الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دعوى كون الإمام أحمد محدثًا غير فقيهٍ والرَّد عليها:
لم يعتبر ابن جرير الطبري في الخلافيات مذهب ابن حنبل، وكان يقول: إنما هو رجل حديث لا رجل فقه، وامتحن لذلك، وقد أهمل مذهبه كثير ممن صنفوا في الخلافيات، كالطحاوي، والدَّبّوسي، والنسفي في منظومته، والعلاء السمرقندي، والفراهي الحنفي في منظومته ذات العقدين، وكذلك أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي المالكي في كتابه "الدلائل"، والغزالي في "الوجيز"، وأبو البركات النسفي في "الوافي"، ولم يذكره ابن قتيبة في "المعارف"، وذكره المقدسي في "أحسن التقاسيم" في أصحاب الحديث فقط، مع ذكره داودَ الظاهريَّ في الفقهاء، كما لم يذكره ابن عبد البر في كتابه "الإنتقاء". واعتبره كثير من المتقدمين، كالإمام الترمذي في جامعه (1).
ومن العلماء الذين ذكروه في كتب الإختلاف: الإمام أبو عبد الله المروزي في كتابه "اختلاف العلماء"، فهو يذكر الأئمة الأريعة، ومنهم أحمد، ويذكر غيرهم من أصحاب المذاهب والأقوال، وعنايته بقول أحمد ورأيه واستدلاله واضح لمن يتصفح كتابه، وكذلك ذكره الشيرازي في "طبقات الفقهاء".
ودعوى أن أحمد رحمه الله محدث وليس فقيها أثارت كلامًا حول فقه الإمام أحمد ومذهبه، مما جعل بعض العلماء يضعه دون الإمامة في الفقه، ولا يذكر مذهبه ورأيه ضمن مذاهب الفقهاء. وكثيرًا ما يطالع الإنسان الكتب التي تعتني بذكر الخلاف، ومذاهب الأئمة، فلا يرى ذكرًا للإمام أحمد أو الحنابلة.
وقد نقل عن القاضي عياض أنه قال في "المدارك" عن الإمام أحمد: إنه دون الإمامة في الفقه وجودة النظر في مأخذه (2).
(1) الفكر السامي 2/ 25.
(2)
الفكر السامي 2/ 26، ابن حنبل، لأبي زهرة ص 7، و"ترتيب المدارك" 1/ 86 الطبعة المغربية.
هذه خلاصة هذه الدعوى، فما دوافعها وأسبابها؟
والجواب عن ذلك يتلخص في النقط التالية (1):
ا- المعروف أن الإمام أحمد اتجه أول حياته لدراسة الفقه، وتتلمذ على الإمام أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة رحمه الله، ثم انصرف عن هذه الدراسة ولم تعجبه، لأنها تتعلق تعلقًا قويًا بالرأي. وبعد إنقطاعه عنها اتجه إلى الحديث والمحدثين، والتقى بهُشيم بن بشير الواسطي، ثم تابع لقاءاته بالمحدثين، بل إن الروايات تنقل: أنه لم يلتفت إلى المسائل التي حفظها من الإمام أبي يوسف أولاً، بل ركز جهده على الحديث، وقضى جل حياته في جمعه، ومتابعته، والإعتماد عليه، والبعد عن الرأي، وتتبع الأثر ما وجده.
2 -
هذه النزعة والإرتباط بالحديث والمحدثين أضفى عليه رحمه الله صفة المحدث أكثر من أي صفة أخرى، وذمه للرأي والتأويل ومن يعتمد على أقوال الرجال وتفريعاتهم مع إمكانه أخذ الحق من مصدره الأساسي أبعده - في زعم من قال بأنه ليس فقيهًا- عن الفقه والرأي.
فقد ذكر القاضي عياض رحمه الله في الفصل الذي عقده لترجيح مذهب مالك على غيره، ووجوب تقليد المذاهب التي نشأت في العالم الإسلامي واتباعها، وتكلم عن أصحابها، وبين ميزة كل منها، وقال عن أحمد وداود: كما أن أحمد وداود من العارفين بعلم الحديث، ولا تنكر إمامة أحد منهما فيه، لكن لا تسلم لهما الإمامة في الفقه، ولا جودة النظر في مأخذه، ولم يتكلما في نوازل كثيرة كلام غيرهما، وميلهما مع المفهوم من الحديث.
3 -
ثبت عنه في أكثر من موضع أنه كان ينهى أصحابه عن أن يكتبوا عنه شيئًا وخاصة في مسائله وفتاواه، وهذا وارد في أكثر من موضع في ترجمته، وفيما كتب عنه. بل قد صرح في بعض المناسبات أنه لما سمع أحد أصحابه يحدث عنه بالمسائل التي أفتى فيها وينشرها في خراسان، جمع عددًا من أصحابه، وقال: أشهدكم أني رجعت عنها، وكان يكره أن يُتخذ كلامه دينًا وشرعًا (2).
(1) أصول مذهب الإمام أحمد، د. عبد الله التركي، ص: 83 - 88.
(2)
سبقت الإشارة إلى هذه القصة والتعليق عليها في الطور الثالث من حياة الإمام.
4 -
وثبت أيضًا أنه لم يصنف أو يدون شيئًا كبيرًا في الأصول، ولا في الفقه، مع أنه في عصر ازدهر فيه التأليف، ودونت فيه العلوم، وأسست فيه المذاهب، وجل ما ألف في مذهبه، إنما هو من عمل أصحابه الذين جاؤوا من بعده.
فهذه الأمور، وما ماثلها قد تكون هي التي دعت الطبري رحمه الله وغيره إلى اعتبار أحمد محدثًا وليس فقيهًا.
ونحن هنا نورد من الأدلة الواقعية ما يثبت أنه من أعظم الفقهاء، ومن أقواهم في الإستنباط والإجتهاد، وأن مذهبه ليس بعيدًا عن الإجتهاد، خلافاً لما ظن ابن خلدون رحمه الله (1).
وقلة أتباع المذهب ليس مقياسًا في كون المذهب قريبًا من الإجتهاد أو بعيدًا عنه. فانتشار المذاهب وكثرة أتباعها لهما أسباب وظروف ودواعٍ كثيرةٌ غير ذلك.
وفيما يلي بيان أن النقط السابقة ليست داعية إلى اعتبار اللإمام أحمد محدثًا وليس فقيهًا، كما توهم بعضهم، وفيه أدلة واقعية وتاريخية على إثبات فقه اللإمام أحمد وحسن استنباطه:
1 -
لا يُماري أحد في تفوق اللإمام أحمد في الحديث، ونزعته الشديدة للأثر والتمسك به، ولكن ذلك لم يكن سببًا في كونه غير فقيه، فإن الحديث هو أصل الفقه. وتوفر النصوص وأقوال السلف لدى اللإمام أحمد أغناه عن القول في كثير من المسائل بالرأي المجرد، وتطرق الخطأ إلى الرأي المجرد أكثر وأقوى من تطرقه إلى المنقول، وكم من سلف الأمة وعلمائها منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من جعل الحديث أصل فتواه، ومع ذلك يُعد من أعظم الفقهاء، واللإمام مالك رحمه الله ممن اعتمد على النصوص واللآثار واهتم بها، وبنى فقهه عليها.
والأمة كلها متفقة على أن خير مناهج القرون في الإستنباط هو منهاج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان، وهو من الأسس التي بنى أحمد عليها مذهبه. والرجوع إلى أصل الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، والإعتصام بذلك آمن مزلة من
(1) فقد قال في "المقدمة"(2/ 544، الطبعة التونسية 1984): فأما أحمد بن حنبل فمقلدوه قليل لبعد مذهبه عن الإجتهاد وأصالته في معاضدة الرواية والأخبار بعضها ببعض.
الإنسياق في الرأي، والتفريع بموجبه بناء على قواعد. وإن كانت قعدت على أساس من النصوص، إلا أنه قد تفوت من قعّدوها نصوصٌ أخرى، لو اطلعوا عليها ما قالوا بمقتض القواعد.
والخلاصة: أن أحمد إمام في الحديث، وقد اتفق على هذا، ولكن إمامته فيه لا تنفي عنه صفة الفقه، بل فقهه فقه أثر وسنة. وهذه النزعة مما امتاز بها مذهبه، ووضحت في أصوله.
2 -
ذمه للرأي، ولتقليد الرجال، محمول على معارضة النصوص بذلك، كما يتضح عند الكلام على رأيه في القياس، ورأيه في الإجتهاد، وتقديمه النصوص على ذلك كله، وذلك لا يخصه وحده، بل أئمة المذاهب المعتبرة كلهم ينهون عن تقليدهم، ويوجبون عند ظهور الحجة من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب بقولهم عرض الحائط.
3 -
نهيه أصحابَه عن أن يكتبوا عنه مسائله وفتاواه ثابتٌ عنه، ولكن الهدف منه أن لا يشغلهم ويصرفَهم عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته. لأنه رأى بعض الناس صرفتهم خلافات المذاهب، وتقليد الناس عن تعرف الحق من مصدره، وعن النظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو يرى أن مرتبة الرأي تأتي بعد ذلك كله، وعند الضرورة، ومع ذلك فقد ثبت عنه آخر حياته أنه أجاز لأصحابه أن يكتبوا عنه، بعد أن خبر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثق مما يقول، ويعد محاولات أيضًا من أصحابه.
من ذلك ما حدث من عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، وهو من أجلِّ أصحاب الإمام أحمد، ومن أكثرهم ملازمة له، وسؤالاً، ونقلاً لمسائله، قال عن نفسه فيما ذكره أبو بكر الخلال:"صحبت أبا عبد الله على الملازمة من سنة خمس ومئتين إلى سنة سبع وعشرين"(1).
وقال أيضًا: "سألت أبا عبد الله عن مسائل فكتبتها، فقال: أيَّ شيء تكتب يا أبا
(1) الطبقات 1/ 213، 214.
الحسن؟ فلولا الحياءُ منك، ما تركتك تكتبها، وإنه عليَّ لشديد، والحديث أحبُّ إليَّ منها، قلت: إنما تطيب نفسي في الحمل عنك، إنك تعلم أنه منذ مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لزم أصحابَه قوم، ثم لم يزل يكون للرجل أصحاب يلزمونه، ويكتبون، قال: من كتب؟ قلت: أبو هريرة، قال: وكان عبد الله بن عمرو يكتب، ولم أكتب، فحفظ وضيعت، فقال لي: فهذا الحديث، فقلت له: فما المسائل إلا الحديث، ومن الحديث تشتق" (1).
فهذا يدل على أنه أخيرًا لم يُشدد في الكتابة عنه، وقد قال الخلال:"إن عند الميموني من مسائل أبي عبد الله نحو ستةَ عشر جزءًا"(2) وغيره من الأصحاب كتب عن أحمد، حتى لقد روي أنه كان يأمر من يكتب عنه أن يقرأ عليه ليصحح له إن كان فيه خطأ.
ومن ذلك أن إسحاق بن منصور الكوسج،-وهو أحد الأصحاب الذين نقلوا عن أحمد- لما سمع أن أحمد رجع عن بعض المسائل التي كتبها عنه، جاء بها إليه، وقرأها عليه.
قال حسان بن محمد: "سمعت مشايخنا يذكرون أن إسحاق بن منصور بلغه أن أحمدَ ابنَ حنبل رجع عن تلك المسائل التي علقها عنه، قال: فجمع إسحاق بن منصور تلك المسائل في جراب، وحملها على ظهره، وخرج راجلاً إلى بغداد، وهي على ظهره، وعرض خطوط أحمد عليه في كل مسألة استفتاه فيها، فأقر له بها ثانيًا وأعجب بذلك أحمد من شأنه"(3).
والأمثلة والحوادث في ذلك كثيرة من أصحابه رحمه الله، مذكورة في تراجمهم، وما كتب عنهم.
4 -
كونه لم يصنف في الفقه ولا في الأصول، ليس سببًا أيضًا في كونه غير فقيه، فقد كان يكره التصنيف في ذلك، وليس كل أصحاب المذاهب الفقهية مصنفين، والمذهب
(1) المصدر السابق 1/ 214.
(2)
المصدر السابق 1/ 213.
(3)
الطبقات 1/ 114.
يتأسس بطريقة صاحبه في الفتاوي والإستنباط، وقد تقدمت الإشارة إلى أن بعض أصحابه دوّنوا عنه "المسائل"، في حياته، ومنهم من استقصاها بعد مماته، وكانوا يتناقلونها بالسند المتسلسل، ويطبقون فيها ما يطبقونه في الحديث، من اشتراط العدالة والثقة والضبط والحفظ، حتى تصل إلى أحمد، وكون الإمام لم يصنف في الفقه والأصول لا يُؤثر على منزلته الفقهية، ما دامت رواياته وأقواله محفوظة متداولة بين الناس، ولم يتوجه الإنكار إليها ولا الشك فيها من أحد.
قال الشيخ أبو زهرة: "ومهما يُثر من الغبار حول المرويات الفقهيات عن أحمد، فإن الأجيال قد توارثت تلك المجموعة الفقهية المنسوبة إليه، وتدارسها الناس، وتكون من مجموعها الفقه الحنبلي، وضبطت بقواعد جامعة، وتكون منها منطق فقهي على حد تعبير بعض أصحاب أحمد"(1).
(1) ابن حنبل ص 178.