الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِلَى بِلَاده أَن يقر النَّاس على مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وأجزل العطايا للْقَاضِي وَصَرفه إِلَى بَلَده مكرما مُعظما وَأَعْطَاهُ فِي جملَة مَا أعطَاهُ مائَة قَرْيَة من قرى جهكان وَهُوَ خَنْدَق جبلين طوله أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ فرسخا يشقه نهر عَظِيم وَذَلِكَ بشيراز
الصِّنْف الثَّالِث
الصالحون
وَمِنْه تَقْرِير الْعِنَايَة أَيْضا بهم مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى وجوب الْعِنَايَة بِهَذَا الصِّنْف الْكَرِيم من صنف الفائدتين السابقتين من الْفَوَائِد الْمُتَقَدّمَة فِي مُوجب الْعِنَايَة بصنف الْعلمَاء لَا يخفى ظُهُوره وَمن الزَّائِد على ذَلِك فائدتين
الْفَائِدَة الأولى أَن برؤيتهم عِنْد قصد الْمُبَالغَة فِي التَّعْظِيم لَهُم تحي الْقُلُوب الْميتَة وتنشرح الصُّدُور الضيقة وتهون الْأُمُور الصعبة
قَالَ ابْن الْحَاج لأَنهم وقُوف على بَاب الْمولى الْكَرِيم فَلَا يرد قاصدهم وَلَا يخيب مجَالِسهمْ وَمن كَانَ كَذَلِك فَيَنْبَغِي الْمُبَادرَة إِلَى رُؤْيَته واغتنام بركته
الْفَائِدَة الثَّانِيَة أَن مبرتهم قد سبق فِي الْكتاب الأول أَنَّهَا من عَلامَة الترشيح لنيل الْملك كَمَا أَن الْإِخْلَال بهَا من مخايل الإدبار والتخلف عَن اسْتِحْقَاق الرِّئَاسَة وخليق بِمَا هُوَ بِهَذِهِ الْمنزلَة أَن يكون من الْأُمَرَاء على مَا هُوَ عَلَيْهِ فهم أَحَق بذلك من سَائِر النَّاس
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من أَنْفَع مصداق الْعِنَايَة بهم ثمرتان
أَحدهمَا سَماع مَا ينفعون بِهِ من وعظ ونصيحة فقد جعل الْغَزالِيّ
من وظائف الْوُلَاة تعطشهم إِلَى نصيحة من يعْتَبر فِي الدّين ونصيحة مواعظ من سلف من الْمَشَايِخ وَأولى عِنْد سماعهَا مِنْهُم شفاها
الثَّانِيَة قبُول شفاعتهم إِذْ لَا يشفع ذُو دين إِلَّا فِي مَحل قبُول الشَّفَاعَة فيتأكد لاكرام الشَّفِيع عَن الِاعْتِذَار مَا لَا يُقيم حجَّة فضلا عَن المواجهة بالمرد من غير إبداء عذر وَسَيَأْتِي فِي قبُول الشَّفَاعَة إِن شَاءَ الله
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من الْمَنْقُول فِي قبُول النصح والشفاعة مِنْهُم حكايتان
الْحِكَايَة الأولى قيل دخل عَطاء بن أبي رَبَاح على عبد الْملك بن مَرْوَان وَهُوَ جَالس على سَرِيره وَحَوله الْأَشْرَاف من كل بطن وَذَلِكَ بِمَكَّة فِي وَقت حجه فِي خِلَافَته فَلَمَّا بصر بِهِ قَامَ إِلَيْهِ وَأَجْلسهُ على سَرِير وَقعد بَين يَدَيْهِ قَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد مَا حَاجَتك قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اتَّقِ الله فِي حرم الله وَحرم رَسُوله فتعاهد بالعمارة وَاتَّقِ الله فِي أَوْلَاد الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فَإنَّك بهم جَلَست هَذَا الْمجْلس وَاتَّقِ الله أهل الثغور فَإِنَّهُم حصن الْمُسلمين وتفقد أُمُور الْمُسلمين فَإنَّك وَحدك مسؤول عَنْهُم وَاتَّقِ الله فِيمَن على بابك فَلَا تغفل عَنْهُم وَلَا تغلق بابك دونهم فَقَالَ لَهُ أفعل ثمَّ أنهض فَقَامَ فَقبض عَلَيْهِ عبد الْملك قَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد إِنَّمَا سألتنا حَاجَة لغيرك وَقد قضيناها فَمَا حَاجَتك قَالَ مَالِي حَاجَة مَخْلُوق ثمَّ خرج فَقَالَ عبد الْملك هَذَا وَأَبِيك الشّرف هَذَا وَأَبِيك الشّرف هَذَا أَبِيك الشّرف
الْحِكَايَة الثَّانِيَة روى ابْن الْحَاج عَن الشَّيْخ أبي الْحسن بن الزيات
رَحمَه الله أَنه خرج إِلَى بستانه ليعْمَل فِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ من عَادَته أَن يخرج إِلَى حَائِطه ليعرق بِيَدِهِ وَإِذا بِبَعْض الظلمَة أَخَذُوهُ مَعَ غَيره فِي السخرية لبستان السُّلْطَان فَمضى مَعَهم وَقعد يعْمل مَعَهم إِلَى أَن جَاءَ الْوَزير وَدخل الْبُسْتَان لينْظر مَا عمل فِيهِ فَإِذا بِهِ وَقعت عينه على الشَّيْخ وَهُوَ يعْمل فطأطأ على قَدَمَيْهِ يقبلهما فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي مَا جَاءَ بك هَاهُنَا فَقَالَ أعوانكم الظلمَة فَقَالَ يَا سَيِّدي عَسى أَنَّك تقيلنا وَتخرج فَأبى فَقَالَ لَهُ وَلم قَالَ هَؤُلَاءِ إخْوَانِي من الْمُسلمين كَيفَ أخرج وهم فِي ظلمكم لَا أفعل ذَلِك فَسَأَلَهُ أَن يخرج بهم فَأبى فَقَالَ وَلم فَقَالَ غَدا يأخذونهم إِن كَانَت لكم بهم حَاجَة فَلم يخرج من هُنَاكَ حَتَّى تَابُوا إِلَى الله تَعَالَى أَن لَا يستعملوا أحدا من الْمُسلمين ظلما
الصِّنْف الرَّابِع أَصْحَاب الْوَفَاء مَعَ ذِي الْيَد السَّابِقَة وَفِي وَجه الْعِنَايَة بهم مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ الجاحظ من أَخْلَاق الْملك إكرام أهل الْوَفَاء وبرهم والثقة بهم والتقدمة لَهُم على الْخَاص وَالْعَام والحاضر والبادي قَالَ وَكَانَت مُلُوك الْأَعَاجِم لَا يمْنَع أحدا شكر من أنعم عَلَيْهِ وَذكر نعْمَته وإحسانه وَإِن كَانَت الشَّرِيعَة قد قبلته وَالْملك قد سخط عَلَيْهِ بل كَانُوا يعْرفُونَ فَضِيلَة من ظهر ذَلِك مِنْهُ ويأمرون بصلته وتعاهده
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة من وُجُوه الصَّوَاب فِيمَا فعلوا من ذَلِك أَمْرَانِ
أَحدهمَا دلَالَة الْوَفَاء مَعَ الْمُدبر على حُصُوله مَعَ الْمقبل من بَاب أولى
قَالَ الْمَنْصُور لاسحاق بن ميلم أفرطت فِي وفائك لبني أُميَّة قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه من قد وفى لمن لَا يُرْجَى كَانَ لمن رجى أوفى
الثَّانِي شَهَادَة الْمُقَابلَة لَهُ بالكرامة على حسن عَاقِبَة التخلق بِهِ وَحمل مَا يصير إِلَيْهِ صَاحبه فَفِيهَا تحضيض عَلَيْهِ وإعلام فَإِن إستحقاق الآثرة بهَا على مِقْدَار الْحَظ مِنْهُ والنصيب
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة كَمَا أكْرمُوا أهل الْوَفَاء ووثقوا بهم فبعكس ذَلِك قابلوا أضدادهم وَمن الْوَجْه فِي ذَلِك أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَن عدم الْوَفَاء مَعَ ذِي الْيَد السَّابِقَة دَلِيل عَدمه مَعَ من سواهُ مَا تقدم فِي التَّمْثِيل إِذا رَأَيْت كَلْبا تبعك وَترك صَاحبه فأرجمه فَإِنَّهُ باركك كَمَا تَركه وَعَن أبي عَمْرو بن الْعلَا إِذا أردْت أَن تعرف مَالك عِنْد صديقك فاعرف مَا كَانَ لصديقه قبلك عِنْده
الثَّانِي أَن فِي إهانتهم المصاعد بِهِ بالعفاف زجرا لأمثالهم عَن سوء الْعَهْد وكفران النِّعْمَة وَإِن عَاد نفع ذَلِك على من عاقبهم عَلَيْهِ
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من المروى فِي الْعَمَل بِمُقْتَضى مَا ذكر كَرَامَة وإهانة حكايتان
الْحِكَايَة الأولى أَن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور وَجه إِلَى رجل من أهل الشَّام من شَيبَان وَكَانَ من بظانة هِشَام فَسَأَلَهُ عَن التَّدْبِير هِشَام فِي بعض حَرْب
الْخَوَارِج فوصف لَهُ الشَّيْخ مَا دبر فَقَالَ يعْمل رحمه الله كَذَا رحمه الله كَذَا فَقَالَ الْمَنْصُور قُم عَلَيْك لعنة الله تطَأ بساطي وتترحم على عدوي فَقَامَ الرجل وَهُوَ يَقُول يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن نعْمَة عَدوك لقلادة فِي عنقِي لَا يتنزعها إِلَّا غاسلي فَقَالَ الْمَنْصُور ارْجع يَا شيخ فَرجع فَقَالَ أشهد أَنَّك نهيض حرَّة وغراس كريم عد إِلَى حَدِيثك فَعَاد الرجل حَدِيثه حَتَّى إِذا فرغ دَعَا لَهُ بِمَال فَأَخذه وَقَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَالِي إِلَيْهِ حَاجَة وَلَقَد مَاتَ عني الَّذِي كنت ذاكره آنِفا فَمَا أحوجني إِلَى الْوُقُوف على بَاب أحد بعده وَلَوْلَا جلالة عز أَمِير الْمُؤمنِينَ وإيثار طَاعَته مَا لَيست لأحد بعده نعْمَة فَقَالَ الْمَنْصُور مت إِذا شِئْت يَا شيخ فتحمد الله أَنْت فَلَو لم يكن لقَوْمك غَيْرك كنت قد أبقيت لَهُم مجدا مخلدا
الْحِكَايَة الثَّانِيَة أَن ازدشير أَقَامَ على حِصَار السُّلْطَان الساطرون أَربع سِنِين وَهُوَ لَا يقدر عَلَيْهِ وَكَانَ للساطرون ابْنة يُقَال لَهَا نضيرة وَكَانَت فِي غَايَة الْجمال فَأَشْرَفت ذَات يَوْم فَأَبْصَرت أزدشير وَكَانَ من أجمل الرِّجَال فهوته فَأرْسلت إِلَيْهِ أَن يَتَزَوَّجهَا وتفتح لَهُ الْحصن واشترطت عَلَيْهِ وَالْتزم لَهَا مَا شرطت ثمَّ دلته على مَا فتح بِهِ الْحصن وَخَرَّبَهُ وأباد أَهله وَسَار بنضيرة وَتَزَوجهَا فَبَيْنَمَا هِيَ نَائِمَة على فراشها لَيْلًا إِذْ جعلت تتقلب وتتململ لَا تنام فَدَعَا لَهَا بالشمع ففتشوا فراشها فَوجدَ عَلَيْهِ ورقة آس فَقَالَ لَهَا أزدشير هَذَا الَّذِي أسهرك قَالَت نعم قَالَ فَمَا كَانَ أَبوك يصنع بك قَالَت كَانَ يفرش لي الديباج ويلبسني الْحَرِير ويطعمني المخ والزبد وَشهد أبكار النَّحْل ويسقيني الْخمر الصافي قَالَ أَفَكَانَ
جَزَاء أَبِيك مَا صنعت بِهِ أَنْت إِلَيّ بذلك أسْرع ثمَّ أَمر بهَا فَربطت قُرُون رَأسهَا بذيل فرس ثمَّ ركض الْفرس حَتَّى قَتلهَا
وجهاء النَّاس وكبراء الْقَبَائِل ولمكان الْعِنَايَة بهم مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى للسُّلْطَان من هَذَا الصِّنْف حاجتان
أَحدهمَا أَن يفْتَقر إِلَيْهِم فِي ظُهُور ملكه أَو مقَامه ولاخفاء أَن الْعِنَايَة بهم إِذْ ذَاك لابد عَنْهَا ضَرُورَة وَقد تقدم برهَان ذَلِك فِيمَا سبق
أَن يسْتَغْنى عَنْهُم اكْتِفَاء بِمَا رسم لَهُ من الْملك وَتمّ لَهُ من أمره والعناية بهم اعْتِبَارهَا من جِهَة مَا هُوَ مكمل لمقاصد الْملك كوقوع الصنيعة فِي محلهَا وجمال الدولة بهَا واستتباع قُلُوب الرّعية بكرامة سادتها إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يخفى على متأمل
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة حَاصِل الْعِنَايَة بهم بعد الْوَفَاء بفوائد الْعَطاء فرضا وإحسانا إِن استوجبوه أَمْرَانِ
أَحدهمَا تَوْلِيَة الْمُسْتَحق مِنْهُم بِحَسب مَا تَقْتَضِيه رتبته وتوجيه السياسة الوقتية وَلَا يخفى صَلَاح ذَلِك خُصُوصا وعموما
الثَّانِي تقريب مَا فَاتَهُ ذَلِك فِي ذَاته عَن صَلَاحِية الْولَايَة أَو لموجب غير ذَلِك يتَرَجَّح اعْتِبَاره وَرُبمَا كَانَ فِي بعض الطَّبَقَات أحظى من الْولَايَة وأشرف مِنْهَا خُصُوصِيَّة وَالنَّظَر السديد كَفِيل بِمَا هُوَ الْمصلحَة من ذَلِك كُله
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من الْإِقْرَار بِحسن السياسة فِي تقريب هَذِه الطَّبَقَة مَا تضمنه تَعْرِيف الْحجَّاج بالسيرة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي زَعمه يرْوى أَن الْوَلِيد كتب إِلَيْهِ أَن يكْتب إِلَيْهِ بسيرته فَكتب إِلَيْهِ إِنِّي أيقظت رَأْيِي وأنمت هواي وأدنيت
السَّيِّد المطاع فِي قومه وَوليت الْحَرْب الحازم فِي أمره وقلدت الْخراج للموفي لأمانته وَقسمت لكل خصم من نَفسِي قسما أعْطِيه حَقًا من نَظَرِي ولطيف عنايتي وصرفت السَّيْف إِلَى العصب الْمُسِيء فخاف المذنب صولة الْعقَاب وَتمسك المحسن بحظه من الثَّوَاب
الصِّنْف السَّادِس الْأَغْنِيَاء من الرعايا ولبيان مَا يخصهم مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى وجوب الاعتناء بِهَذَا الصِّنْف ظَاهر من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن المَال الَّذِي هُوَ عُمْدَة الْملك إِنَّمَا وفوره بِتَعَدُّد مداخله وَمن أعودها بالنفع الجباية وَالْخَرَاج وعَلى مِقْدَار يسَار الْمَأْخُوذ مِنْهُ ذَلِك فيتوفر المَال لَا محَالة فيقوى الْملك وترسخ قَوَاعِده
الثَّانِي أَن من وَرَاء هَذَا الأَصْل الضَّرُورِيّ لاعْتِبَار مكملاته الْمَقْصُودَة مَا هُوَ حقيق بالرغبة وبذل الْجهد فِي تَحْصِيله
فَفِي العهود اليونانية وَاعْلَم أَن يسَار رعيتك وَعظم أخطارها يزِيد فِي مملكتك شرفا وذكرك حمدا وَأَن فاقتهم وذلهم نقص مِنْك وتقصير بك فغلب أليق الْحَالين بمحلك وأحسنهما أثرا فِي جاهك وصيتك
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة رِعَايَة التُّجَّار من هَؤُلَاءِ وخصوصا للمسافرين مِنْهُم كَمَا وَردت الْوَصِيَّة بِهِ مُبين فِيهِ التَّوْجِيه أوضح بَيَان
قَالَ ابْن رضوَان مُلَخصا لما قيل فِي ذَلِك مِمَّا يتَأَكَّد كثيرا الاعتناء بالتجار الضاربين فِي الأَرْض لطلب المكاسب يصونهم من الظُّلم وَلما
فِي ذَلِك من استمالة الْقُلُوب النازحة واستجلاب الذَّخَائِر الخطيرة والأحجار النفيسة والطرف المستحسنة وَالْأَخْبَار الغريبة وَيَأْمُر الْعمَّال بمحايطتهم وَأَن يعرف لكل فضل مِنْهُم فَضله
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من مستحسن المحكى من المبرة بالتجار الغرباء سفرا وَإِقَامَة سيرتان
السِّيرَة الأولى قَالَ ابْن رضوَان أخبر الثقاة أَن بِلَاد الصين من آمن الْبِلَاد وأحسنها حَالا للمسافرين فَإِن الْإِنْسَان يُسَافر بهَا مُنْفَردا وَتَكون مَعَه الْأَمْوَال الطائلة فَلَا يخَاف عَلَيْهَا وترتيب ذَلِك أَن لَهُم فِي كل منزل ببلادهم فندقا عَلَيْهِ حَاكم يسكن فِيهِ فِي جمَاعَة من الفرسان وَالرِّجَال فَإِذا كَانَ بعد الْمغرب أَو الْعشَاء الْآخِرَة جَاءَ الْحَاكِم إِلَى الفندق وَمَعَهُ كَاتب فَيكْتب أَسمَاء جَمِيع من يبيت بِهِ من الْمُسَافِرين وَيخْتم عَلَيْهِ ويغلق بَاب الفندق عَلَيْهِم فَإِذا كَانَ بعد الصُّبْح جَاءَ وَمَعَهُ كَاتبه فَدَعَا كل إِنْسَان باسمه وَكتب بذلك تَفْسِير وَبعث مَعَهم من يوصلهم إِلَى الْمنزل التَّالِي لَهُ ويأتيه بَرَاءَة من حاكمه أَن الْجَمِيع قد وصلوا إِلَيْهِ وَإِن لم يفعل طُولِبَ بهم وَهَكَذَا الْعَمَل فِي كل منزل من بِلَاد الصين وَفِي هَذِه الفنادق جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ المسافرون من الأزواد وخصوصا الدَّجَاج والإوز وَأما الْغنم فَهِيَ قَليلَة عِنْدهم
السِّيرَة الثَّانِيَة قَالَ وَمن عَادَتهم منع التُّجَّار عَن الْفساد وَإِذا قدم التَّاجِر الْمُسلم على بلد من بِلَاد الصين خير فِي النُّزُول عِنْد تَاجر من الْمُسلمين المستوطنين مَعَهم أَو فِي الفندق فَإِن أحب النُّزُول عِنْد التَّاجِر
الْمُسلم أحصى مَاله وَضَمنَهُ التَّاجِر المستوطن وَأنْفق عَلَيْهِ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا أَرَادَ السّفر بحث عَن مَاله فَإِن وجد شَيْئا مِنْهُ قد ضَاعَ غرمه التَّاجِر المستوطن الَّذِي ضمنه وَإِن أَرَادَ النُّزُول بالفندق سلم مَاله لصَاحب الفندق وَهُوَ يَشْتَرِي لَهُ مَا أحب ويحاسبه فَإِن أَرَادَ التَّسَرِّي اشْترى لَهُ جَارِيَة وَأَسْكَنَهُ بدار يكون بهَا فِي الفندق وَأنْفق عَلَيْهِمَا
والجواري رخيصات الْأَثْمَان لِأَن أهل الصين أَجْمَعِينَ يبيعون أَوْلَادهم وبناتهم وَلَيْسَ ذَلِك عَيْبا عِنْدهم غير أَنهم لَا يجبرون على السّفر مَعَ مشتريهم وَلَا يمْنَعُونَ أَيْضا مِنْهُ من اخْتَارَهُ وَكَذَلِكَ إِن أَرَادَ التَّزْوِيج تزوج وَأما إِنْفَاق مَالهم فِي الْفساد فشيء لَا سَبِيل لَهُم إِلَيْهِ وَيَقُولُونَ لَا يسمع أَنهم يخسرون أَمْوَالهم فِي بِلَادنَا وَهِي أَرض فَسَاد وجمال فائق
مُبَالغَة الْكِرَام قَالَ كَانَ من عَادَة ملك الْهِنْد السُّلْطَان أبي الْمُجَاهِد مُحَمَّد شاه إكرام الغرباء ومحبتهم وتخصيصهم بالولايات والمراتب