الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شكل 8 - 6: باب يافا في القدس (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف).
(3) نتائج الحروب الصليبية بين الغرب والشرق
آراء المؤرخين في نتائج الحروب الصليبية متناقضة إلى الغاية، وقد أسهب أكثرهم في مدحها، وعدها بعضهم ذات نتائج سيئة.
وإذا نظرنا إلى هدف الحروب الصليبية القريب الذي هو فتح فلسطين رأيناها لم تسفر عن أية نتيجة مع ما خسرته أوربة في قرنين من المال والرجال، فقد بقي المسلمون سادة لتلك الأماكن التي أراد النصارى أن يستولوا عليها بأي ثمن كان.
ولكننا إذا نظرنا إلى النتائج البعيدة التي أسفرت عنها الحروب الصليبية تجلت لنا أهمية تلك النتائج التي كان بعضها نافعاً وبعضها ضاراً، وإن شال الميزان ورجحت كفة النافع منها، فقد كان اتصال الغرب بالشرق مدة قرنين من أقوى العوامل على نمو الحضارة في أوربة، وتكون الحروب الصليبية قد أدت بهذا إلى نتائج غير التي نشدتها،
وليس التاريخ خالياً من الأمثلة على عدم المطابقة بين الضالة المنشودة والهدف المدرك، بل هو حافل بهما، حتى يكاد البصير يرى في ذلك قاعدة مطردة.
وإذا أراد المرء تصور تأثير الشرق في الغرب وجب عليه أن يتمثل حال الحضارة التي كانت عليها شعوبهما المتقابلة، فأما الشرق فكان يتمتع بحضارة زاهرة بفضل العرب، وأما الغرب فكان غارقاً في بحر من الهمجية، وقد ظهر من بياننا الوجيز عن الحروب الصليبية أن الصليبيين كانوا في سلوكهم وحوشاً ضارية، وأنهم كانوا ينهبون الأصدقاء والأعداء ويذبحونهم على السواء، وأنهم خربوا في القسطنطينية ما لا يقدر بثمن من الكنوز القديمة الموروثة عن اليونان والرومان.
ولم يكن عند أولئك البرابرة ما يفيد الشرق، ولم ينتفع الشرق منهم بشيء في الحقيقة، ولم يكن للحروب الصليبية عند أهل الشرق من النتائج سوى بذرها في قلوبهم الازدراء الغربيين على مر الأجيال، ولم ينشأ عن جهالة الصليبيين وغلظتهم وتوحشهم وسوء نيتهم غير حمل الشرقيين أسود الأفكار عن نصارى أوربة وعن النصرانية، وغير إيجاد هوة عميقة لا يمكن سدها بين أمم الشرق وأمم الغرب، وما إلى ذلك من النتائج الضارة التي أشرنا إليها آنفاً.
ولم تكن العداوة العادلة التي يحملها الشرقيون تجاه أمم الغرب كل ما صدر عن الحروب الصليبية من النتائج الضارة، فقد نشأ عنها، أيضاً، زيادة سلطة البابوات الذين كانوا رؤساء عالين للصليبيين، وزيادة سلطة رجال الدين الذين اعغتنوا بأرضين اضطر السنيورات إلى بيعها منهم ليقوموا بنفقات الغزو، وقد نجم عن نمو سلطة أولئك واغتناء هؤلاء أن رغب البابوات في السيطرة على الشعوب والملوك وأن عم فساد الإكليروس، فأدى هذا الفساد بعد زمن إلى الإصلاح الديني وما قاسته أوربة بسببه من المنازعات الدامية.
ومن أشأم نتائج الحروب الصليبية: أن ساد عدم التسامح العالم عدة قرون، وأن صبغته بما لم تعرفه ديانة، خلا اليهودية، بصبغة القسوة والجور، أجل، كان العالم قبل الحروب الصليبية يعرف الشيء الكثير من عدم التسامح، ولكنه ندر أن كان عدم التسامح هذا يصل إلى حد الجلف والطغيان، وقد بلغ عدم التسامح هذا مبلغاً من الحميا الشديدة في الحروب الصليبية ما لا يزال العالم يقاسي أثره إلى زماننا تقريباً، فلم يلبث رجال الدين الذين تعودوا سفك الدماء أن صاروا ينشرون المعتقد ويبيدون أصحاب البدع على الطريقة التي كانوا يبيدون بها الكافرين، ويرون أنه يجب إخماد أقل انحراف بأفظع تعذيب، ومن نتائج ما نما في الحروب الصليبية من روح عدم التسامح المشؤومة:
ما حدث من ذبح اليهود والألبيجوا وكل ذي بدعة، ومن إنشاء محاكم التفتيش، ومن الحروب الدينية، ومن الحروب الوحشية التي ضرجت أوربة بالدماء زمناً طويلاً.
ولنبحث الآن في نتائج الحروب الصليبية النافعة بعد أن ذكرنا نتائجها الضارة الثابتة: كان من النتائج السياسية التي نشأت عن الحروب الصليبية أن تضعضع النظام الإقطاعي في فرنسة وإيطالية على الأقل، وذلك أن السنيورات لم يخسروا كثيراً من أرضيهم التي باعوها؛ لينفقوا على ما جهزوه من الحملات فقط، بل باعوا أيضاً ما كانت تصبو إليه المدن من الحرية والامتيازات، فصارت هذه المدن دويلات مستقلة ضمن دول الإقطاع تابعة للملك وحده، ثم أصبح اشتراء المدن لحريتها مبدأ عاماً، فقامت بلدية مستقلة في كل مدينة، فكانت نتيجة ذلك أن ضعف شأن الإمارات الإقطاعية الصغيرة لا الكبيرة التي مالت إلى التوسع، وأن أضحى ملك فرنسة حكماً بين الفسالات وسادتهم السابقين أكثر مما في الماضي، وأن زادت بذلك سلطة ملوك فرنسة، الضعيفة قبل الحروب الصليبية، على حساب سلطة فسالاتهم التي كادت تساوي سلطة الملك فيما مضى، والتي عادت لا تكون في غير الظواهر في بضعة قرون.
شكل 8 - 7: قدح عربي يعرف بقدح شارلمان، ويرجح أنه جيء به من الشرق أيام الحروب الصليبية (متحف شارتر).
ولم يتقلص النظام الإقطاعي بفعل الحروب الصليبية إلا في فرنسة وإيطالية، لا في إنكلترة وألمانية اللتين لم يشترك سنيوراتهما في الحروب الصليبية الأولى إلا قليلاً، واللتين
حافظوا على إقطاعاتهم فيهما، وصاروا رقباء على ملوكهما الذين تورطوا فيها كثيراً، فاستفادوا من ذلك فقيدوا سلطة هؤلاء الملوك، ونحن إذا أنعمنا النظر فيما نشأ عن سير الحوادث من النتائج البعيدة بدا لنا أن أصول دستور إنكلترة السياسي المتين ترجع إلى حوادث الحروب الصليبية.
أجل، اشترك ثلاثة من قياصرة ألمانية في الحروب الصليبية، فلما مات فردريك الثاني الذي هو آخرهم كانت السلطة القيصرية من الأوهام، واشترك ثلاثة من ملوك فرنسة في الحروب الصليبية، فأما رحلة فليب أوغست فكانت قصيرة، وأما سلطة الأشراف في غياب لويس السابع ولويس التاسع فكانت غير خطرة لما ذكرنا، فسهل على نائب الملك سوجر والملكة بلانش أن يردا جماحها.
وكان لاصطراع أوربة وآسية تأثير كبير في التجارة أيضاً، فقد نشأ عن تجهيز الجيوش الكبيرة التي قذفت بها أوربة في الشرق في قرنين وتموينها ونقلها حركة عظيمة في التجارة البحرية؛ فاغتني بذلك أهل مرسيلية وبيزة وجنوة والبندقية على الخصوص، وبلغت بحرية مرسيلية درجة عظيمة من النمو استطاعت معه؛ في سنة 1190 م؛ أن تنقل إلى الأرض المقدسة جيش قلب الأسد ريكاردس.
ولم يقف نمو التجارة بعد طرد الصليبيين من آسية؛ فقد عقد أكثر جمهوريات إيطالية وأمراء المسلمين معاهدات تجارية؛ وكانت صلات البندقية التجارية الوثيقة بالمشرق سبب عظمتها، واطرد تقدم هذه التجارة مع الزمن إلى أن اكتشفت طرق بحرية جديدة، فانتقل زمامها إلى أيد أخرى.
ولم يكن تأثير الحروب الصليبية في الصناعة والفنون أقل من ذلك، فقد استوقفت نفائس الشرق الباهرة أنظار السنيورات الصليبيين مع جلفهم، فوجدوا في التجارة وسيلة تقليدها، فنرى اقتباس نفائس الشرق في أسلحة الغرب وثيابه ومساكنه في القرن الثاني عشر، والقرن الثالث عشر على الخصوص.
وكلما نمت النفائس أدت إلى تقديم الصناعة بحكم الضرورة، وتبحث الصناعة عن المنتجات التي تطلبها التجارة منها بطبيعة الحال، فتحفزها الضرورة إلى القيام بذلك من فورها.
وإذ كانت صنائع الخشب والمعادن والميناء والزجاج تتطلب معارف كثيرة فقد اقتبسها الأوربيون من آسية مع جهلهم لها قبل دور الحروب الصليبية، وعم أمرها بذلك في أوربة، فعن صور أخذت البندقية نماذج صناعة الزجاج، وعن المسلمين أخذت أوربة
شكل 8 - 8: إناء عربي مصنوع من النحاس المكفت، ويعرف بإناء معمودية سان لويس (متحف اللوفر).
صناعة النسائج الحريرية والصباغة المتقنة، وعن سورية أخذ عمال الحملات الصليبية التي دام أمرها قرنين وصانعو أسلحتها ومهندسوها ونجاروها ومن إليهم ما كانوا يجهلون من المعارف الصناعية، وذلك في أثناء إقامتهم الطويلة بها.
وكان تأثير فنون الشرق في الغرب عظيماً أيضاً، فقد نشأ عن إيلاف الصليبيين ضروب منتجات الشرق الممتد من القسطنطينية إلى مصر تهذيب أذواقهم الغليظة، ولم يلبث فن العمارة أن تحول في أوربة تحولاً تاماً، ولا يصعب علينا، والحالة هذه، أن نثبت في فصل آخر قوة تأثير آثار حضارة العرب في أطواره الأولى.
وأما استفادة الصليبيين من علوم العرب الخالصة فكانت ضعيفة إلى الغاية خلاقاً لما ذهب إليه كثير من المؤرخين؛ فالجيوش الصليبية إذ كانت جاهلة للعلماء لم تكن لتبالي بالمعارف والأصول مبالاتها بشكل البناء أو الأسلوب الصناعي.
وإذا كنت لم أقل إن تأثير الصليبيين في تقدم أوربة العلمي صفر فلما بين العلوم والصناعات من الصلة، ولما تجر إليه إحداهما إلى بحث قليل في الأخرى غالباً.
ولا يحتج علينا بأن القرون الوسطى استنبطت معارفها العلمية والأدبية من مؤلفات الشرقيين، فالواقع أن تلك المعارف لم تدخل أوربة بفضل الحروب الصليبية قط كما تبين ذلك في فصل آخر.
ولم يكن تأثير آداب العرب في الصليبيين صفراً، بل كان كذلك، ضعيفاً جداً، أي استوحاها كثير من شعراء الغرب وكتابهم، فكان سحرة مصر وعجائب الشرق وغودفروا
شكل 8 - 9: طبق عربي قديم مصنوع من النحاس.
وتانكريد وغيرهما موضوع قصص مهم للشعراء المجولين الذين كانوا ينشدونه بين قصر وقصر.
ظهر مما تقدم أن تأثير الشرق في تمدين الغرب كان عظيماً جداً بفعل الحروب الصليبية، وأن ذلك التأثير كان في الفنون والصناعات والتجارة أشد منه في العلوم والآداب، وإذا ما نظرنا إلى تقدم العلاقات التجارية العظيم باطراد بين الغرب والشرق، وإلى ما نشأ عن تحاك الصليبيين والشرقيين من النمو في الفنون والصناعة- تجلى لنا أن الشرقيين هم الذين أخرجوا الغرب من التوحش، وأعدوا النفوس إلى التقدم بفضل علوم العرب وآدابهم التي أخذت جامعات أوربة تعول عليها؛ فانبثق عصر النهضة منها ذات يوم.