الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ابْن عَوْف فَانْطَلق حمدَان وَقَالَ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف البشري فَقَالَ عبد الرَّحْمَن وَلَك الْبُشْرَى مَاذَا فَأخْبرهُ حمدَان الْخَبَر فَانْطَلق عبد الرَّحْمَن وَأخْبر عُثْمَان بذلك فَقَالَ عُثْمَان رضي الله عنه عَسى الله أَن شفاني لَا يكاتبني حمدَان أبدا ونفاه إِلَى الْبَصْرَة فَلم يزل بهَا حَتَّى قتل
الْقَاعِدَة الْخَامِسَة عشرَة
الحزم
وفيهَا مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى قَالَ ابْن قيم الجوزية لَفْظَة الحزم تدل على الْقُوَّة والاجتماع وَمِنْه حزمة الْحَطب فالحازم هُوَ الَّذِي اجْتمعت لَهُ سور أمره وَعرف خير الخيرين وَشر الشريرين فأحجم فِي مَوضِع الإحجام رَأيا وعقلا لَا جبنا وضعفا
قلت وَإِلَى ذَلِك يرجع قَول الْمرَادِي الحزم هُوَ النّظر فِي الْأُمُور قبل نُزُولهَا وتوقي المهالك قبل الْوُقُوع فِيهَا وتدبير الْأُمُور على أحسن مَا تكون من وجوهها
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَالَ بعض الْعلمَاء يجب على الحازم استفراغ الوسع وإعمال الإجتهاد فِي أَسبَاب الْفَائِدَة والخلاص فَإِن غلبت الأقدار كَانَ بذلك مَعْذُورًا وَكَانَ قلبه مستريحا وَغير عَجِيب أَن يغلب الله سُبْحَانَهُ مخلوقاته وَأَن يتَصَرَّف كَمَا يجب فِي مصنوعاته وَلَيْسَ نُفُوذ الأقدار مِمَّا يَقُود الْعَاقِل إِلَى تَضْييع الحزم وَذَلِكَ من خلائق الْجُهَّال
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من الْفَوَائِد المرغبة للعقلاء فِي الْأَخْذ بِهِ وخصوصا الْمُلُوك أُمُور
أَحدهمَا ملك الرّعية بِهِ قبل أَن تملك راعيها إِذا فرط فِيهِ قد قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان لِابْنِهِ الْوَلِيد وَكَانَ ولي عَهده يَا بني اعْلَم أَن لَيْسَ بَين السُّلْطَان وَبَين أَن يملك الرّعية أَو تملكه الرّعية إِلَّا حزم أَو توان
الثَّانِي انتهاز الفرصة لأوّل أَحْكَامهَا فَعَن عَليّ رضي الله عنه انتهزوا هَذِه الفرص فَإِنَّهَا تمر مر السَّحَاب وَلَا تَطْلُبُوا أثرا بعد عين وَعَن بعض الْحُكَمَاء بَادر الفرصة قبل أَن تصير غُصَّة
الثَّالِث التحفظ بِهِ من الخديعة قَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة مَا رَأَيْت أحدا أحزم من عمر كَانَ لَهُ وَالله فضل يمنعهُ أَن يخدع وعقل بِمَنْعه أَن يخدع
قلت وَكَذَا قَالَ رضي الله عنه لست بخب وَلَا الخب يخدعني
الرَّابِع حُصُول الظفر بِهِ مَتى ساعد الْقدر قيل للمهلب بِمَا ظَفرت قَالَ بِطَاعَة الحزم ومعصية الْهوى
الْخَامِس سَلامَة من النَّدَم عِنْد الْوُقُوع بعده فِيمَا يكره قَالَ مسلمة بن عبد الْملك مَا مدحت أَو شكرت نَفسِي على ظفر ابتدأته بعجز وَلَا ذممتها على مَكْرُوه ابتدأته بحزم
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ الْحُكَمَاء الْمُلُوك ثَلَاثَة حازمان وعاجز
أَولهمَا وهم أحد الحازمين الَّذِي ينظر فِي الْأُمُور قبل نُزُولهَا فيجتلب خَيرهَا ويتجنب شَرها كالماهر فِي الشطرنج يرى الْحَرَكَة الردية قبل وصولها إِلَيْهِ فيلجأ ملاعبه إِلَى اللّعب بهَا
ثَانِيهَا وَهُوَ الحازم الثَّانِي الَّذِي لَا يُدِير الْأُمُور حَتَّى تحل بِهِ وَإِذ ذَاك يتعرف وَجه التَّخَلُّص مِنْهَا وَهُوَ دون الأول وَأدنى مِنْهُ إِلَى التَّغْرِير فِيمَا يَقع فِيهَا لِغَفْلَتِه وتوانه عَن أَمر يتَعَذَّر فِيهِ الْخَلَاص مِنْهُ على ذَوي الْحِيلَة والإجتهاد
ثَالِثهَا وَهُوَ الْعَاجِز المتواني الَّذِي لَا يزَال فِي لبس من أمره وَعجز عَن إِصْلَاحه حَتَّى يَقُود ذَلِك إِلَى الخسران
تَمْثِيل قَالُوا وَمِثَال الثَّلَاثَة أَن صيادين أَتَيَا أجمة فِيهَا سمكات ثَلَاث فَقَالَ لصَاحبه عد بِنَا إِلَى هَذِه الأجمة بعد فراغنا من الصَّيْد لنصيد مَا فِيهِ فَأَما أحزم السمكات فَخرجت من منفذ المَاء إِلَى الْبَحْر فأمنت وَأما الَّتِي تَلِيهَا فِي الحزم فَمَكثت حَتَّى جَاءَ الصياد فسد المنفذ فأيقنت بِالْهَلَاكِ فاحتاجت إِلَى الْحِيلَة فتماوتت وطفت فَوق المَاء فَأَخذهَا الصياد فطرحها غير بعيدَة من الْبَحْر تَجِيء وَتذهب حَتَّى صيدت
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة من مهمات الحزم أُمُور
أَحدهمَا إساءة الظَّن حَيْثُ يُؤَدِّي إِلَى مفْسدَة راجحة على مصلحَة فقد ورد الحزم سوء الظَّن وَفِي الحَدِيث احترسوا من النَّاس بِسوء الظَّن فَإِن رجحت مصلحَة كَانَت هِيَ مفْسدَة فِي النَّهْي عَن هَذِه الْإِسَاءَة قَالَ تَعَالَى {اجتنبوا كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم}
وَفِي الصَّحِيح إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث
الثَّانِي الاحتراس من المكايد الْمَقْصُود مِنْهَا إغراء السُّلْطَان بِغَلَبَة خواصه قيل فكثيرا مَا بلغ ضررها الأبرياء وَعدم بهَا الْمُلُوك أهل الْجد فِي خدمتهم وفارقوا أحب خواصهم
الثَّالِث الْمُبَادرَة بِإِقَامَة الْأَعْمَال الْحَاضِرَة والوظائف الوقتية فقد قَالَ عمر رضي الله عنه لَا تُؤخر عمل يَوْمك لغدك وَفِي محَاسِن البلاغة يَنْبَغِي للسُّلْطَان أَن يُعْطي لكل يَوْم وَأَن تصدر فِيهِ أردته فَإِن لكل يَوْم مَا فِيهِ وَلَعَلَّ يحدث حَادث
الرَّابِع معرفَة غَايَة الْأُمُور قبل الدُّخُول فِيهَا قَالُوا من ألزم أَن لَا يدْخل فِي أَمر حَتَّى يعرف مُنْتَهى أَحْوَاله فَإِن توقفك فِيهِ قبل فعله هُوَ الحذر الْمَحْمُود ورجوعك عَنهُ بعد التَّلَبُّس بِهِ لاضطرابك فِيهِ هُوَ الحذر المذموم
الْخَامِس توقي استحقار مَا توهم صَغِيرا قَالُوا لَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يستصغر شَيْئا من الْخَطَأ فَإِنَّهُ مَتى استحقر الصَّغِير يُوشك أَن يَقع فِي الْكَبِير فقد رَأينَا الْملك يُؤْتِي من الْعَدو المحتقر ورأينا الصِّحَّة تؤتي من الدَّاء الْيَسِير ورأينا الْأَنْهَار تنفتق من الجداول الصغار
قلت وَأولى إِذا كَانَ الصَّغِير قَابلا للزِّيَادَة وَهُوَ
السَّادِس فِي العهود اليونانية وَلَا تحقرن صَغِيرا من الْفساد إِذا كَانَ مُحْتملا للزِّيَادَة وعاجلة قبل وشوجه وبسوقه ثمَّ ذكر من ذَلِك حبس أَلْسِنَة الْجنُود عَن الْوُقُوع فِي السُّلْطَان بالتوعد عَلَيْهِ قَالَ فَإِن سوء الطَّاعَة تظهر أملا فِي الْأَعْين ثمَّ فِي الْأَلْسِنَة ثمَّ فِي تَحْرِيك الْأَيْدِي بالمجاهرة
السَّابِع منع التعادي فِي أهل المملكة فَفِيهَا وَاعْلَم أَن أضرّ مَا بليت بِهِ فِي بلد من الْبلدَانِ وُقُوع الْعَدَاوَة وافتراق أَهله
وتحازب بَعضهم على بعض فَإِن هَذَا يقوم مقَام مَا يظْهر من الْعِلَل فِي عُضْو من الْأَعْضَاء فيتراقى إِلَى ذَلِك الْعُضْو وَرُبمَا تعدى إِلَى غير ذَلِك الْعُضْو وَرُبمَا تعدى إِلَى سَائِر الْجَسَد فتتبع مَا ظهر من هَذَا فِي الْبلدَانِ واسأل عَن السَّبَب فِيهِ كَمَا يسْأَل المتطبب الحاذق عَن أَسبَاب الْعلَّة وَلَا تدع فِيهِ بَقِيَّة مِنْهُ فَإنَّك تجمع بِهَذَا بعد زَوَال مَا كرهته وَخَوف النَّاس من إيقاعك وَشدَّة بأسك معاودة مثله
الثَّامِن فِي إهمال مَا يغتنم فِيهِ من فَوَائِد الدّين وَالدُّنْيَا وَمن أَحْمد الْأُمُور أَن تقدم الِاحْتِيَاط فِي إِنْفَاق سَاعَات زَمَانك أَكثر من تقديمك الِاحْتِيَاط فِي إِنْفَاق مَالك لِأَن الَّذِي يُحْصى من المَال قد يسْتَخْلف وَمَا يمض من الزَّمَان لَا يرجع
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة الحزم يُنَافِي الِاعْتِمَاد على البخت لما فِيهِ من الْمَفَاسِد الْعِظَام وَهِي جملَة
الْمفْسدَة الأولى وَاعْتِبَار مَا لَا يعرف سَببه فَفِي إِلَى البخت إِلَّا إِن صَاحبه يضيع ثمار الرَّأْي مَالا يرى غرسه وَلم يعرف طَرِيقه
الْمفْسدَة الثَّانِيَة وَمِمَّا كَانَ يتدارسه الْأَوَائِل قَالُوا مَا أعْطى البخت شَيْئا إِلَّا وسلبه من حسن الاستعداد أَكثر مِنْهُ قَالَ فِي العهود فأحكم الْأَعْمَال بِحسن الروية واستدع التَّوْفِيق بجميل النِّيَّة
الْمفْسدَة الثَّالِثَة عدم رضَا الْمَغْرُور بِهِ إِلَّا بِمن هُوَ مثله فِي ذَلِك حَتَّى
يتضاعف الشَّرّ ويتفاقم الْمَحْذُور قَالَ أفلاطون شَرّ مَا يَقع لمن اصطنعه البخت من الْوُلَاة أَلا يرضى من أَصْحَابه إِلَّا بذوي البخوت وَلِهَذَا تفْسد الصناعات وتستهان مَعَه نواميسها وتنسى صُورَة الْعدْل من الْأَشْيَاء ويظن الْوَالِي أَن هَذَا يَدُوم حَتَّى يهجم بِهِ على نِهَايَة الْمَكْرُوه
الْمفْسدَة الرَّابِعَة إفضاؤه فِي جملَة مَا هُوَ مثله فِي التَّفْرِيط إِلَى خراب الدول بآخرة قَالَ أَيْضا الإفراطات فِي الدول مبادئ الْفساد فَإِذا انضاف إِلَيْهَا إِيثَار الرَّاحَة والاستهانة بمشورة ذَوي التجارب والاتكال على البخت لم تلبث
الْمفْسدَة الْخَامِسَة مَجِيء المكاره بِهِ من حَيْثُ لَا يشْعر بهَا حَتَّى يتعجب من ذَلِك كَمَا يتعجب من المساعدة بِهِ أَيَّام اطراده
قَالَ أَيْضا كَمَا أَن مساعدة البخت تحير الْعُقُول فِي أحسن مواتاة الْأُمُور للمبخوت ومجيئها من حَيْثُ لَا يظنّ فَكَذَلِك انْصِرَافه يحيرها فِي بخت المكاره لَهُ ومجيئها من حَيْثُ لم يحْتَسب
قلت وَهُوَ من شَوَاهِد ضعف الْإِنْسَان وقهره لمجارى الْقدر عَلَيْهِ من حَيْثُ لَا يشْعر محبوبا ومكروها وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ فِي مَوضِع آخر
فَائِدَة فِي تَنْبِيه مُوجب الِاعْتِمَاد على البخت ضعف النَّفس عَن الْوَفَاء بمؤونة الحزم
قَالَ أَيْضا إِذا قويت نفس الْإِنْسَان انْقَطع إِلَى الرَّأْي وَإِذا ضعفت انْتقل إِلَى البخت
قلت ولابد فِي الِانْقِطَاع إِلَى الرَّأْي وَعند كَمَال قُوَّة النَّفس من مُلَاحظَة أَن الْمُقدر من البخت هُوَ الْكَائِن
فَمن كَلَامه أَيْضا إِذا ضعفت النَّفس أطاعت الِاتِّفَاق وَإِذا قويت انْقَطَعت إِلَى الإعتماد
قَالَ والمعمول فِي هَذَا أَن يكون الِاعْتِمَاد للْعَمَل والاتفاق فِي الْعلم
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من الْكَلِمَات الْحكمِيَّة فِي هَذَا الْوَصْف
الحزم أنفس الحظوظ
رب رَأْي أَنْفَع من مَال
من لم يقدمهُ الحزم أَخّرهُ الْعَجز
رو تحزم فَإِذا استوضحت فاعزم
من نظر فِي أَحْوَاله وحزم فِي أَفعاله وأقسط فِي أَحْكَامه واقتصد فِي وفوره وإعدامه فقد أعْطى الْخَيْر بِتَمَامِهِ
الحزم يُوجب السرُور والتغرير يُوجب لندامة وإصابة التَّدْبِير يُوجب بَقَاء النِّعْمَة
من لم يتَأَمَّل بِعَين عقله لم يَقع سيف جَهله إِلَّا على مَقْتَله
كثير من الحذر قد يكون عونا على صَاحبه مشعرأ بِمَا يخفيه فِي قلبه فَيجب على الْعَاقِل أَن لَا يَأْتِي من ذَلِك إِلَّا مَا ينكتم لَهُ وَلَا يتفطن لَهُ أحد
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة من الْمَنْقُول فِي تَضْييع الحزم حكايتان يعْتَبر بهما
الْحِكَايَة الأولى فِي تضييعه باستحقار الْأُمُور يرْوى أَنه لما أحيط بِمَرْوَان الجمدي آخر مُلُوك بني أُميَّة قَالَ يَا لهفاه على دولة مَا نصرت وكف مَا ظَفرت ونعمة مَا شكرت فَقَالَ لَهُ أحد خُدَّامه من أغفل الصَّغِير حَتَّى يكبر والقليل حَتَّى يكثر والخفي حَتَّى يظْهر أَصَابَهُ مثل هَذَا
الْحِكَايَة الثَّانِيَة فِي تضييعه بِالدُّخُولِ فِيمَا لم يعرف غَايَة أمره مَا ذكر عَن الرشيد أَنه بعث بعد الْقَبْض على البرامكة إِلَى يحي بن خَالِد وَهُوَ