الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بها في الغرفة مُتَفقِّدٌ لحالها، دَرِبٌ بشأنها وانتقالها، ويُعيدُ فتحَ الأبواب، وصَرْف الصنُوج إلى مواضعها.
(2) الكيمياء
كيمياء العرب مشوبةٌ بالسيمياء، كما كان علم الفلك عندهم مشوباً بفنِّ التنجيم، ولكن مزج العلم المثبَتِ بالخيال لم يمنع العرب من الوصول إلى اكتشافات مهمة.
والمعارف التي انتقلت من اليونان إلى العرب في الكيمياء ضعيفةٌ، ولم يكن لليونان علمٌ بما اكتشفه العرب من المركبات المهمة كالكحول وزيت الزاج (الحامض الكبريتي) وماء الفضة (الحامض النتري) وماء الذهب
…
وما إلى ذلك، وقد اكتشف العرب أهمَّ أسس الكيمياء كالتقطير.
شكل 5 - 1: فرسان من العرب يقذفون بالنار اليونانية كما جاء في مخطوط عربي قديم محفوظ في المكتبة الوطنية بباريس.
وأقدم علماء العرب في الكيمياء وأكثرهم شهرةً هو جابر الذي عاش في أواخر القرن الثامن من الميلاد، والذي ألَّف كتباً كثيرة فيها، ولكنه نشأ عن كثرة من تَسَمَّوا باسمه من معاصريه صعوبةُ تمييز ما يجب نسبته إليه منها، ونُقِل عدد غير قليل من
كتبه إلى اللغة اللاتينية، وقد نُقِل كتابه «الاستتمام» ، الذي هو من أهم كتبه، إلى اللغة الفرنسية في سنة 1672 م، فدل هذا على دوام نفوذه العلمي في أوربة مدةً طويلة.
ويتألف من كتب جابر موسوعةٌ علمية حاوية خلاصةَ ما وَصل إليه علم كيمياء العرب في عصره، وتشتمل هذه الكتب على وصف كثير من المركبات الكيماوية التي لم تُذكَر قبله، كماء الفضة (الحامض النتري) وماء المُهِمَّيْن اللذين لا نتصور علم الكيمياء بغيرهما.
ويظهر أن جابر بن حيان عَرَف خواصَّ بعض الأرواح، فقد ذكر:«أن الأرواح حينما تستقر بالأجسام تَفْقِد شكلها وطبيعتها، وتصبح غير ما كانت عليه، وأنها في حالة التحليل إما أن تَطِير وحدها وتبقى الأجسام التي امتزجت بها، وإما أن تطير مع ما امتزجت به من الأجسام في آن واحد.»
وكان جابر يعتقد، كجميع السيماويين، أن المعادن مركبةٌ من عناصر كثيرةٍ غير معروفة، فيسمِّي هؤلاء هذه العناصر، على حسب الأحوال، ببعض الأسماء، كالكبريت والزئبق والزرنيخ
…
إلخ.
ولكن هذه الأسماء لم تَدُلُّ على خواصِّ العناصر المفترضة التي أطُلقت عليها، وإلى هذا الأمر أشار السيماويون، غير مرةٍ، فيجب الانتباه إليه خوفًا من الوقوع في مثل ما اقترفه مؤلفون كثيرون من الوِزْر نحوهم.
ويرى علماء الكيمياء من العرب أن جميع المعادن مؤلفةٌ من عناصرَ واحدةٍ، وأن بعض المعادن لا يختلف عن بعضٍ إلا بسبب اختلاف نِسَب هذه العناصر، وأنه في حالة حل هذه العناصر، وإعادة تركيبها مرةً أخرى على نسب ملائمة يُظفر، كما هو ظاهر، بأي معدن آخر كما يُراد، كالذهب مثلاً. ورَانَت مسألة تحويل المعادن على قلوب سيماويي العرب قروناً كثيرة كما هو معلوم، فنشأ عن نظرياتهم، البعيدة من الذهنية الحاضرة بعضَ البعد، خِدَمٌ للعلم حقيقةٌ عند قيامهم بمباحثهم التي ما كانت لتقع بغيرها، أَجَلْ، إنه لا يُكْتَشَف ما يُبحث عنه، ولكنه يُكتشف ما لا يُعْثَر عليه بغير طلب تحويل المعادن زمناً طويلاً.
واشتملت كتب جابر على بيان كثير من المركبات الكيماوية التي كانت مجهولة قبله، كماء الفضة (الحامض النتري) وماء الذهب والبوتاس وملح النشادر وحجر جهنم (نترات الفضة) والسليماني والراسب الأحمر، وكان جابر أولَ من وَصَف في كتبه أعمالاً أساسية كالتقطير والتصعيد والتبلور والتذيب والتحويل
…
إلخ.
واكتشف العرب، أيضاً، مركبات أخرى لا غُنْيَة للكيمياء والصناعة عنها، كزيت الزاج (الحامض الكبريتي) والكحول، وكان الرازي المتوفى سنة 940 م أول من وَصفها فقال: إن زيت الزاج يُستخرج بتقطير كبريت الحديد، وإن الكحول تُستخرج بتقطير المواد اللُّبِّيَّة أو السكرية المختمرة.
شكل 5 - 2: قذائف محرقة استعملها العرب في القرن الثالث عشر من الميلاد (ترى في هذه الصورة فارساً حاملاً رمحاً نارياً، ولابساً كخادميه قميصاً صفيقاً من صوف ذي دسر معداً ليبلل بنفط يُشعل فيما بعد، وذلك لإلقاء الرعب في الأعداء) من مخطوط عربي قديم محفوظ في بطرسبرغ.
ودرس أكثر علماء العرب الذين ألَّفوا في مختلف العلوم مسائلَ الكيمياء، وضاع أهم كتب الكيمياء العربية، خلا مؤلفات جابر والرازي، فنأسف على ذلك بعد أن تجلَّت لنا قيمة ما هو بين أيدينا منها.
ويظهر لنا مدى اكتشافات العرب الكيماوية من كَثْرَة ما كان مجهولًا قبلهم من المركبات التي ذكروها في مؤلفاتهم الطبية، وابتدع العربُ فنَّ الصيدلة، ويبدو لنا مقدارُ معارفهم في الكيمياء الصناعية من حِذقهم لفنِّ الصباغة، واستخراج المعادن، وصنع الفولاذ، ودِباغة الجلود
…
إلخ.