الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وليس من الصعب أن نَتَمَثل الحال التي كان عليها المجتمع العربي أيام ازدهار حضارة أتباع النبي بطريق البحث في حالة المجتمع العربي الحاضرة وفي حوادث الماضي، فقد دل وصفنا لحاضر العرب في مختلف الأقطار التي كانوا سادة لها على أن ما يشاهَد من أنُسهم وتسامحهم كان يشاهد أيام حضارتهم أيضاً، وقد وصفنا طبائعهم النبيلة وفروسيتهم، ورأينا أن أوربة المتبربرة اقتبستهما منهم.
وإن ما نراه خاصاً بالطبقات الأوربية العليا من الأدب والوقار، هو من الأمور الشائعة بين مختلف طبقات الشرق كما أجمع عليه السياح، وإليك ما قاله الفيكولت فوغيه عندما تكلم عن تزاور أفقر طبقات العرب:«لا يسعني سوى الإعجاب بما يسود اجتماعات أولئك القَرَويين الفقراء من الوقار والأدب، وما أعظم الفرق بين اتزان أقوالهم ونُبْل أوضاعهم ولَغَط بني قومنا ووقاحتهم! »
وأتيح لي، غير مرة، أن أتصل بكثير من العرب في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، فقضيت العجب في كل مرة من الوقار والترحاب اللذين كان يستقبلني بهما أناسٌ لا تعلو طبقتهم الاجتماعية طبقة فلاحي أوربة، لا فرق في ذلك بين أن يكون رب البيت فقيراً أو غنياً، وذلك أن الواحد منهم يتقدم نحوك ليُحَيِّيَك على الطريقة الشرقية، أي بوضع يده على صدره وجبينه، وليدعوك إلى الجلوس على متكأ في صدر البيت المقابل للباب، ثم يعرض عليك سيغارة أو نارجيلة للتدخين وقهوة للشرب، وينتظر منك بأدب أن توضح له سبب زيارتك.
(2) المدن العربية، البيوت، الأسواق
…
إلخ
(2 - 1) المدن العربية
يكفي كثير من المدن العربية الحاضرة، كدمشق وبعض الأحياء في القاهرة؛ لتصور ما كانت عليه المدن العربية في سالف الأزمان، وقد تكلمتُ عن منظر شوارعها الملتوية المشوشة غير مرة، ولا فائدة في الرجوع إلى ذلك الآن، وإذا ما أغضَيْتَ عن المدن الشرقية التي تلمس فيها نفوذ الأوربيين، كالمدن الساحلية السورية مثلاً، رأيت شبهاً عظيماً بين مدن الشرق قاطبة، فالسائح الذي ينتقل إليها فجأةً بقوة ساحر يَعْلَم من فوره حقيقة الجزء الذي هو فيه من الكرة الأرضية.
وتنقطع الحركة في شوارع جميع المدن العربية مع غروب الشمس، وتُغلق الحوانيت في ذلك الوقت، ويدخل الناس بيوتهم، ولا يخرج الإنسان من بيته ليلاً إلا حاملاً فانوساً لعدم الإنارة المصنوعة.
ولا عهد للشرقيين بما في مدن أوربة من الحركة الليلية ومن الحوانيت والقهوات المضاءة بأبهى الأنوار، ومع ذلك يجد الشرقيون في حياتهم المنزلية من الروعة ما يستغنون به عن ملاهي الليل، فإذا قُيِّض لأناس منهم أن يزوروا أوربة بهرتهم حركة مدنها الليلية، وقالوا: إن مَلال الغربيين في بيوتهم يدفعهم إلى الخروج منها وملازمتهم الأندية أو القهوات، وقد قال لي تاجر بغدادي وقور زار عواصم أوربة كثيراً:«إن ذلك من النتائج السيئة للاقتصار على زوجة واحدة لا ريب.»
شكل 2 - 1: شارع قديم في القاهرة (من صورة فوتوغرافية)
وليست شوارع الشرق موضوع عناية أحد، وترك أمر إزالة ما يُلقَى فيها من الأقذار للكلاب، والكلاب لا تترك منها شيئاً، ولا صاحب لهذه الكلاب التي تشتمل كل مدينة على الألوف منها فتعيش جماعات يكون في كل حي واحدة منها، ولا يخرُج كلب من حي من
غير أن يمزق، ولذا ليس من الممكن أن يقتني رجل كلباً في الشرق، فإذا ما حدث أن كان له كلب وقطع معه شارعاً مزقته كلاب الأحياء التي يمر منها حتماً.
ويعامل الشرقيون الكلاب وجميع الحيوانات برفق عظيم، ولا ترى عربياً يؤذي حيواناً، وإيذاء الحيوان من عادة سائقي العربات في أوربة، وليس من الضروري، إذن، أن يؤلف العرب جمعيات رفقٍ بالحيوان.
شكل 2 - 2: شارع في طنجة (مراكش، من صورة فوتوغرافية).
والحق أن الشرق جنة الحيوانات، وفي الشرق تراعى الكلاب والهِرَرَة والطيور
…
إلخ، وتحلق الطيور في المساجد، وتوكر في أطنافها مطمئنة، وتأوي الكَرَاكِيُّ إلى الحقول من غير أن تؤذى، ولا تجد صبياً يمس وكناً، وقد قيل لي في القاهرة بصيغة التوكيد، وهذا يؤيد ما ذكره بعض المؤلفين، إن في القاهرة مسجداً تأتيه الهررة في ساعاتٍ معينة؛ لتتناول طعامها وفق شروط أحد الواقفين منذ زمن طويل.
وجزئيات كتلك تدل على طبائع الأمة، وتدل على درجة افتقار الأوربيين إلى تعلُّم الشيء الكثير من حلم الشرقيين وأنسهم.
ولا يعرف الشرق من أمور العربات سوى الشيء اليسير، ولا ترى في الشرق غير طرق قليلة صالحة لسير العربات، ولا يعتمد الشرقيون في شؤون النقل إلا على الخيل والجمال والحمير، والناس في مصر يستخدمون الحمير على الخصوص، والناس في