومن كان في طبقته، من مثل: عبد العريز بن سلمة ومحمد بن أبي سبرة وكثير بن فرقد وابن أبي ذئب، رووه عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن هرمز وربيعة وأبي الزناد، والفقهاء السبعة الذين رووا بدورهم عن الصحابة -وكانوا في الغالب آباءهم- وهم: سعيدُ بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعُبيد الله بن عبد الله، وخارجة بن زيد وسليمان بن يَسار، وأبو بكر بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وقيل: سالم بن عبد الله.

• وفي مكة:

انتهى الفقه إلى محمد بن إدريس الشافعي، عن شيخه الزَّنجي، عن ابن خريج وابن أبي نجيح عن أصحاب ابن عباس؛ كعكرمة وعمرو بن دينار وعطاء ومجاهد وابن أبي مليكة.

• وفي الشام:

انتهى الفقه إلى الأوزاعي، عن سليمان بن موسى الأشدق ومكحول ورجاء بن حيَوة وعبد الله بن زكريا وهانئ بن كلثوم، عن شَهْر بن حَوْشَب وأبي إدريس الخولاني؛ من تلامذة أبي الدرداء وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس.

• وفي مصر:

انتهى الفقه إلى الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج وعمرو بن الحارث ومرثد بن عبد الله اليزني، عن الصُّنابحي وعبد الله بن مالك الجيشاني، وهما من أصحاب عمر بن الخطاب.

• وفي الكوفة:

انتهى الفقه إلى أبي حنيفة والحسن بن صالح بن حيّ، وشريك النخعي، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمَة، وهؤلاء عن الحكم بن عتيبة وحماد ابن أبي سليمان، وحبيب بن أبي ثابت والحارث بن يزيد العكلي، وهؤلاء عن الشعبي وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وهؤلاء عن أصحاب علي وابن مسعود، كعلقمة والأسود النخعيين، ومسروق، وعَبيدة السلماني، وشُريح القاضي والحارث الأعور.

• وفي البصرة:

انتهى الفقه إلى عثمان البتّي، وعبد الرحمن بن مهدي، ونظرائهم؛ كأيوب ويونس ابن عبيد وابن عون وداود بن أبي هند، وهؤلاء عن الحسن البصري وجابر بن زيد

ص: 18