الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واصطلح المتأخرون من فقهاء المذاهب على أن كلمه "مذهب أحمد" مثلًا إذا أطلقت، فلا يقصد بها دائمًا ما ذهب إليه الإمام نفسه، بل ما استقر عليه القول وجرت به الفتوى، سواء أكان هو قول الإمام نفسه، أم كان قولًا لأصحابه، أم كان قولًا مخرجًا معتمدًا، فيقولون: المذهب في المسألة كذا، ويقصدون هذا المعنى، من باب إطلاق الشيء على جزئه الأهم، كقوله صلى الله عليه وسلم:"الحج عرفة"(1)، وذلك لأن الأهم عند الفقيه المقلد هو ما به الفتوى دون غيره (2).
والمذهب بهذا المعنى الأخير لم يكن معروفًا في زمن الأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة، فمالك والشافعي وغيرهما لم يكونوا يعرفون معنى المذاهب، وإنما كانوا ينشرون علم السنة، وفقه الصحابة والتابعين، ولذا قيل: إن نسبة المذهب إلى صاحبه لا يخلو من تسامح.
ثم تطورت دلالة هذه الكلمة حتى استقرت على مدلول كبير ومضمون واسع وأصبح إطلاق كلمة "المذهب الحنبلي" مثلًا في الأزمنة المتأخرة إلى يومنا هذا يعني ذلك المجموع المتكامل، والبنيان المتراصف المشيد من فقه وأصول وقواعد وضوابط وفروق واصطلاحات، تولدت وترتبت وهذبت، عبر مدة زمنية غير قليلة، وجهود كوكبة متلاحقة من العلماء، بنى اللاحق فيها على ما انتهى إليه السابق، منذ أن كان المذهب في طي تلك المسائل والفتاوي المتفرقة، والإجتهادات المنثورة في التصانِيف الأولى والأسمعة التي دونها الأصحاب رحمة الله أجمعين.
* * *
ثانيًا - نشأة المذاهب الفقهية وسببها:
من المعلوم أن المذاهب الفقهية لم تكن معروفة في زمن الصحابة ولا التابعين، على أن بعض الصحابة تفردوا بالمشيخة ليبعض فقهاء التابعين، فقد ذكر السخاوي
(1) أخرجه أحمد (18774)، وأصحابه السنن: أبو داود (1949) والترمذي (889)، والنسائي 5/ 264، وابن ماجة (3015) من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي.
(2)
محاضرات في تاريخ المذهب المالكي د. عمر بن عبد الكريم الجيدي، ص 7، ط. المغرب.
عن علي ابن المديني أن المذاهب المقلَّدة أربابها من الصحابة ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، قال: وكان لكل منهم أتباع في الفقه يدون في علمهم وفتواهم قولهم (1).
ولنا أن نزعم أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كانت على حظ من ذلك؛ إذ تتلمذ عليها ابن أختها عروة بن الزبير، ومسروق بن الأجدع، وعلقمة والأسود النخعيان، فقد جاء أكثر علمها من جهة هؤلاء.
وطبقة فقهاء الصحابة لم تكن تتميز بالأمصار والأقاليم، وإنما كانت متميزة بالزمن الذي أظل الخلافة الراشدة وما بعدها إلى نهاية القرن الأول. وقد جرى الشيرازي على هذا المَهيع، فلم يوزع الصحابة الفقهاء على الأمصار الإسلامية، وإنما ترجم لهم ترجمة زمنية عامة، وقسمهم إلى كبار وصغار، مع أن منهم من مات بالمدينة، ومنهم من مات يالبصرة، ومنهم من مات بالشام، وهكذا .. فلما انتهى إلى فقهاء التابعين وزعهم على الأمصار الإسلامية المعروفة آنذاك (2).
فدل هنا على أن الفقه انتسب إلى البلدان في زمن التابعين، ويالخصوص في طبقة صغارهم، فاشتهر بالمدينة جماعة، وبمكلة جماعة، وبالبصرة والكوفة والشام واليمن ومصر كذلك. ولسنا بحاجة إلى تفصيل ذلك، لكن نقول: إن هذه البلدان احتضنت من فقهاء التابعين أعدادًا متفاوتة بحسب تفاوت عدد الصحابة الذين ورثوهم من قبل، وهذا التفاوت هو السر في تكوين مدرسة الحجاز ومدرسة العراق، فقد كانت الخلافة بالمدينة أولًا، وكانت مجتمع الصحابة وموطن سراتهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من غزوة حنين ترك بها اثني عشر ألفًا من الصحابة، مات بها منهم عشرة آلاف، وتفرق ألفان في سائر أقطار الإسلام، هكذا قال مالك وغيره (3).
ثم انتقلت الخلافة إلى الكوفة قبل أن تستقر في الشام، وانتقل إليها من الصحابة نحو من ثلاثمائة ونيف (4). وكان قد استوطن البصرة والكوفة من الصحابة المشهورين: علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر وأبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين، وغيرهم رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم.
وتولدت من الكوفة مدرسة الرأي التي تستعمل القياس، وتعمله بشكل واضح
(1) الفكر السامي، لمحمد بن الحسن الحجوي 1/ 287.
(2)
طبقات الفقهاء، للشيرازي.
(3)
الفكر السامي 1/ 211.
(4)
المرجع السابق 1/ 310.
ومنهجي في استنباط الأحكام، وكان رائدها إذ ذاك إبراهيم النخعي رحمه الله، وظهرت مدرسة الحديث بالحجاز، وكان حامل اللواء فيها هو سعيد بن المسيَّب.
والواقع أن الحجاز لم تكن فيها مدرسة ولا رائد، وإنما تميز الحجازيون بأنهم أهل حديث وأثر، كما تميز العراقيون باستعمال القياس وكثرة التفريع الفقهي ، وقد كان صغار التابعين ومن بعدهم في الشام ومصر واليمن على سنن الحجازيين ، كما أن فقهاء الأمصار استعملوا القياس، كما استعمله الصحابة، وكان ربيعة بن عبد الرحمن يسكن المدينة، وهو شيخ مالك ابن أنس في الفقه، ومع ذلك كان يتعاطى الرأي حتى لقب بـ "رييعة الرأي"، كما كان الشعبي وابن سيرين من أعلام محدثي العراق وعلمائهم، ولم يكونا معروفين بالرأي.
فالحقيقة أن النزاع قام بين بعض الحجازيين والعراقيين بسبب أن معظم العلم انحصر في الحجاز والعراق، وكان قد دخل في طور الإنتساب إلى البلدان كما قلنا، فحصل ما يشبه تحاسد الأقران وتنازعهم على الفضائل، فكان علماء الحجاز يرون أنهم قد اجتمعت لهم السنة، وأن الإسناد الصحيح الثابث لا يزال متوارثًا فيهم، فأصح الأسانيد عندهم: الزهري عن سالم عن أبيه، ومالك عن نافع عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وأن الحديث إذا جاوز الحرّتين انقطع نخاعه.
وكان علماء العراق يرون أنهم هم الآخرون قد استغنوا بما حمل إليهم الصحابة الأولون من العلم، وخصوصًا عبد الله بن مسعود، وكان جادة الإسناد إليه: منصور عن إبراهيم عن علقمة عنه رضي الله عنه. ولكن لما قلّت بضاعتهم بالنظر إلى بضاعة الحجازين فتحوا باب الرأي والقياس ليسدوا الفراغ، ويحكموا في تلك الفروع الكثيرة التي خاضوا فيها.
إلى جانب ذلك فقد اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وامتزجت الثقافات فيها، وتفرق الفقهاء في الأمصار، وكثرت الرحلات والفتاوى والوقائع، وشاع الجدل والمناظرات في المجالس، وأخذ التدوين، بمعنى التصنيف، يشق طريقه في صفوف العلماء، كما كثرت الترجمة لعلوم الأوائل، وتجرد كثير من الموالي وانتدبوا يتفقهون ويتعلمون حتى صاروا أئمة الناس وازدهر الفقه بهم ازدهارًا عظيمًا (1).
كل هذه العوامل تسببت في وجود علماء تميزوا بجمع الفقه، وكثرة الحفظ والتألق في الإجتهاد على ضوء ما انتهى إليهم من شيوخهم، وبذلك صاروا فيما بعد أئمة لمذاهب فقهية تعرف بأسمائهم بصورة تلقائية.
(1) المدخل للفقه الإسلامي، محمد سلام مدكور، ص 85 - 89.
• ففي المدينة:
انتهى الفقه إلى مالك بن أنس، ومن كان في طبقته، من مثل: عبد العريز بن سلمة ومحمد بن أبي سبرة وكثير بن فرقد وابن أبي ذئب، رووه عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن هرمز وربيعة وأبي الزناد، والفقهاء السبعة الذين رووا بدورهم عن الصحابة -وكانوا في الغالب آباءهم- وهم: سعيدُ بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعُبيد الله بن عبد الله، وخارجة بن زيد وسليمان بن يَسار، وأبو بكر بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وقيل: سالم بن عبد الله.
• وفي مكة:
انتهى الفقه إلى محمد بن إدريس الشافعي، عن شيخه الزَّنجي، عن ابن خريج وابن أبي نجيح عن أصحاب ابن عباس؛ كعكرمة وعمرو بن دينار وعطاء ومجاهد وابن أبي مليكة.
• وفي الشام:
انتهى الفقه إلى الأوزاعي، عن سليمان بن موسى الأشدق ومكحول ورجاء بن حيَوة وعبد الله بن زكريا وهانئ بن كلثوم، عن شَهْر بن حَوْشَب وأبي إدريس الخولاني؛ من تلامذة أبي الدرداء وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس.
• وفي مصر:
انتهى الفقه إلى الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج وعمرو بن الحارث ومرثد بن عبد الله اليزني، عن الصُّنابحي وعبد الله بن مالك الجيشاني، وهما من أصحاب عمر بن الخطاب.
• وفي الكوفة:
انتهى الفقه إلى أبي حنيفة والحسن بن صالح بن حيّ، وشريك النخعي، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمَة، وهؤلاء عن الحكم بن عتيبة وحماد ابن أبي سليمان، وحبيب بن أبي ثابت والحارث بن يزيد العكلي، وهؤلاء عن الشعبي وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وهؤلاء عن أصحاب علي وابن مسعود، كعلقمة والأسود النخعيين، ومسروق، وعَبيدة السلماني، وشُريح القاضي والحارث الأعور.
• وفي البصرة:
انتهى الفقه إلى عثمان البتّي، وعبد الرحمن بن مهدي، ونظرائهم؛ كأيوب ويونس ابن عبيد وابن عون وداود بن أبي هند، وهؤلاء عن الحسن البصري وجابر بن زيد