الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرُّكْن الثَّانِي
إِقَامَة الشَّرِيعَة
وَذَلِكَ لِأَن الْمَقْصُود بِالْحلقِ لَيْسَ الدُّنْيَا فَقَط لِأَنَّهَا من حَيْثُ فنائها عَبث وباطل وَهُوَ تَعَالَى يَقُول
{أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا} وَقَالَ تَعَالَى وَمَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلا بل الدّين المفضي بهم إِلَى السَّعَادَة الآخروية وَقَالَ تَعَالَى {وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون} والشرائع هِيَ الْحمالَة لَهُم عَلَيْهِ حَتَّى فِي الْملك الطبيعي لِاجْتِمَاع الْإِنْسَان فَلَا جرم أجرته على نهجه ليمون الْعقل محوطا بنظرها وَأَيْضًا فقد تقدم أَن الْملك الديني مندرج فِي الْخلَافَة الَّتِي هِيَ نِيَابَة عَن الشَّارِع فِي حراسة الدّين وسياسة الدُّنْيَا بِهِ إِذا تقرر هَذَا فَهُنَا لتشييد هَذَا الرُّكْن الْعَظِيم ثَلَاثَة أصُول
الأَصْل الأول فِيمَا يحمل عَن ذَلِك ويرغب فِيهِ وَيَكْفِي من ذَلِك ترغيبان
التَّرْغِيب الأول أَنه دَلِيل أَنه دَلِيل على اسْتِحْقَاق الرياسة بِحَق فقد تقدم أَن من عَلامَة ملكهَا التنافس فِي خلال الْخَيْر وَلَا خير إِلَّا فِي إتباع الشَّرِيعَة كَمَا من هُنَاكَ من أَمْثِلَة وَفِي سياسة أرسطو أَي ملك أخدم ملكة دينية فَهُوَ مُسْتَحقّ فِي الرياسة وَأي ملك جعل دينه خَادِمًا لملكه فَهُوَ مستخف بناموسه وَمن استخف بالناموس قتلة الناموس وَفِي الأفلاطونيات فضل الْمُلُوك على مِقْدَار خدمتهم لشريعتهم ونقصهم على قدر إغفالهم لَهَا
التَّرْغِيب الثَّانِي أَنه الْكَفِيل بإرضاء الْخلق وإنزال الساخط مِنْهُم منزلَة الراضي قَالَ ابْن المقفع الْمُلُوك ثَلَاثَة ملك دين ملك حزم وَملك هوى فَأَما ملك الدّين فَإِنَّهُ إِذا أَقَامَ للرعية دينهم فَكَانَ دينهم هُوَ الَّذِي يعطيهم الَّذِي لَهُم وَيلْحق بهم الَّذِي عَلَيْهِم أرضاهم ذَلِك وَأنزل الساخط مِنْهُم منزلَة الراضي فِي الْإِقْرَار وَالتَّسْلِيم وَأما ملك الحزم فَإِنَّهُ تقوم بِهِ الْأُمُور وَلَا يسلم من الطعْن والسخط وَلنْ يضر طعن الذيل مَعَ حزم القوى وَأما ملك الْهَوَاء فلعب سَاعَة ودمار دهر
تَمْثِيل قَالَ الْحُكَمَاء الْملك بَيت أسه الْإِيمَان وسقفه التَّقْوَى وأركانه الشَّرَائِع وفرشه الْعدْل وأستاره السّير المحمودة فَإِذا قعد فِيهِ الْملك ابتهجت بِهِ الدُّنْيَا وتألفت بِهِ النُّفُوس وعمرت بِهِ الْبِلَاد وَشَمل الصّلاح الْعباد
الأَصْل الثَّانِي فِيمَا يكف عَن الْإِخْلَال بِهِ وَيَكْفِي من ذَلِك أَيْضا ترهيبان
التَّرْهِيب الأول خشيَة سريان الْفساد بِهِ إِلَى سَائِر الطَّبَقَات
قَالَ ابْن المقفع ليعلم الْملك أَن النَّاس على دينه إِلَّا أَنه من لَا يُبَالِي بِهِ
فَلْيَكُن للدّين والمرؤة عِنْده نفاق فسيكيد بذلك الْفُجُور والدناءة فِي آفَاق الأَرْض
التَّرْهِيب الثَّانِي توقع زَوَال الْملك الأموية طبعا وَشرعا فَمن كَلَام أفلاطون إِذا تخلى الْملك عَن الدّين حاربته الشَّرِيعَة بأشخاصها وَلم تمهله إِلَّا بِمِقْدَار مَا يعد ملكا طبيعيا
موعظة يرْوى أَن آخر الْمُلُوك الأموية بالمشرق لما هرب غلى النّوبَة سمع بِهِ ملكهَا فَجَاءَهُ وَقعد على الأَرْض فَقَالَ لَهُ إِلَّا تقعد على فراشنا فَقَالَ لَهُ النوبي لَا قَالَ وَلم قَالَ لِأَنِّي ملك وَحقّ على كل ملك أَن يتواضع لمر الله سُبْحَانَهُ إِذْ رَفعه
ثمَّ قَالَ لَهُ وَلم تشربون الْخمر وَهِي مُحرمَة عَلَيْكُم وَلم تطأون الزَّرْع بدوابكم وَالْفساد محرم عَلَيْكُم وَلم تستعملون الذَّهَب وَالْفِضَّة وتلبسون الديباج وَهُوَ محرم عَلَيْكُم فَقَالَ لَهُ انتصرنا بِقوم من الْأَعَاجِم حِين قل أنصارنا وَلنَا عبيد وَاتِّبَاع فعلوا ذَلِك على كره منا فَأَطْرَقَ النوبي مَلِيًّا ثمَّ قَالَ لَيْسَ كَمَا ذكرت وَلَكِن أتتم قوم استحللتم مَا حرم الله عَلَيْكُم وظلمتم فِيمَا ملكتم فسلتكم الله الْعِزّ بذنوبكم وَالله فِيكُم نقمة لم تبلغ غايتها وأخاف أَن يُصِيبكُم الْعَذَاب وَأَنْتُم ببلدي فيصيبني مَعكُمْ وَإِنَّمَا الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام فتزودوا مَا احتجتم وَانْصَرفُوا عَن بلدي
الأَصْل الثَّالِث فِي كليات مَا تحفظ بِهِ الشَّرِيعَة تشيدا لركن الْملك بِهِ وَهِي الضروريات الْخمس الْمُتَّفق على رعايتها فِي جَمِيع الشَّرَائِع الدّين وَالنَّفس وَالْعقل والنسل وَالْمَال لِأَن مصَالح الدّين وَالدُّنْيَا مَبْنِيَّة على الْمُحَافظَة عَلَيْهَا بِحَيْثُ لَو انخرمت لم يبْق للدنيا وجود من حَيْثُ الْإِنْسَان الْمُكَلف وَلَا