الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث
العرب في بلاد فارس والهند
(1) العرب في بلاد فارس
تختلف بقايا حضارة العرب باختلاف البلدان التي استولوا عليها، وإذ كان درس هذه الحضارة يقوم على البحث في آثار العرب العلمية أو الأدبية أو الفنية أو الصناعية، فإننا لا نستطيع أن نسير في فصول هذا الكتاب على نهج واحد، وقد رأيت أننا اعتمدنا في كلامنا عن سورية على الآثار الماثلة، وأننا سلكنا طريقاً آخر حينما بحثنا في أمر بغداد التي لا تجد فيها آثاراً شاخصة، فاقتصرنا حين الكلام عنها على التنويه بتنظيم العرب السياسي والمالي والإداري وما إلى ذلك، فإذا ما وصلنا تلك العناصر المختلفة بعضها ببعض أمكننا أن نرسم صورة جامعة لحضارة العرب في مختلف الأزمنة.
ولا نعرف إلا القليل عن آثار العرب في بعض البلدان التي دانت لهم، كبلاد فارس على الخصوص، فترانا مضطرين إلى الإيجاز في ذلك، ومع ذلك يثبت علمنا القليل عنها أن ذلك الشأن كان عظيماً جداً.
رأى العرب أنفسهم، حين هدموا دولة بني ساسان الفارسية، تجاه حضارة قديمة قويمة، فاقتبسوا الشيء الكثير من فنونها على الخصوص.
وتم النصر للعرب على بلاد فارس في الدور الأول من الإسلام، كما اتفق لهم في سورية، واستولوا على أصبهان في خلافة عمر بن الخطاب (654 م)، ودام السلطان للخلفاء في بلاد فارس مدة ثلاثة قرون، وكان تاريخ بلاد فارس مرتبطاً في تاريخ بغداد بعض الارتباط، ثم تداولت حكم بلاد فارس دول مستقلة مؤقتة كان يدال منها، ونعد من تلك الدول دولة الترك السلجوقيين الذين قضى المغول على سلطانهم في القرن الثالث عشر، ثم دولة التركمان الذين طردوا المغول من بلاد فارس في سنة 1403 م.
ونشأ عن تتابع الغزو هدم المباني القديمة التي شادها العرب وبنو ساسان في بلاد الفرس وزوال ما كان منها في مدينة أصبهان، على الخصوص، زوالاً تاماً، وما نراه الآن في أصبهان هو من صنع الشاه الفارسي الشهير عباس الذي اتخذها قاعدة مُلكه في سنة (998 هـ/1589 م) والذي استرد من الترك معظم بلاد فارس، ويظهر أن ذلك القطر استرد رخاءه القديم لمدة قرن، فقد قاتل الفرسُ منصورين دولة المغول في الهند سنة 1539 م، وانتزعوا منها ولايات كثيرة واقعة غرب نهر السند، ثم سادت الفوضى والانحطاط بلاد فارس، ونرى اليوم بلاد فارس، الواقعة بين الروس الذين يرغبون في التقدم نحو بلاد الهند والإنكليز الذين يمانعون في ذلك، مهددةً بأن تكون ميدان قتال لهذين الفريقين، وأن تقع فريسة للغالب منهما، فكأنه كتب على بلاد فارس أن تكون مسرح حروب تمهيداً لإقامة الأجنبي الغالب دولة عالمية كما تم في القرون الغابرة.
وثبت تأثير العرب في الفرس من اعتناق الفرس لدين العرب ونظمهم، ومن شيوع اللغة العربية بينهم شيوع اللغة اللاتينية في أوربة في القرون الوسطى، وذلك من غير أن تكون لغة البلاد الدارجة كما ثبت من استمرار الفرس إلى الوقت الحاضر على تلقي علم التوحيد والتاريخ والعلوم الأخرى من كتب العرب.
وتبدو بقايا ما تركه العرب من الآثار الماثلة في بلاد فارس من القلة ما لا تكفي معه لبيان تأثير هاتين الأمتين إحداهما في الأخرى، ولا نعرف حال فن العمارة الفارسي قبل الإسلام بالضبط وفي ظل العرب، وما بحث فيه بعض الرواد من المباني لم يخرج عن حد الأنقاض التي يصعب معها بيان الحالة التي كانت عليها فيما مضى، ونقول مع ذلك، وبعد إنعام النظر في تلك البقايا وفيما رواه المؤرخون: إن قصور أكاسرة الفرس قبل الفتح العربي كانت على جانب عظيم من الزخرف والزينة، وإن الفرس كانوا يعرفون إقامة القباب، وإنهم كانوا يعلمون كيف يكون المباني بالميناء، وإن العرب رضوا في دور الفتح بفن العمارة الفارسي مع قليل من التبديل، وإن أهم ما اقتبسه العرب من متفنني الفرس في ذلك الدور الأول هو جزئيات الزخرف واستعمال الميناء على الخصوص، لا طراز البناء الذي استعاروه في البداءة، من البيزنطيين في سورية ومصر على الأقل.
ثم تغيرت الأوضاع مع الزمن، فصار العرب يؤثرون في الفرس، فاقتبس الفرس من العرب شكل قبابهم والنقوش المتدلية (المقرنصات) وضروب الزينة كالكتابات، وسنعود إلى هذه المسائل في الفصول التي خصصناها للبحث في فنون العرب.
شكل 3 - 1: جوسق جهل ستون في أصبهان (من تصوير كوست).
ولم يبق في بلاد فارس من مباني دور خلفاء العرب الأولين سوى عدد قليل، كبقايا مسجد همذان التي نشرنا صورتها في فصل آخر، ويظهر أن في مدينة مشهد بقايا من مباني ذلك الدور امتزج فيها الطراز العربي بالطراز الفارسي، وهي التي تكلم عنها مسيو دوكانيكوف، فتجلى الطراز الفارسي في أقواسها ومينائها ومآذنها المخروطة الشكل التي لا رواق لها في غير رأسها، وتجلى الطراز العربي في خطوطها المزخرفة وأعمدتها الهيف ومتدلياتها
…
إلخ.
شكل 3 - 2: داخل مسجد في أصبهان (من تصوير كوست).
شكل 3 - 3: جامع أصبهان الكبير (من تصوير كوست).
وما بين بقايا مباني عصر الخلفاء في بلاد فارس والمباني التي أقامها الشاه عباس في أصبهان مؤخراً من التقارب يثبت لنا سير المهندسين على نمط قديم واحد، وسنرى في الفصل الذي ندرس فيه تاريخ فن العمارة العربية، أنه طرأ على ذلك النمط القديم بعض التغيير في الجزئيات المهمة مع الزمن ولا سيما في شكل القباب، فبعد أن كانت القباب منخفضة، ثم ذات نصف كرة، صارت مخصرة بصلية الشكل.
ومهما يكن من أمر فإن لفن العمارة الفارسي طابعاً خاصاً، ونعد المآذن المخروطة الشكل.
والأبواب العظيمة المفرطحة القناطر والجدران المزينة بالميناء الملون من أهم ما اختص به فن العمارة الفارسي ذو التأثير في مباني الهند كما نقطع في ذلك.