الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصيني الشهير كُوشو كِنع تناول رسالة ابن يونس في الفلك في سنة 1280 م وأذاعها في بلاد الصين، وأن الطبَّ العربيَّ أدُخل إلى الصين وقتما غزاها كوبلاي، أي في سنة 1215 م.
ولا يزال تأثير العرب العلمي في أهل المشرق جارياً، ولا يزال الفرس يدرُسون العلوم في كتب العرب، وقد ذكرنا أن للغة العرب في بلاد الفرس شأناً كالذي كان للغة اللاتينية في العرب في القرون الوسطى.
(2) تأثير العرب في الغرب:
(2 - 1) تأثير العرب العلمي والأدبي:
نثبت الآن أن تأثير العرب في الغرب عظيم أيضاً، وأن أوربة مدينة للعرب بحضارتها، والحق أن تأثير العرب في الغرب ليس أقلَّ منه في الشرق، ولكن بمعنى آخر، فأما تأثيرهم في الشرق فتراه بادياً في أمر الدين واللغة والفنون على الخصوص، وأما تأثيرهم الديني في الغرب فتراه صِفراً، وترى تأثيرهم الفني واللغوي فيه ضعيفًا، وترى تأثيرهم العلمي والأدبي والخلقي فيه عظيماً.
ولا يمكن إدراك أهمية شأن العرب في الغرب إلا بتصوُّر حال أوربة حينما أدخلوا الحضارة إليها.
إذا رجعنا إلى القرن التاسع والقرن العاشر من الميلاد، حين كانت الحضارة الإسلامية في إسبانية ساطعة جدٍّا، رأينا أن مراكز الثقافة في الغرب كانت أبراجًا يسكنها سنيوراتٌ متوحشون يفخرون بأنهم لا يقرأون، وأن أكثر رجال النصرانية معرفةً كانوا من الرهبان المساكين الجاهلين الذين يقضون أوقاتهم في أديارهم ليَكْشِطوا كتب الأقدمين النفيسة بخشوع، وذلك كيما يكون عندهم من الرُّقوق ما هو ضروريٌّ لنسخ كتب العبادة.
ودامت همجيةُ أوربة البالغة زمناً طويلاً من غير أن تشعر بها، ولم يبد في أوربة بعض الميل إلى العلم إلا في القرن الحادي عشر وفي القرن الثاني عشر من الميلاد، وذلك حين ظهر فيها أناسٌ رَأَوا أن يرفعوا أكفان الجهل الثقيل عنهم فولوا وجوههم شطرَ العرب الذين كانوا أئمةً وحدهم.
ولم تكن الحروب الصليبية سبباً في إدخال العلوم إلى أوربة كما يُردَّد على العموم، وإنما دخلت العلوم أوربة من إسبانية وصقلية وإيطالية، وذلك أن مكتباً للمترجمين
شكل 10 - 3: برج بليم، وهو قائم على الطراز الإسباني العربي (من صورة فوتوغرافية)
في طليطلة بدأ منذ سنة 1130 م يَنقُل أهم كتب العرب إلى اللغة اللاتينية تحت رعاية رئيس الأساقفة ريمون، وأن أعماله في الترجمة كُلِّلَتْ بالنجاح ما بدا للعرب بها عالمٌ جديد، ولم يتوانَ الغربُ في أمر هذه الترجمة في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر من الميلاد، ولم يقتصر الغرب على ترجمة مؤلفات علماء العرب، كالرازي وأبي القاسم وابن سينا وابن رشد
…
إلخ، إلى اللغة اللاتينية، بل نُقِلت إليها، أيضاً، كتب علماء اليونان التي كان المسلمون قد ترجموها إلى لغتهم الخاصة ككتب جالينوس وبقراط وأفلاطون وأرسطو وأقليدس وأرشميدس وبطليموس؛ فزاد عدد ما تُرجم من كتب العرب إلى اللغة اللاتينية على ثلاثمائة كتاب كما روى الدكتور لوكلير في كتابه «تاريخ الطب العربي.»
والحق أن القرون الوسطى لم تعرف كتبَ العالَم اليوناني القديم إلا من ترجمتها إلى لغة أتباع محمد، وبفضل هذه الترجمة اطلعنا على محتويات كُتب اليونان التي ضاع أصلها ككتاب أبُلُّونيوس في المخروطات، وشروح جالينوس في الأمراض السارية،
ورسالة أرسطو في الحجارة
…
إلخ، وأنه إذا كانت هناك أمةٌ نُقِرُّ بأننا مدينون لها بمعرفتنا لعالم الزمان القديم فالعربُ هم تلك الأمة، لا رهبانُ القرون الوسطى الذين كانوا يجهلون حتى اسمَ اليونان. فعلى العالم أن يعترف للعرب بجميل صنعهم في إنقاذ تلك الكنوز الثمينة اعترافاً أبدياً، قال مسيو ليبري:«لو لم يظهر العرب على مسرح التاريخ؛ لتأخرت نهضة أوربة في الآداب عدة قرون.»
شكل 10 - 4: كنيسة القديس بطرس في قلعة أيوب، وهي قائمة على الطراز الإسباني العربي (من صورة قديمة).
وعربُ الأندلس وحدهم، هم الذين صانوا في القرن العاشر من الميلاد، وذلك في تلك الزاوية الصغيرة من الغرب، العلومَ والآداب التي أهُمِلَت في كل مكان، حتى في القسطنطينية، ولم يكن في العالم في ذلك الزمن بلادٌ يمكن الدرسُ فيها غيرُ الأندلس العربية، وذلك خلا الشرق الإسلامي طبعاً، وإلى بلاد الأندلس كان يذهب أولئك النصارى القليلون لطلب العلوم في الحقيقة، ونذكر منهم، على حسب بعض الروايات التي هي موضوع جدال من غير أن يَثبُت عدم صحتها، جربرت الذي صار بابا في سنة 999 م باسم سلفستر الثاني، والذي أراد أن ينشر في أوربة ما تعلمه؛ فعدَّ الناس عمله من الخوارق، واتهموه بأنه باع روحه من الشيطان.
ولم يظهر في أوربة، قبل القرن الخامس عشر من الميلاد، عالمٌ لم يقتصر على استنساخ كتب العرب، وعلى كتب العرب وحدها عوَّل روجر بيكن وليونارد البيزي وأرنود الفيلنوفي وريمون لول وسان توما وألبرت الكبير والأذفونش العاشر القشتالي
…
إلخ، قال مسيو رينان:«إن ألبرت الكبير مدين لابن سينا في كل شيء، وإن سان توما مدينٌ في جميع فلسفته لابن رشد.»
وظلت ترجمات كتب العرب، ولا سيما الكتب العلمية، مصدراً وحيداً، تقريباً للتدريس في جامعات أوربة خمسة قرون أو ستة قرون، ويمكننا أن نقول: إن تأثير العرب في بعض العلوم، كعلم الطب مثلاً، دام إلى أيامنا، فقد شُرِحَت كتب ابن سينا في مونبلية في أواخر القرن الماضي.
وبلغ تأثير العرب في جامعات أوربة من الاتساع ما شَمِل معه بعض المعارف التي لم يحققوا فيها تقدماً مهماً كالفلسفة مثلاً، فكان ابن رشد الحجة البالغة للفلسفة في جامعاتنا منذ أوائل القرن الثالث عشر من الميلاد، ولما حاول لويس الحادي عشر تنظيم أمور التعليم في سنة 1473 م أمر بتدريس مذهب هذا الفيلسوف العربي ومذهب أرسطو.
ولم يكن نفوذ العرب في جامعات إيطالية، ولا سيما جامعة بادو، أقل منه في فرنسة، فقد كان للعرب فيها شأنٌ كالذي بدا للأغارقة واللاتين بعد عصر النهضة، ويمكن القارئ أن يتمثَّل سعة نفوذ العرب من الاحتجاج الصاخب الآتي الذي قاله الشاعر الكبير بترارك:«يا عجباً، استطاع شيشرون أن يكون خطيبًا بعد ديموستين، واستطاع فيرجل أن يكون شاعراً بعد أوميرس، فهل قُدِّر علينا ألا نؤلِّف بعد العرب؟ لقد تَساوَيْنَا نحن والأغارقة وجميع الشعوب غالباً وسبقناها أحياناً، خلا العرب، فيا للحماقة! ويا للضلال! ويا لعبقرية إيطالية الناعسة أو الخامدة! »
ولم يكن للقرآن تأثيرٌ في جميع مذاهب العرب العلمية والفلسفية التي نشروها في العالم في خمسة قرون، كما أنه لم يكن للتوراة أثرٌ في كتب العلم الحديثة، ولا عجب، فالقرآن مجموعة أحكام كان يحترمها العلماء تقريباً؛ لأنها مصدر سلطان العرب، ولملاءمتها احتياجات الجماهير التي ليس من طبيعتها أن تكترث للعلوم والفلسفة في كل زمن إلا قليلاً، غير أن العلماء كانوا لا يبالون بما بين نتائج اكتشافاتهم ونظريات الكتاب المقدس «القرآن» من الاختلاف، فإذا ما بلغت أفكارهم الحرة عامة الناس اضطر حمايتهم من الخلفاء، عادةً، إلى نفيهم لأجلٍ محدود احتراماً للشعور العام، وإذا
شكل 10 - 5: تيجان أعمدة عربية وتيجان أعمدة على الطراز الإسباني العربي (مسجد قرطبة - مسجد طركونة القديم - شقوبية - سرقسطة - القصر بإشبيلية - طليطلة - دير غراقد - الترانسيتو بطليطلة، متحف العاديات الإسباني).
ما هدأت الزوبعة بسرعة استدعاهم الخلفاء، ولم يَبدُ عدم التسامح بين المسلمين إلا بعد أن اضمحل سلطان العرب في القرن الثالث عشر من الميلاد، وصارت سلطتهم قبضة «شعوب ثقيلة شرسة غير مهذبة» من تركٍ وبربر وغيرهم كما أشار إلى ذلك، بحقٍّ، مسيو رينان، وليست المذاهب مصدر عدم التسامح في الغالب، بل الأشخاص، وكان العرقُ العربي من التهذيب والسماحة ما لا يَحِيد معه عن هذا التسامح الذي أقام الدليل عليه في كل مكان منذ بدء فتوحه.
ويمكن القول بأن التسامح الديني كان مطلقاً في دور ازدهار حضارة العرب، وقد أوردنا على هذا غير دليل، ولا نُسهب فيه، وإنما نشير إلى ما ترجمه مسيو دوزي
شكل 10 - 6: قوس الجعفرية في سرقسطة.
من قصة أحد علماء الكلام العرب الذي كان يحضر ببغداد دروساً كثيرة في الفلسفة يشترك فيها أناس من اليهود والزنادقة والمجوس والمسلمين والنصارى
…
إلخ، فيستمع إلى كل واحد منهم باحترام عظيم، ولا يُطلَب منه إلا أن يستند إلى الأدلة الصادرة عن العقل، لا إلى الأدلة المأخوذة من أي كتاب ديني كان، فتسامح مثل هذا هو مما لم تصل إليه أوربة بعد ما قامت به في أكثر من ألف سنة من الحروب الطاحنة، وما عانته من الأحقاد المتأصلة، وما مُنِيَت به من المذابح الدامية.
وإذا كان تأثير العرب عظيماً في نواحي أوربة التي لم يسيطروا عليها إلا بمؤلفاتهم، أبصرنا أنه كان أعظم من هذا في البلاد التي خَضَعَت لسلطانهم كبلاد إسبانية التي نرى أن أفضل وسيلة لتقدير تأثير العرب فيها تقديراً قاطعاً، هو أن ننظر إلى حالتها التي كانت عليها قبل فتحهم إياها، وفي أثناء سيادتهم لها، وبعد إجلائهم عنها؛ فأما حالها قبل الفتح العربي وفي أيام سلطتهم: فقد بحثنا فيها، وذكرنا درجة السعادة التي تمت لها في زمن دولتهم. وأما حالها بعد العرب: فقد تكلمنا عنها
شكل 10 - 7: قوس على الطراز الإسباني العربي في طليطلة (متحف العاديات الإسباني).
شكل 10 - 8: دقائق زخارف في كنيسة الترانيستو (كنيس بطليطلة) وهي على الطراز الإسرائيلي العربي.
أيضاً، وستتاح لنا العودة إليها حينما نبحث في روثة العرب عما قليل، فهناك نرى أنها هبطت بعد إجلائهم إلى دركةٍ من الانحطاط لم تنهض منها حنى الآن، ولن يجد