الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْقَاعِدَة الثَّالِثَة
الشجَاعَة
وفيهَا نظران أَحدهمَا بَيَان هَذَا الْوَصْف وَالْآخر فِي تَقْرِير نقيضه وَهُوَ الْجُبْن
النّظر الأول وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى تقدم أَنَّهَا من أُمَّهَات الْفَضَائِل الخلقية قَالَ فِيهَا الطرطوشي هِيَ أم الْخِصَال وينبوع فَضَائِل الْكَمَال
قلت وَقَوْلهمْ أَصْلهَا ثِيَاب الْقلب يرجع إِلَى قَول الْحُكَمَاء منشأها الْقُوَّة الغضبية للنَّفس لِأَن الثَّبَات أثر كَمَال تِلْكَ الْقُوَّة
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة سبق أَيْضا أَن حَقِيقَتهَا هِيَ الْخلق الَّذِي يصدر بِهِ الْفِعْل الْمُتَوَسّط بَين فعلي التهور والجبن فَمَتَى اعتدل بهَا التَّوَسُّط فَهُوَ الشجَاعَة المحمودة وَإِن مَال إِلَى طرف الإفراط فَهُوَ التهور أَو إِلَى طرف التَّفْرِيط فَهُوَ الْجُبْن وَكِلَاهُمَا مَذْمُوم
وَقد قيل
(جرى مثل دلّ السماع مَعَ الحجى
…
عَلَيْهِ على مر الزَّمَان قديم)
(توَسط إِذا مَا شِئْت أمرا
…
فأنما كلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم)
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة مصدر هَذَا الْخلق عَن ثبات الْقلب عِنْد الغلب
قَالَ ابْن قيم الجوزية وَهُوَ يتَوَلَّد من الصَّبْر وَحسن الظَّن فَمَتَى ظن الظفر وساعده الصَّبْر ثَبت
قَالَ والجراءة إقدام سَببه قلَّة المبالاة وَعدم النّظر فِي العواقب أما عَلَيْهِ أَو لَهُ
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ الْعلمَاء من كَمَال ثبات الْقلب أَن بِهِ يتَحَقَّق جَمِيع مطَالب الدّين وَالدُّنْيَا كامتثال الْأَوَامِر وَاجْتنَاب النواهي واكتساب الْفَضَائِل واتقاء الرذائل وَمُخَالفَة الْهوى وَالصَّبْر على إذاء الجليس وجفاء الصاحب وكتمان الْأَسْرَار واقتحام الْأُمُور الصعاب وإمضاء العزائم وَاحْتِمَال المكاره والضحك فِي وُجُوه من تظهر عدواتهم وَلَا كالصدقة كَمَا ورد لَا يخرج الرجل شَيْئا من الصَّدَقَة حَتَّى يفك لحي سبعين شَيْطَانا إِلَى غير ذَلِك من سَائِر مَا يفعل وَيتْرك
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة تقدم أَن الْأَخْلَاق قَابِلَة للتغير بطرِيق الرياضة فالغالب عَلَيْهِ خلق الْجُبْن سَبيله فِي التَّحَوُّل عَنهُ إِلَى خلق الشجَاعَة أَن يكثر من ارْتِكَاب مخوف الْفِعْل تَارَة بعد أُخْرَى حَتَّى يصير لَهُ ذَلِك عَادَة وطبعا وَلَا استبعاد فِي ذَلِك لما يُشَاهد من إِيقَاع اللفة بَين المعتادين من الْحَيَوَان الْعَجم طبعا كالهر والفأر
قَالَ صَاحب مشارع الأشواق قَالَ شاهدت مرَارًا الفأر يركب على الهر وَينزل وَيعود مرَارًا لَا يعدو الهر على الفأر وَلَا ينفر الفأر من الهر وَذَلِكَ بالتعليم والتدريج فِي الْإِقْدَام حَتَّى ينعكس الطَّبْع إِلَى ضِدّه
قَالَ وَالْإِنْسَان أولى بِقبُول التَّعْلِيم وَسُرْعَة التَّحَوُّل فِي الْأَخْلَاق
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة قَالَ الْعلمَاء الرِّجَال فِي الشجَاعَة عِنْد اللِّقَاء ثَلَاثَة أَصْنَاف
أَحدهمَا إِذا التقى الْجَمْعَانِ وتقابلت الأحداق بالأحداق وبرز إِلَى المعترك يحمل ويكر وينادي هَل من مبارز
الثَّانِي إِذا اختلطوا بِحَيْثُ لَا يدْرِي أحد من أَيْن يَأْتِيهِ الْمَوْت يكون رابط الجأش سَاكن الْقلب لَا يخامره الدهش وَلَا تخالطه الْحيرَة
الثَّالِث إِذا أنهزم أَصْحَابه رَجَعَ ضَارِبًا فِي وُجُوه الْعَدو مقويا لقلوب المنهزمين بالْكلَام الْجَمِيل يحمل من وقف ويكشف عَمَّن سقط عَن فرسه وَهُوَ أحمدهم شجاعة
قَالَ الطرطوشي وَلِهَذَا قَالُوا الْمقَاتل وَرَاء الفارين كالمستغفر وَرَاء الغافلين
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة قَالَ صَاحب مشارع الأشواق الشجيع من وهبه الله ملكة يقدر بهَا على قهر أعدى عَدو لَهُ وَهُوَ نَفسه فَمن كَانَ ملكهَا وصرفها حَيْثُ أوجب الشَّرْع إقداما وإحجاما فَذَلِك هُوَ الشجيع إِلَّا من يتصبر فَهُوَ مصر على محَالة مرتكب لهواه وضلالة فِيمَا يُرَاد مِنْهُ ويرام صبور على الشدائد والآلام
قلت كَمَا فِي الْأَخْلَاق فَإِن هَذَا من صِفَات الْحمير والخنازير
قلت هُوَ معنى كَلَام الطرطوشي وَغَيره ولوضوحه سمى جِهَاد النَّفس الْجِهَاد الْأَكْبَر ورد فِي الْأَثر وَهُوَ أصل ظَاهر كَمَا تقرر فِي مَوْضِعه
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قيل كَانَ أَشْجَع النَّاس على الْإِطْلَاق وأقومهم قلبا سيدنَا وَنَبِينَا ومولانا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَقد حضر المواقف الصعبة وفر الْأَبْطَال عَنهُ غير مرّة وَهُوَ ثَابت لَا يبرم مقبل لَا يدبر وَلَا يتزحزح وَمَا شُجَاع إِلَّا وَقد أحصيت لَهُ مرّة غرَّة أَو فَتْرَة سواهُ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ لم يفر قطّ حاشاه من ذَلِك ثمَّ حاشاه قَالَ تَعَالَى وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أحسن النَّاس وَكَانَ أَشْجَع النَّاس الحَدِيث
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف
الشجاع يخْتَار حسن الذّكر على الْبَقَاء والجبان يخْتَار الْبَقَاء على حسن الذّكر
الشجاع يحمي عَمَّن لَا يُنَاسب ويقي مَال الْجَار والرفيق بمهجته والجبان معِين على نَفسه يفر عَن أَبِيه وَأمه وصاحبته وبنيه
قَالَ الشَّاعِر
(يفر جبان الْقَوْم عَن أَمر نَفسه
…
ويحمي شُجَاع الْقَوْم من لَا يُنَاسب)
رب حَيَاة سَببهَا التَّعَرُّض للوفاة سَببهَا طلب الْحَيَاة
ثَمَرَة الشجَاعَة إِلَّا من الْعَدو وَتَأْخِير الْأَجَل حصن الْمُحَارب
من كرم الْكَرِيم الذب عَن الْحَرِيم
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة الحكايات عَن شجعان الْمُلُوك وَغَيرهم وَيَكْفِي من ذَلِك حكايتان
الْحِكَايَة الأولى يرْوى عَن الْهَادِي أَنه خرج يَوْمًا إِلَى الْبُسْتَان لَهُ مَعَ خواصه للفرجة وَهُوَ رَاكب على الْحمار وَكلهمْ بِغَيْر سلَاح فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ أَدخل الْحَاجِب فَقَالَ أمسك فلَان الْخَارِجِي وَهَا هُوَ بِالْبَابِ فَأمر بِدُخُولِهِ وَهُوَ مَحْبُوس بَين حرسين فَلَمَّا دنا من الْهَادِي قعد وَرَاءه وأقلب يَده وَأخذ سيف أحد الحرسين وَضرب أَحدهمَا فَسقط وَقصد الْهَادِي ففر عَنهُ جَمِيع أَصْحَابه وَلم يبْق غَيره وَلَا سلَاح مَعَه وَلَا مَكَان يحميه وَلَا فرس ينجيه فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ رفع يَده ليضربه بِالسَّيْفِ فصاح الْهَادِي وَقَالَ اضْرِب عُنُقه فَالْتَفت الْخَارِجِي لينْظر من وَرَاءه فَوَثَبَ عَلَيْهِ الْهَادِي وأسقطه فِي الأَرْض وَجلسَ على صَدره وَأخذ السَّيْف من يَده وذبحه ثمَّ قَامَ إِلَى دَابَّته فركبها وَعَاد إِلَيْهِ أَصْحَابه خَائِفين وجلين مِنْهُ فَقَالَ لَا بَأْس عَلَيْكُم وَلَا يركب حمارا أبدا وَلَا فَارقه سلَاح وَلَو فِي بَيت الْخَلَاء
الْحِكَايَة الثَّانِيَة قيل كَانَ الْأمين يَوْمًا فِي قصره وَإِذا بأسد قد تفلت من سلسلته وَدخل عَلَيْهِ وَلَيْسَ عِنْده فحيين قَصده أَخذ
وسَادَة فوضعها فِي وَجه الْأسد وَدَار عَلَيْهِ يجره بِذَنبِهِ فَانْقَطع ظهر الْأسد وزاغت أَصَابِع الْأمين عَن أماكنها فردوها إِلَيْهِ
قَالَ صَاحب مشارع الأشواق وأعجب من هَذَا مَا اتّفق لكسرى أنو شرْوَان فَإِنَّهُ اغتنم فيل من فيلاته وَعجز الرياض عَن إِمْسَاكه فهجم على كسْرَى وَهُوَ على سَرِيره ملكه فَلم يبْق أحد الأولى هَارِبا وبقى كسْرَى جَالِسا وَحده وَغُلَامه على رَأسه فهم الْغُلَام أَن يهرب فصاح بِهِ فَثَبت فَلَمَّا أَتَاهُ الْفِيل ودنا من السرير وَمد زلومته لَهما أَمر الْغُلَام أَن يضْربهُ فَضَربهُ فَقطع زلومته فولى الدبر وَلم يتزحزح كسْرَى عَن مَكَانَهُ انْتهى
النّظر الثَّانِي وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى الْجُبْن وَهُوَ ضد الشجَاعَة من حَيْثُ ميله إِلَى طرف التَّفْرِيط فِي خلقهَا الْمُتَوَسّط بَينه وَبَين التهور كَمَا تقدم وذمه ظَاهر من تِلْكَ الْجِهَة ونزيد وضوحا بأمرين
أَحدهمَا أَنه شَرّ خِصَال الرِّجَال فَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم شَرّ مَا فِي الرِّجَال شح هَالِع وَجبن خَالع وَمعنى هَالِع مخزون خَالع أَي لَا ثبات لَهُ
الثَّانِي استعاذة النَّبِي صلى الله عليه وسلم مِنْهُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن انس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ كنت أخدم النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَكنت أسمعهُ يكثر أَن يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْهم والحزن وَالْعجز والكسل وَالْبخل والجبن وضلع الدّين وَغَلَبَة الرِّجَال ضلع الدّين شدته وَثقل حمله
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الْجُبْن يتَوَلَّد من سوء الظَّن وَعدم الصَّبْر فَلَا يظنّ الظفر وَلَا يساعده الصَّبْر ومنشأه من الرئة يزاحمها الْقلب فِي مَكَانَهُ وضيقت عَلَيْهِ حَتَّى أزعجته عَن مستقره وأصابه التزلزل لإزعاج الرئة لَهُ
قَالَ وَلِهَذَا سمي فِي الحَدِيث خالعا لِخَلْعِهِ الْقلب عَن مَكَانَهُ لانتفاخ السحر وَهُوَ الرئة كَمَا قَالَ أَبُو جهل لشيبة بن ربيعَة انتفخ سحرك فَإِذا زلزل الْقلب عَن مَكَانَهُ ضَاعَ تَدْبِير الْعقل وَظهر الْفساد على الْجَوَارِح فَوضعت الْأُمُور على غير موَاضعهَا
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة تقدم أَن من شُرُوط الْإِمَامَة النجدة لِئَلَّا يضعف عَن إِقَامَة الْحُدُود واقتحام الحروب فَمَتَى كَانَ الإِمَام جَبَانًا تحقر لضَعْفه وَنَشَأ عَنهُ مفاسد جملَة كاجتراء عدوه عَلَيْهِ وضياع قدره إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يخفى لوضوحه وَإِذ ذَاك فلابد من ترفع مقَامه عَن الاتصاف بِهَذَا الْخلق الذميم وتحليه بضده اللَّائِق بشريف منصبه ومكين رتبته
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْخلق
الْجُبْن مقتلة والشجاعة وقاية
لَا يقدم الْإِقْدَام أَََجَلًا وَلَا يبلغ الْجُبْن أملا
الفار من الْمَوْت طريدة الْمَوْت واستقبال الْمَوْت خير من استدباره
لكل أحد يَوْمَانِ أَحدهمَا لَا يعجل عَلَيْهِ وَالْآخر لَا يقصر عَنهُ لَا للجبان والفرار