الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مفهوم عبارة: نتعاون
فيما اتفقنا عليه
…
السائل: مفهوم هذه العبارة المفهوم الصحيح: «نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه» .
الشيخ: نعم هذه عبارة يرددها بعض الدعاة الإسلاميين، الذي نرى نحن أنهم دعاة إسلاميون عامة، إسلامًا عامًا، أما الدعاة إلى إسلام مرجعه الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، فنحن لانعلم جماعةً تقومُ بهذه الدعوة الحق، إلا الذين يعلنون على أنفسهم إنهم من أهل الحديث، أو أنهم من أنصار السنة، أو أنهم أتباع السلف الصالح. أما الجماعات الآخرى فلا يعلنونها، وإن كانوا يكتفون بقولهم: نحن معكم على الكتاب والسنة، ولكنها كلمة يقولونها، لا يستطيعون تطبيقها بحذافيرها، لأنهم لم يعنوا بدراسة الشريعة على ضوء الكتاب والسنة إلا بقدر يسير، فهم يقولون: نتعاون على ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، هذا الكلام كما يقال له محل من الإعراب، إذا وضع له قيد وهو أما الفقرة الأولى فلا إشكال فيها: نتعاون على ما اتفقنا عليه، إنما النظر في الفقرة الثانية: ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه هذه الجملة الثانية معقولة فيما إذا وضعنا لها قيد ألا وهو: يعذر بعضنا بعضًا بعد القيام بواجب التناصح: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة» قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولأئمة المسلمين ولعامتهم» .
فإذا رأينا أنفسنا مختلفين، حتى في أصل التوحيد ألا وهي شهادة أن لاإله إلا الله، فلا ينبغي أن ندع الاختلاف كما هو بدعوى: يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، وإنما علينا أن نتحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى عليه وآله وسلم، وأن نتقارب ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ولا يمكن إقرار الاختلاف وبخاصة فيما يتعلق بالعقيدة، فالعقيدة لا تقبل اختلاف، بخلاف المسائل التي يسمونها بالمسائل الفرعية، فالمسائل الفرعية يمكن أن يقع فيها اختلاف، ومع ذلك فيجب التناصح، فإذا تناصحوا، ثمّ بقي كل من المتناصحين، على رأيه السابق، فهنا نقولُ: يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه. أما أن نبقي الخلاف والاختلاف على ما هو عليه بدعوى: أنه لازم يعذر بعضنا بعضًا، ثم لا نسعى لإماتة هذا الإختلاف، بقدر ما نستطيع، فهذا ينافي الآيات والأحاديث التي تأمر بتوحيد الصف، ومن أعظم مايؤكد وحدة الكلمة ووحدة الصف هو كما قال تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59].
نحن نعلم أن الذين يقولون هذه الكلمة يجعلون الخلاف شريعةً، وأنه لابد منه، ونحن نخالفهم في هذا أشد الاختلاف، ونقول علينا التحاكم دائمًا وأبدًا إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن بقي شي من الاختلاف، فلا ينبغي أن يفرقنا، وأن يتدابر المسلمون بعضهم عن بعض، ولنا في هذه النقطة بخاصة، أسوة بأصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنهم كانوا يصدعون بالحق، ولا يقولون إذا وجدوا الخليفة نفسه، خالف في حكم لا يسكتون عنه، بل ينكرونه ولكن إذا أصر على رأيه، ما يخرجون عليه، ولا يعادونه، وإنما يردون سائلين معه، يأمرهم بالجهاد، يقاتلون في سبيل الله جميعًا، مع أنهم لا يزالون على شيء من الاختلاف، من الأمثلة المعروفة في
ذلك - ويكاد الوقت ينتهي- أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قد نهى الناس عن العمرة في الحج، وله في ذلك رأي معروف، يسوغ له أن يفعل ذلك، ولكنّ الصحابة الآخرين خالفوه في ذلك، وإن كان رأيه قد انتقل بعده إلى الخليفة الذي جاء على إثره وهو عثمان بن عفان رضي الله عنه، ومع ذلك فنجد عليًا كما في صحيح مسلم يأتي عثمان بن عفان فيقول له: مالك تنهى الناس عن التمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: دعني عنك - لم يجد له حجة - فقال: دعني منك أو عنك فقال: لن أدعك، لبيك اللهم بعمرة وحجٍ، فجابهه بالسنة التي عرفها من الرسول عليه السلام، لأن عليًا لما حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع كان في اليمن، طبعًا وصلته الأخبار بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستعد للحج إلى بيت الله الحرام، فخرج عليًا من اليمن حاجًا، ولما التقى مع الرسول عليه السلام في مكة، قال له: بما أهللتَ؟ قال بما أهلّ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
أي كان حجه مطلقًا، لم يقل لبيك اللهم بحجٍ أو لبيك اللهم بحجٍ وعمرةٍ، أو لبيك اللهم بعمرة أي بتمتع، وإنما قال: لبيك اللهم بحجة كحجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال:«فإني قد قرنت» فعلي رضي الله عنه يعرف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان قارناً.
فحينما ينهى خليفة راشد كعثمان عن قرن العمرة بالحج، يجابهه ويخالفه، ويقول لبيك اللهم بعمرة وحج، ومع ذلك فلا يوجد بينهم شي من التنافر والتباغض، بل تظل صفوفهم متراصة، هكذا يجب أن يعيد المسلمون ذلك العصر الذهبي، وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف.
(فتاوى جدة- أهل الحديث والأثر (34) /01: 58: 26).