الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نتائج المحنة
لكل امتحان نتائجه، ولكل بلية عواقبها وآثارها، ونار هذه الفتنة لم تخمد بموت المعتصم ولا بذهاب الواثق، لأنها مسألة تتعلق بالعقيدة وبكلام الله تعالى، ولئن كان الإمام أحمد واجهها بذلك الثبات، واستحق بثباته وسعة علمه وورعه أن يلقب بإمام أهل السنة، فإن القوم لم يهدأ روعهم، ولم يستقر قرارهم.
كان الفقهاء يساقون من الأمصار إلى بغداد، ليختبروا في هذه المسألة، ويفتش عن خبايا قلولهم، وكان منهم أبو يعقوب البويطي الفقيه المصري صاحب الشافعي، فقد جيء به من مصر محمولًا مقيدًا في الأغلال، وأودع السجن حتى مات فيه سنة 231 هـ. ومنهم نعيم بن حماد، فقد مات في سجن الواثق أيضًا سنة 228 هـ (1)
وكان من أمر الواثق لما استخلف أنه كتب إلى قاضي مصر محمد بن الحارث بن أبي الليث (250 هـ) بامتحان الناس في القرآن، فهرب كثير منهم، وملأ السجون بالكثير ممن أنكر المسألة، وكتب على أبواب المساجد "لا إله إلا الله رب القرآن وخالقه".
وعلى الرغم من تمدد مضاعفات هذه المحنة إلى الأمصار الإسلامية، واتباع الولاة مذهب الخليفة في استنطاق القضاة والفقهاء والمحدثين لمعرفة رأيهم في هذه المسألة، على الرغم من ذلك كله، فقد تغلب مذهب أهل الحق فيما بعد، وأدرك الواثق في آخر أيامه ضعف ما هو عليه مما ورث عمن قبله من سوء القول في كتاب الله العزيز، حتى روي أنه ترك امتحان الناس بسبب مناظرة جرت بين يديه رأى بها أن الأولى ترك الإمتحان (2).
ولما ولي المتوكل بعد الواثق (232 - 247 هـ)، خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الإعتقاد، وطعن عليهم فيما كانوا يقولونه من خلق القرآن، ونهى عن الجدال
(1) كتاب المحن، لأبي العرب التميمي، ص 444 - 448، ت. الجبوري، نشر دار الغرب الإسلامي. والبداية والنهاية 14/ 405، والمناقب ص 483.
(2)
المناقب ص 431، حياة الحيوان الكبرى، للدميري 1/ 81 - 82. المطبعة التجارية بالقاهرة.
والمناظرة في الأداء، وعاقب عليه، وأمر بإظهار الرواية للحديث، فأظهر الله به السنة، وأمات به البدعة، وكشف عن الخلق تلك الغمة، وأنار به تلك الظلمة، وأطلق من كان اعتقل بسبب القول بخلق القرآن، ورفع المحنة عن الناس (1).
وقد زاد الله المسلمين إكرامًا بثبات إمام السنة، فأصيب ابن أبي دواد بالفالج، وعُزل عن القضاء، وولي ابنه من بعده، فلم يحسن السيرة في الناس، فسخط المتوكل عليه وعلى أبيه وصادر جميع أمواله، وولى يحيى بن أكثم الذي كان من بقية علماء السنة ممن صحب المأمون، وكان ينصحه ويبصره بالحق في مدلهمات الأمور.
وعظم شأن الإمام أحمد عند المتوكل، حتى صار إسحاق بن إبراهيم الخزاعي يعظمه رغم أنفه، ورغب بجواره في عاصمة الخلافة الجديدة "سامراء"، فانتقل الإمام المبجل مع أسرته إلى هناك معززًا مكرمًا، بعدما تبينت براءته من وشاية تولى كبرها ابن الثلجي بالإدعاء على إمام السنة أنه أخفى رجلًا من العلويين في بته، وصار الناس يبايعونه سرًا عنده (2).
ولكن لم تكن حياة الإمام أحمد بجوار المتوكل إلا زيادة في الزهد، وابتعادًا عن الدنيا وشبهاتها، فلم ينعم بأي شيء مما كان يغدقه الخليفة على أسرته، وسرمد الصيام حتى عاد إلى بغداد في وضعية صحية كادت تأتي على حياته.
وكان المتوكل لا يولي أحدًا إلا بمشورة الإمام أحمد، ومكث إلى حين وفاته قل أن يأتي يوم إلا ورسالة الخليفة تنفذ إليه في أمور يشاوره فيها، -رَحِمَهُمَا اللهُ- جميعًا (3).
• رأي الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن:
مما ينبغي تسجيله في ذيل هذا الحادث الذي فُتن الناس به، وجعلهم يتقاولون ويتجادلون إلى حين، أن نترجم مذهب الإمام الشيباني الذي كان يسأله عنه الناس بعد تلك المحنة، حتى كان من جملة السائلين له إسحاق بن إبراهيم، بعدما عظم شأنه عند المتوكل، وقال له: "أسالك مسألة مسترشد لا مسألة امتحان، وليكن ذلك عندك مستورًا، ما تقول في القرآن؟ فقلت: القرآن كلام الله غير مخلوق، قال لي: من أين
(1) المنهج الأحمد 1/ 110.
(2)
المناقب، ص 441، البداية والنهاية 14/ 413.
(3)
وردت تلك المشاورات ورأي الإمام أحمد فيها بالتفصيل في الباب الثالث والعشرين من "المناقب" لإبن الجوزي.
قلت: غير مخلوق؟ فقلت: قال الله عز وجل: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54]، ففرق بين الخلق والأمر، فقال إسحاق: الأمر مخلوق، فقلت: يا سبحان الله، أمخلوق يخلق مخلوقًا!! فقال: وعمن تحكي أنه ليس بمخلوق؟ فقلت: جعفر بن محمد قال: ليس بخالق ولا مخلوق، قال: فسكت" (1).
ولا ريب أن الإمام أحمد إنما امتحن من أجل ذلك، لكن ورد في استجواب إسحاق ابن إبراهيم النائب على بغداد تنفيذًا لأمر المأمون: أن الإمام اكتفى بالقول: بإن القرآن كلام الله لم يزد على ذلك، كما ذكرناه فيما سبق (2).
ولنا أن نجمع ببساطة بين الموقفين، فنقول: إنه كان يحب في البداية أن لا يخاض في القرآن الكريم، بأي قول لم يثبت عن السلف، وقد كان ذلك واضحًا في كلامه مع المعتصم حينما قال له:"إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هنيهة، ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله .... إلخ"(3) وذكر قصة وفد عبد القيس، فكأنه يريد أن يقول: إن هذه المسألة مما ينبغي أن تطوى عن أن يخاض فيها أو تمتحن بها عقائد الناس استنانًا بالسلف.
لكن لما أصبحت تناقش في مجالس العلم ويتناظر الناس في شأنها خاف الإمام أحمد أن يتشوش الأمر على أهل السنة، فقال: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، على أنه روي عن السلف أنهم كانوا يقولون ذلك.
لكن الموضوع لا ينتهي عند هذا الحد، فقد استجر الجدل في هذا الموضوع إلى ضرورة الإجابة عن الأسئلة التالية:
1 -
ما حكم من يعتقد أن القرآن مخلوق، ويخالف الحق في ذلك؟
2 -
ما حكم التلفظ بكلام الله وتلاوته بالألسنة هل هو مخلوق أم لا؟
3 -
هل يجوز وصف القرآن بأنه قديم، باعتبار أنه وصف مناقض لكونه مخلوقًا ومساو لكونه غير مخلوق؟
(1) المناقب ص. 44، السير 11/ 265.
(2)
ابن حنبل، لأبي زهرة ص 152.
(3)
المناقب ص 399.
• فأما اعتقاد أن القرآن مخلوق:
فقد نقل ابن الجوزي (1) من وجوه مختلفة عن الإمام أحمد: أنه استفتي في ذلك فأجاب بأن قائل ذلك كافر. لكن لم يذكره اللالكائي في زمرة من أفتوا بتكفير من قال ذلك، على أنه استوعب عددًا كبيرًا منهم، وعده في جملة من قالوا: لا ينكحون ولا يُصلى خلفهم، ولا تعاد مرضاهم، ولا تشهد جنائزهم، وأن موالاة الإسلام انقطعت بينهم وبين المسلمين (2).
فعلى هذا يكونون عنده معدودين في جملة البتدعة.
والذي يستوي عليه النظر، ويليق بمذهب الإمام أحمد رحمه الله، أنه ممسك عن القول في شيء لم يجد له فيه سلفًا من السنة ومذاهب الصحابة والتابعين، وأنه يكتفي بتقرير: أن كلام الله غير مخلوق دون أن يزيد على ذلك حكمًا بالكفر على من يعتقد خلاف الحق، وإن رسالته إلى المتوكل في هذا الموضوع لتدل على هذا المسلك، فقد جاء في خاتمتها ما يلي:
"وقد روي عن السلف أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو الذي أذهب إليه، لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله، أو في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن أصحابه، أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود"(3).
• وأما حكم التلفظ بكلام الله وتلاوته بالألسنة:
فقد اختلفت الرواية في ذلك عن إمام السنة وترجمة مذهبه: قال ابن قتيبة: واختلفت عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل الروايات، ورأينا كل فريق منهم يدعيه، ويحكي عنه قولًا، فإذا كثر الإختلاف في شيء ووقع التهاتر في الشهادات به، أرجأناه مثل أن ألغيناه.
(1) المناقب ص 201 - 202. وكذلك نقل عنه الآجري في "الشريعة" ص: 80 - 81، واللالكائي في "شرح أصول اعتقار أهل السنة" 1/ 2/ 263، وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" 1/ 342، والذهبي في "تاريخ
الإسلام" (حوادث: 241 هـ - 250 هـ، ص 82)، وغيرهم.
(2)
شرح أصول اعتقاد أهل السنة 1/ 2/ 313 - 321. ت. د. أحمد سعد حمدان، نشر دار طيبة، الرياض.
(3)
وهذه الرسالة رواها أبو نعيم في "الحلية" وعنه نقلها الذهبي في "السير" 11/ 281 - 286، و"تاريخ الإسلام". وقال: فهذه الرسالة إسنادها كالشمس. وقال أيضًا: رواة هذه الرسالة عن أحمد أئمة أثبات.
ومن عجيب ما حكي عنه مما لا يشك فيه أنه كذب عليه، إذ كان موفقا بحمد الله رشيدًا أنه قال: من زعم أن القراءة مخلوقة، فهو جهمي، والجهمي كافر، ومن زعم أنها غير مخلوقة، فهو مبتدع، وكل بدعة ضلالة (1). واستمر في تحقيق المسألة.
ونكتة الأمر أنه قد التبس على الناس كون القرآن غير مخلوق، وكونه حين يتلى بالألسنة لا يتجلى إلا في حروف وأصوات لا يمترى في كونها مخلوقة، فلابد من الذب عن الإمام أحمد رحمه الله فيما نسب إليه من القول: بأن أوعية القرآن العزيز صارت غير مخلوقة بمجرد تجسد القرآن فيها، وذلك كالحروف والأصوات، والحبر والأوراق.
قأل الإمام البخاري في "خلق أفعال العباد"(ص 43):
أما ما احتج به الفريقان لمذهب أحمد ويدعيه كلٌّ لنفسه، فليس بثابت كثيرٌ من أخبارهم، وريما لم يفهموا دقة مذهبه، بل المعروف عن أحمد وأهل العلم: أنَ كلام الله غير مخلوق، وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا الكلام والخوض والتنازع إلّا فيما جاء فيه العلم، وبيَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكر ابن كثير عن البيهقي: أنه لما ترجم عقيدة الإمام أحمد في القرآن أنكر على من يقول: إن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن. قال: وفيما حكى أبو عمارة وأبو جعفر، أخبرنا أحمد -شيخنا- السراج، عن أحمد بن حنبل أنه قال: اللفظ محدث، واستدل بقوله:{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]. قال: فاللفظ كلام الآدميين. وروى غيرهما عن أحمد أنه قال: القرآن كيفما تصرف فيه غير مخلوق، وأما أفعالنا فهي مخلوقة (2).
وقال الذهبي: الذي استقر عليه قول أبي عبد الله: أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع (3). ثم قال:
(1) الإختلاف في اللفظ ص 45، والحكاية المذكورة رواها اللالكائي في شرح السنة (1/ 2/ 355). والحلال في "السنة" ق 194 ب عن ابن زنجوية بإسناد صحيح، وأبو يعلى في "الروايتين والوجهين" ق 252، والطبري في صريح السنة 26.
(2)
البداية والنهابة 14/ 384.
(3)
تاريخ الإسلام: حوادث 241 هـ - 250 هـ، ص 83.
الملفوظ كلام الله، وهو غير مخلوق، والتلفظ مخلوق؛ لأن التلفظ من كسب القارئ، وهو الحركة والصوت وإخراجُ الحروف، فإن ذلك مما أحدثه القارئ، ولم يُحدث حروفَ القرآن ولا معانيه، وانما أحدث نطقه به، فاللفظ قدر مشترك بين هذا وهذا، ولذلك لم يُجوِّز الإمام أحمد: لفظي بالقرآن مخلوق، ولا: غير مخلوق؛ إذ كل واحد من الإطلاقين موهِم. والله أعلم (1).
• وأما وصف القرآن بأنه قديم:
فمن المعلوم أن كلمة "قديم" اصطلاح فني استخدمه علماء الكلام للتعبير عن عدم السابقية أو عدم الأولية، فهم يقولون: الله قديم، على معنى: ليس لأوليته بداية، وأنه تعبير عن معنى قول الله عز وجل:{هُوَ الأَوَّلُ} [الحديد: 2].
ومعلوم أن علم الله عز وجل صفة يصدق عليها هذا الحكم، أعني كون علمه عز وجل قديمًا لأنه صفة لذاته تعالى.
وأما كلام الله عز وجل فإنه قديم أيضًا، إذ لم يزل سبحانه متكلمًا لا أولية لذلك.
وأما القرآن الذي هو كلام الله عز وجل المنزل على قلب نبينا المصطفى محمد عليه الصلاة والسلام، فهل يصدق عليه هذا الوصف باعتبار أنه من ذات الكلام القديم، أو لا يجوز أن يوصف بذلك، نظرًا لما تميز به من النزول والوحي به من السماء وغير ذلك؟.
فالذي ينسجم معه مذهب إمام السنة أن لا يوصف القرآن الكريم بأنه قديم على اعتبار أنه من لازم القول بكونه غير مخلوق، وذلك لأمرين:
الأول: أن السلف وصفوا القرآن بأنه غير مخلوق، ولم يصفوه بأنه قديم، ومذهب الإمام أحمد ينتهي عند السلف، لا يتجاوزهم.
الثاني: أن هذا الإطلاق فلسفي مستحدث عند علماء الكلام، والإمام أحمد لم يكن بالذي يتعاطى الكلام ويتسارع في استخدام مصطلحاته ليستغني بها عما عنده من الأثر الذي لا يحتاج معه إلى غيره.
وفي الختام نقول، كما قال الذهبي رحمه الله:
(1) المصدر السابق: ص 86.
لقد كان هذا الإمام لا يرى الخوض في هذا البحث، خوفًا من أن يُتذرَّع به إلى القول بخلق القرآن، والكف عن هذا أولى. آمنا بالله تعالى، وبملائكته، ويكتبه، ورسله، وأقداره، والبعث، والعرض على الله يوم الدين.
ولو بُسط هذا السطر، وحُرر وقُرر بأدلته لجاء في خمس مجلدات، بل ذلك موجود مشروح لمن رامه، والقرآن فيه شفاء ورحمة للمؤمنين، ومعلوم أن التلفظ شيء من كسب القارئ غير الملفوظ، والقراءة غير الشيء المقروء، والتلاوة وحُسنها وتجويدها غير المتلو، وصوت القارئ من كسبه، فهو يحدث التلفظ والصوت والحركة والنطق وإخراج الكلمات من أدواته المخلوقة، ولم يحدث كلمات القرآن، ولا ترتيبه، ولا تأليفه، ولا معانيه.
فلقد أحسن الإمام أبو عبد الله حيث منع من الخوض في المسألة من الطرفين، إذ كل واحد من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ موهم، ولم يأت به كتاب ولا سنة، بل الذي لا نرتاب فيه: أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. والله أعلم (1).
* * *
(1) السير 11/ 290.