المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الْقَاعِدَة الثَّالِثَة   ‌ ‌الشجَاعَة   وفيهَا نظران أَحدهمَا بَيَان هَذَا الْوَصْف وَالْآخر فِي تَقْرِير - بدائع السلك في طبائع الملك - جـ ١

[ابن الأزرق]

فهرس الكتاب

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌بَدَائِع السلك فِي طبائع الْملك

- ‌الْمُقدمَة الأولى

- ‌الْمُقدمَة الثَّانِيَة

- ‌الْكتاب الأول

- ‌النّظر الأول

- ‌النّظر الثَّانِي

- ‌النّظر الثَّالِث

- ‌الطّرف الأول

- ‌الطّرف الثَّانِي

- ‌الطّرف الثَّالِث

- ‌الْكتاب الثَّانِي

- ‌الرُّكْن الأول

- ‌الرُّكْن الثَّانِي

- ‌الرُّكْن الثَّالِث

- ‌الرُّكْن الرَّابِع

- ‌الرُّكْن الْخَامِس

- ‌الرُّكْن السَّادِس

- ‌الرُّكْن السَّابِع

- ‌الرُّكْن الثَّامِن

- ‌الرُّكْن التَّاسِع

- ‌الرُّكْن الْعَاشِر

- ‌الرُّكْن الْحَادِي عشر

- ‌الرُّكْن الثَّانِي عشر

- ‌الرُّكْن الثَّالِث عشر

- ‌الرُّكْن الرَّابِع عشر

- ‌الرُّكْن الْخَامِس عشر

- ‌الرُّكْن السَّادِس عشر

- ‌الرُّكْن السَّابِع عشر

- ‌الرُّكْن الثَّامِن عشر

- ‌الرُّكْن التَّاسِع عشر

- ‌الرُّكْن الْعشْرُونَ

- ‌الْكتاب الثَّالِث

- ‌الْكتاب الرَّابِع

- ‌الْمُقدمَة الأولى فِي تَقْرِير مَا يوطىء للنَّظَر فِي الْملك عقلا وَفِيه عشرُون سَابِقَة

- ‌السَّابِقَة الأولى

- ‌السَّابِقَة الثَّانِيَة

- ‌السَّابِقَة الثَّالِثَة

- ‌السَّابِقَة الرَّابِعَة

- ‌السَّابِقَة الْخَامِسَة

- ‌السَّابِقَة السَّادِسَة

- ‌السَّابِقَة السَّابِعَة

- ‌برهَان وجود

- ‌السَّابِقَة الثَّامِنَة

- ‌تمهيد قَالَ ابْن خلدون

- ‌السَّابِقَة التَّاسِعَة

- ‌السَّابِقَة الْعَاشِرَة

- ‌السَّابِقَة الْحَادِيَة عشرَة

- ‌بَيَان الأول

- ‌بَيَان ثَانِي

- ‌تَنْبِيه

- ‌السَّابِقَة الثَّانِيَة عشرَة

- ‌السَّابِقَة الثَّالِثَة عشرَة

- ‌تَنْبِيه

- ‌استظهار

- ‌السَّابِقَة الرَّابِعَة عشرَة

- ‌اعْتِبَار بالخليفة

- ‌برهَان وجود

- ‌السَّابِقَة الْخَامِسَة عشرَة

- ‌السَّابِقَة السَّادِسَة عشرَة

- ‌عاطفة اعْتِبَار

- ‌السَّابِقَة السَّابِعَة عشرَة

- ‌السَّابِقَة الثَّامِنَة عشرَة

- ‌اعْتِبَار

- ‌السَّابِقَة التَّاسِعَة عشرَة

- ‌السَّابِقَة الْعشْرُونَ

- ‌الْمُقدمَة الثَّانِيَة

- ‌فِي تمهيد أصُول من الْكَلَام فِي الْملك شرعا

- ‌الْفَاتِحَة الأولى

- ‌الْفَاتِحَة الثَّانِيَة

- ‌الْفَاتِحَة الثَّالِثَة

- ‌الْفَاتِحَة الرَّابِعَة

- ‌الْفَاتِحَة الْخَامِسَة

- ‌الْفَاتِحَة السَّادِسَة

- ‌الْفَاتِحَة السَّابِعَة

- ‌الْفَاتِحَة الثَّامِنَة

- ‌وَقَاعِدَة

- ‌الْفَاتِحَة الْحَادِيَة عشرَة

- ‌الْفَاتِحَة الثَّانِيَة عشرَة

- ‌الْفَاتِحَة الثَّالِثَة عشرَة

- ‌الْفَاتِحَة الرَّابِعَة عشرَة

- ‌الْفَاتِحَة الْخَامِسَة عشرَة

- ‌الْفَاتِحَة السَّادِسَة عشرَة

- ‌الْفَاتِحَة السَّابِعَة عشرَة

- ‌استظهار

- ‌الْفَاتِحَة الثَّامِنَة عشرَة

- ‌تَنْزِيل

- ‌الْفَاتِحَة التَّاسِعَة عشرَة

- ‌الْفَاتِحَة الْعشْرُونَ

- ‌الْكتاب الأول

- ‌فِي حَقِيقَة الْملك والخلافة وَسَائِر أنولع الرياسات وَسبب وجود ذَلِك وَشَرطه

- ‌فِي حَقِيقَة الْملك والخلافة وَسَائِر أَنْوَاع الرياسات

- ‌وَفِيه مسَائِل

- ‌النّظر الأول

- ‌فِي حَقِيقَة الْخلَافَة

- ‌الرياسة الأولى

- ‌رياسة كوهن

- ‌الرياسة الثَّانِيَة

- ‌رياسة البابا

- ‌عاطفة تَكْمِيل

- ‌النَّوْع الثَّانِي

- ‌الرياسة غير الشَّرْعِيَّة

- ‌الطّرف الثَّانِي

- ‌فِي شَرط وجوب الْملك وَهِي

- ‌العصبية أَو مَا يقوم مقَامهَا

- ‌الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّادِسَة

- ‌الْمَسْأَلَة السَّابِعَة

- ‌تَصْدِيق بواقعين

- ‌اعْتِبَار

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة

- ‌بَيَان الْعَكْس

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة

- ‌مزِيد اعْتِبَار

- ‌بَيَان الثَّانِي من وَجْهَيْن

- ‌الْمَسْأَلَة السَّابِعَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة

- ‌الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة عشرَة

- ‌الْمقَام الأول

- ‌الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ

- ‌الطّرف الثَّالِث

- ‌الْفَصْل الأول

- ‌فِي صفة الحروب

- ‌الْفَصْل الثَّانِي

- ‌فِي تعبئة العساكر

- ‌تَنْبِيه

- ‌تَكْمِيل

- ‌الْفَصْل الثَّالِث

- ‌فِي ضرب المصاف وَرَاء العساكر

- ‌الْفَصْل الرَّابِع

- ‌فِي مَكَائِد مَا قبل الْقِتَال وآدابه

- ‌الْفَصْل الْخَامِس

- ‌فِيمَا يخدع بِهِ الْعَدو عِنْد الْقِتَال

- ‌الْفَصْل السَّادِس

- ‌فِي مَكَائِد حِصَار المدن والحصون

- ‌فِي الْأَفْعَال الَّتِي تُقَام بهَا صُورَة الْملك ووجوده

- ‌الرُّكْن الأول

- ‌نصب الْوَزير

- ‌الْمُقدمَة الثَّانِيَة

- ‌الْموضع الأول الْمشرق

- ‌الْموضع الثَّانِي فِي الْمغرب وَذَلِكَ فِي دوَل

- ‌الْمطلب الأول

- ‌فِي شُرُوطه الضرورية والمكملة

- ‌الْمطلب الثَّالِث

- ‌الرُّكْن الثَّانِي

- ‌إِقَامَة الشَّرِيعَة

- ‌تركيب

- ‌تَنْبِيه

- ‌الرُّكْن الثَّالِث

- ‌إعداد الْجند

- ‌الْعِنَايَة الثَّالِثَة

- ‌فِي اخْتِيَار قَائِم الْجند ورئيسه

- ‌الرُّكْن الرَّابِع

- ‌حفظ المَال

- ‌وَفِيه مسَائِل

- ‌الرُّكْن الْخَامِس

- ‌تَكْثِير الْعِمَارَة

- ‌الرُّكْن السَّادِس

- ‌إِقَامَة الْعدْل

- ‌الرُّكْن السَّابِع

- ‌تَوْلِيَة الخطط الدِّينِيَّة

- ‌الخطة الأولى

- ‌إِمَامَة الصَّلَاة

- ‌الخطة الثَّانِيَة

- ‌الْفتيا

- ‌الخطة الثَّالِثَة

- ‌التدريس

- ‌الخطة الرَّابِعَة

- ‌الْقَضَاء

- ‌الخطة الْخَامِسَة

- ‌الْعَدَالَة

- ‌الخطة السَّادِسَة

- ‌الْحِسْبَة

- ‌الخطة السَّابِعَة

- ‌السِّكَّة

- ‌الرُّكْن الثَّامِن

- ‌تَرْتِيب الْمَرَاتِب السُّلْطَانِيَّة

- ‌ الحجابة

- ‌الْمرتبَة الأولى

- ‌الْمَسْأَلَة الأولى

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة

- ‌الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة

- ‌الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة

- ‌نَوَادِر

- ‌الْمرتبَة الثَّانِيَة

- ‌الْكِتَابَة

- ‌الْمَسْأَلَة الأولى

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة

- ‌الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة

- ‌الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة

- ‌الْمرتبَة الثَّالِثَة

- ‌ديوَان الْعَمَل والجباية

- ‌الْمرتبَة الرَّابِعَة

- ‌الشرطة

- ‌الرُّكْن السَّابِع

- ‌رِعَايَة السياسة

- ‌الرُّكْن الْعَاشِر

- ‌وَفِيه مُقَدمَات ومقامات

- ‌الْمقَام الأول

- ‌المستشير

- ‌الْمقَام الثَّانِي

- ‌المستشار

- ‌الْمقَام الثَّالِث

- ‌المستشار فِيهِ

- ‌الْمقَام الرَّابِع

- ‌الرُّكْن الْحَادِي عشر

- ‌بذل النَّصِيحَة

- ‌الرُّكْن الثَّانِي عشر

- ‌إحكام التَّدْبِير

- ‌الرُّكْن الثَّالِث عشر

- ‌تَقْدِيم الْوُلَاة والعمال

- ‌الرُّكْن الرَّابِع عشر

- ‌إتخاذ البطانة وَأهل الْبسَاط

- ‌الرُّكْن الْخَامِس عشر

- ‌تنظيم الْمجْلس وعوائده

- ‌الرُّكْن السَّادِس عشر

- ‌تَقْرِير الظُّهُور والاحتجاب

- ‌وَهُوَ نَوْعَانِ

- ‌النَّوْع الثَّانِي

- ‌الْمَمْنُوع مِنْهُ

- ‌الرُّكْن السَّابِع عشر

- ‌رِعَايَة الْخَاصَّة والبطانة

- ‌الرُّكْن الثَّامِن عشر

- ‌ظُهُور الْعِنَايَة بِمن لَهُ حق أَو فِيهِ مَنْفَعَة

- ‌الصِّنْف الثَّالِث

- ‌الصالحون

- ‌الرُّكْن السَّابِع

- ‌مُكَافَأَة ذَوي السوابق

- ‌الرُّكْن الْعشْرُونَ

- ‌تخليد مفاخر الْملك ومآثره

- ‌الْبَاب الثَّانِي

- ‌فِي الصِّفَات الَّتِي تصدر بهَا تِلْكَ الْأَفْعَال على أفضل نظام

- ‌ الْعقل

- ‌الْقَاعِدَة الأولى

- ‌الْقَاعِدَة الثَّانِيَة

- ‌الْعلم

- ‌الْقَاعِدَة الثَّالِثَة

- ‌الشجَاعَة

- ‌الْقَاعِدَة الرَّابِعَة

- ‌الْعِفَّة

- ‌الْقَاعِدَة الْخَامِسَة

- ‌السخاء والجود

- ‌الْمنْهَج الأول

- ‌الْمِنْهَاج الثَّانِي

- ‌الْقَاعِدَة السَّادِسَة

- ‌الْحلم

- ‌الْقَاعِدَة السَّابِعَة

- ‌الطّرف الثَّانِي

- ‌فِي الْغَضَب

- ‌الْقَاعِدَة الثَّامِنَة

- ‌الْعَفو

- ‌الْقَاعِدَة التَّاسِعَة

- ‌الرِّفْق

- ‌الْقَاعِدَة الْعَاشِرَة

- ‌اللين

- ‌الْقَاعِدَة الثَّانِيَة عشرَة

- ‌الْوَفَاء بالوعد

- ‌الْقَاعِدَة الثَّالِثَة عشرَة

- ‌الصدْق وضده وَهُوَ الْكَذِب

- ‌الْقَاعِدَة الرَّابِعَة عشرَة

- ‌كتم السِّرّ

- ‌الْقَاعِدَة الْخَامِسَة عشرَة

- ‌الحزم

- ‌الْقَاعِدَة السَّادِسَة عشرَة

- ‌الدهاء والتغافل

- ‌النّظر الثَّانِي

- ‌فِي التغافل

- ‌الْقَاعِدَة السَّابِعَة عشرَة

- ‌التَّوَاضُع

- ‌الْمطلب الثَّانِي

- ‌فِي الْكبر

- ‌الْمطلب الثَّانِي

- ‌فِي الْعجب

- ‌الْقَاعِدَة الثَّامِنَة عشرَة

- ‌سَلامَة الصَّدْر من الحقد والحسد

- ‌الطّرف الأول

- ‌فِي الحقد

- ‌الْقَاعِدَة التَّاسِعَة عشرَة

- ‌الصَّبْر

- ‌الْقَاعِدَة الْعشْرُونَ

- ‌الشُّكْر

- ‌النَّوْع الأول

- ‌الْقلب

- ‌النَّوْع الثَّانِي

- ‌اللِّسَان

- ‌النَّوْع الثَّالِث

- ‌الأذنان

- ‌النَّوْع الرَّابِع

- ‌الْبَصَر

- ‌النَّوْع الْخَامِس

- ‌اليدان

- ‌النَّوْع السَّادِس

- ‌الرّجلَانِ

- ‌النَّوْع السَّابِع

- ‌الْفرج

- ‌النَّوْع الثَّامِن

- ‌الْبَطن

الفصل: ‌ ‌الْقَاعِدَة الثَّالِثَة   ‌ ‌الشجَاعَة   وفيهَا نظران أَحدهمَا بَيَان هَذَا الْوَصْف وَالْآخر فِي تَقْرِير

‌الْقَاعِدَة الثَّالِثَة

‌الشجَاعَة

وفيهَا نظران أَحدهمَا بَيَان هَذَا الْوَصْف وَالْآخر فِي تَقْرِير نقيضه وَهُوَ الْجُبْن

النّظر الأول وَفِيه مسَائِل

الْمَسْأَلَة الأولى تقدم أَنَّهَا من أُمَّهَات الْفَضَائِل الخلقية قَالَ فِيهَا الطرطوشي هِيَ أم الْخِصَال وينبوع فَضَائِل الْكَمَال

قلت وَقَوْلهمْ أَصْلهَا ثِيَاب الْقلب يرجع إِلَى قَول الْحُكَمَاء منشأها الْقُوَّة الغضبية للنَّفس لِأَن الثَّبَات أثر كَمَال تِلْكَ الْقُوَّة

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة سبق أَيْضا أَن حَقِيقَتهَا هِيَ الْخلق الَّذِي يصدر بِهِ الْفِعْل الْمُتَوَسّط بَين فعلي التهور والجبن فَمَتَى اعتدل بهَا التَّوَسُّط فَهُوَ الشجَاعَة المحمودة وَإِن مَال إِلَى طرف الإفراط فَهُوَ التهور أَو إِلَى طرف التَّفْرِيط فَهُوَ الْجُبْن وَكِلَاهُمَا مَذْمُوم

وَقد قيل

(جرى مثل دلّ السماع مَعَ الحجى

عَلَيْهِ على مر الزَّمَان قديم)

(توَسط إِذا مَا شِئْت أمرا

فأنما كلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم)

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة مصدر هَذَا الْخلق عَن ثبات الْقلب عِنْد الغلب

قَالَ ابْن قيم الجوزية وَهُوَ يتَوَلَّد من الصَّبْر وَحسن الظَّن فَمَتَى ظن الظفر وساعده الصَّبْر ثَبت

ص: 428

قَالَ والجراءة إقدام سَببه قلَّة المبالاة وَعدم النّظر فِي العواقب أما عَلَيْهِ أَو لَهُ

الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ الْعلمَاء من كَمَال ثبات الْقلب أَن بِهِ يتَحَقَّق جَمِيع مطَالب الدّين وَالدُّنْيَا كامتثال الْأَوَامِر وَاجْتنَاب النواهي واكتساب الْفَضَائِل واتقاء الرذائل وَمُخَالفَة الْهوى وَالصَّبْر على إذاء الجليس وجفاء الصاحب وكتمان الْأَسْرَار واقتحام الْأُمُور الصعاب وإمضاء العزائم وَاحْتِمَال المكاره والضحك فِي وُجُوه من تظهر عدواتهم وَلَا كالصدقة كَمَا ورد لَا يخرج الرجل شَيْئا من الصَّدَقَة حَتَّى يفك لحي سبعين شَيْطَانا إِلَى غير ذَلِك من سَائِر مَا يفعل وَيتْرك

الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة تقدم أَن الْأَخْلَاق قَابِلَة للتغير بطرِيق الرياضة فالغالب عَلَيْهِ خلق الْجُبْن سَبيله فِي التَّحَوُّل عَنهُ إِلَى خلق الشجَاعَة أَن يكثر من ارْتِكَاب مخوف الْفِعْل تَارَة بعد أُخْرَى حَتَّى يصير لَهُ ذَلِك عَادَة وطبعا وَلَا استبعاد فِي ذَلِك لما يُشَاهد من إِيقَاع اللفة بَين المعتادين من الْحَيَوَان الْعَجم طبعا كالهر والفأر

قَالَ صَاحب مشارع الأشواق قَالَ شاهدت مرَارًا الفأر يركب على الهر وَينزل وَيعود مرَارًا لَا يعدو الهر على الفأر وَلَا ينفر الفأر من الهر وَذَلِكَ بالتعليم والتدريج فِي الْإِقْدَام حَتَّى ينعكس الطَّبْع إِلَى ضِدّه

ص: 429

قَالَ وَالْإِنْسَان أولى بِقبُول التَّعْلِيم وَسُرْعَة التَّحَوُّل فِي الْأَخْلَاق

الْمَسْأَلَة السَّادِسَة قَالَ الْعلمَاء الرِّجَال فِي الشجَاعَة عِنْد اللِّقَاء ثَلَاثَة أَصْنَاف

أَحدهمَا إِذا التقى الْجَمْعَانِ وتقابلت الأحداق بالأحداق وبرز إِلَى المعترك يحمل ويكر وينادي هَل من مبارز

الثَّانِي إِذا اختلطوا بِحَيْثُ لَا يدْرِي أحد من أَيْن يَأْتِيهِ الْمَوْت يكون رابط الجأش سَاكن الْقلب لَا يخامره الدهش وَلَا تخالطه الْحيرَة

الثَّالِث إِذا أنهزم أَصْحَابه رَجَعَ ضَارِبًا فِي وُجُوه الْعَدو مقويا لقلوب المنهزمين بالْكلَام الْجَمِيل يحمل من وقف ويكشف عَمَّن سقط عَن فرسه وَهُوَ أحمدهم شجاعة

قَالَ الطرطوشي وَلِهَذَا قَالُوا الْمقَاتل وَرَاء الفارين كالمستغفر وَرَاء الغافلين

الْمَسْأَلَة السَّابِعَة قَالَ صَاحب مشارع الأشواق الشجيع من وهبه الله ملكة يقدر بهَا على قهر أعدى عَدو لَهُ وَهُوَ نَفسه فَمن كَانَ ملكهَا وصرفها حَيْثُ أوجب الشَّرْع إقداما وإحجاما فَذَلِك هُوَ الشجيع إِلَّا من يتصبر فَهُوَ مصر على محَالة مرتكب لهواه وضلالة فِيمَا يُرَاد مِنْهُ ويرام صبور على الشدائد والآلام

قلت كَمَا فِي الْأَخْلَاق فَإِن هَذَا من صِفَات الْحمير والخنازير

ص: 430

قلت هُوَ معنى كَلَام الطرطوشي وَغَيره ولوضوحه سمى جِهَاد النَّفس الْجِهَاد الْأَكْبَر ورد فِي الْأَثر وَهُوَ أصل ظَاهر كَمَا تقرر فِي مَوْضِعه

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قيل كَانَ أَشْجَع النَّاس على الْإِطْلَاق وأقومهم قلبا سيدنَا وَنَبِينَا ومولانا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَقد حضر المواقف الصعبة وفر الْأَبْطَال عَنهُ غير مرّة وَهُوَ ثَابت لَا يبرم مقبل لَا يدبر وَلَا يتزحزح وَمَا شُجَاع إِلَّا وَقد أحصيت لَهُ مرّة غرَّة أَو فَتْرَة سواهُ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ لم يفر قطّ حاشاه من ذَلِك ثمَّ حاشاه قَالَ تَعَالَى وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أحسن النَّاس وَكَانَ أَشْجَع النَّاس الحَدِيث

الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف

الشجاع يخْتَار حسن الذّكر على الْبَقَاء والجبان يخْتَار الْبَقَاء على حسن الذّكر

الشجاع يحمي عَمَّن لَا يُنَاسب ويقي مَال الْجَار والرفيق بمهجته والجبان معِين على نَفسه يفر عَن أَبِيه وَأمه وصاحبته وبنيه

قَالَ الشَّاعِر

(يفر جبان الْقَوْم عَن أَمر نَفسه

ويحمي شُجَاع الْقَوْم من لَا يُنَاسب)

ص: 431

رب حَيَاة سَببهَا التَّعَرُّض للوفاة سَببهَا طلب الْحَيَاة

ثَمَرَة الشجَاعَة إِلَّا من الْعَدو وَتَأْخِير الْأَجَل حصن الْمُحَارب

من كرم الْكَرِيم الذب عَن الْحَرِيم

الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة الحكايات عَن شجعان الْمُلُوك وَغَيرهم وَيَكْفِي من ذَلِك حكايتان

الْحِكَايَة الأولى يرْوى عَن الْهَادِي أَنه خرج يَوْمًا إِلَى الْبُسْتَان لَهُ مَعَ خواصه للفرجة وَهُوَ رَاكب على الْحمار وَكلهمْ بِغَيْر سلَاح فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ أَدخل الْحَاجِب فَقَالَ أمسك فلَان الْخَارِجِي وَهَا هُوَ بِالْبَابِ فَأمر بِدُخُولِهِ وَهُوَ مَحْبُوس بَين حرسين فَلَمَّا دنا من الْهَادِي قعد وَرَاءه وأقلب يَده وَأخذ سيف أحد الحرسين وَضرب أَحدهمَا فَسقط وَقصد الْهَادِي ففر عَنهُ جَمِيع أَصْحَابه وَلم يبْق غَيره وَلَا سلَاح مَعَه وَلَا مَكَان يحميه وَلَا فرس ينجيه فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ رفع يَده ليضربه بِالسَّيْفِ فصاح الْهَادِي وَقَالَ اضْرِب عُنُقه فَالْتَفت الْخَارِجِي لينْظر من وَرَاءه فَوَثَبَ عَلَيْهِ الْهَادِي وأسقطه فِي الأَرْض وَجلسَ على صَدره وَأخذ السَّيْف من يَده وذبحه ثمَّ قَامَ إِلَى دَابَّته فركبها وَعَاد إِلَيْهِ أَصْحَابه خَائِفين وجلين مِنْهُ فَقَالَ لَا بَأْس عَلَيْكُم وَلَا يركب حمارا أبدا وَلَا فَارقه سلَاح وَلَو فِي بَيت الْخَلَاء

الْحِكَايَة الثَّانِيَة قيل كَانَ الْأمين يَوْمًا فِي قصره وَإِذا بأسد قد تفلت من سلسلته وَدخل عَلَيْهِ وَلَيْسَ عِنْده فحيين قَصده أَخذ

ص: 432

وسَادَة فوضعها فِي وَجه الْأسد وَدَار عَلَيْهِ يجره بِذَنبِهِ فَانْقَطع ظهر الْأسد وزاغت أَصَابِع الْأمين عَن أماكنها فردوها إِلَيْهِ

قَالَ صَاحب مشارع الأشواق وأعجب من هَذَا مَا اتّفق لكسرى أنو شرْوَان فَإِنَّهُ اغتنم فيل من فيلاته وَعجز الرياض عَن إِمْسَاكه فهجم على كسْرَى وَهُوَ على سَرِيره ملكه فَلم يبْق أحد الأولى هَارِبا وبقى كسْرَى جَالِسا وَحده وَغُلَامه على رَأسه فهم الْغُلَام أَن يهرب فصاح بِهِ فَثَبت فَلَمَّا أَتَاهُ الْفِيل ودنا من السرير وَمد زلومته لَهما أَمر الْغُلَام أَن يضْربهُ فَضَربهُ فَقطع زلومته فولى الدبر وَلم يتزحزح كسْرَى عَن مَكَانَهُ انْتهى

النّظر الثَّانِي وَفِيه مسَائِل

الْمَسْأَلَة الأولى الْجُبْن وَهُوَ ضد الشجَاعَة من حَيْثُ ميله إِلَى طرف التَّفْرِيط فِي خلقهَا الْمُتَوَسّط بَينه وَبَين التهور كَمَا تقدم وذمه ظَاهر من تِلْكَ الْجِهَة ونزيد وضوحا بأمرين

أَحدهمَا أَنه شَرّ خِصَال الرِّجَال فَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم شَرّ مَا فِي الرِّجَال شح هَالِع وَجبن خَالع وَمعنى هَالِع مخزون خَالع أَي لَا ثبات لَهُ

الثَّانِي استعاذة النَّبِي صلى الله عليه وسلم مِنْهُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن انس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ كنت أخدم النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَكنت أسمعهُ يكثر أَن يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْهم والحزن وَالْعجز والكسل وَالْبخل والجبن وضلع الدّين وَغَلَبَة الرِّجَال ضلع الدّين شدته وَثقل حمله

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الْجُبْن يتَوَلَّد من سوء الظَّن وَعدم الصَّبْر فَلَا يظنّ الظفر وَلَا يساعده الصَّبْر ومنشأه من الرئة يزاحمها الْقلب فِي مَكَانَهُ وضيقت عَلَيْهِ حَتَّى أزعجته عَن مستقره وأصابه التزلزل لإزعاج الرئة لَهُ

ص: 433

قَالَ وَلِهَذَا سمي فِي الحَدِيث خالعا لِخَلْعِهِ الْقلب عَن مَكَانَهُ لانتفاخ السحر وَهُوَ الرئة كَمَا قَالَ أَبُو جهل لشيبة بن ربيعَة انتفخ سحرك فَإِذا زلزل الْقلب عَن مَكَانَهُ ضَاعَ تَدْبِير الْعقل وَظهر الْفساد على الْجَوَارِح فَوضعت الْأُمُور على غير موَاضعهَا

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة تقدم أَن من شُرُوط الْإِمَامَة النجدة لِئَلَّا يضعف عَن إِقَامَة الْحُدُود واقتحام الحروب فَمَتَى كَانَ الإِمَام جَبَانًا تحقر لضَعْفه وَنَشَأ عَنهُ مفاسد جملَة كاجتراء عدوه عَلَيْهِ وضياع قدره إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يخفى لوضوحه وَإِذ ذَاك فلابد من ترفع مقَامه عَن الاتصاف بِهَذَا الْخلق الذميم وتحليه بضده اللَّائِق بشريف منصبه ومكين رتبته

الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْخلق

الْجُبْن مقتلة والشجاعة وقاية

لَا يقدم الْإِقْدَام أَََجَلًا وَلَا يبلغ الْجُبْن أملا

الفار من الْمَوْت طريدة الْمَوْت واستقبال الْمَوْت خير من استدباره

لكل أحد يَوْمَانِ أَحدهمَا لَا يعجل عَلَيْهِ وَالْآخر لَا يقصر عَنهُ لَا للجبان والفرار

ص: 434