الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(2 - 1) آثار العرب الطبية
عدد المؤلفين من أطباء العرب كبيرٌ إلى الغاية، وخَصَّص ابن أبي أصُيبعة مجلداً من كتابه لتراجم أطباء العرب فنكتفي بذكر بعض من اشتهر منهم.
نهض الأغارقة بالطبِّ أكثر مما نهضوا بمعظم العلوم الأخرى، ووجد العرب في مؤلفاتهم مباحث مفيدةً. وكان هارون) 685 م) أول من قام بترجمة كتب اليونان الطبية، وكانت مجموعته الطبية مقتطفاتٍ من كتب أطباء اليونان، ولا سيما جالينوس، ثم تُرجِمت كتب بقراط وبولس الإجِيني
…
إلخ. بعد ذلك بزمن قليل.
والرازي، الذي ذكرنا أنه من علماء الكيمياء، هو من أشهر أطباء العرب. ووُلد الرازي سنة 850 م، وتوفي سنة 932 م بعد أن زاول الطبَّ في بغداد خمسين سنة، وألف الرازي في شتى الموضوعات كالفلسفة والتاريخ والكيمياء والطب
…
إلخ، ووَضَع الرازي آثار من ظهر قبله من الأطباء على محكِّ النقد الشديد فوق فراش المرضى، وكان ما كتبه في بعض الحُمِّيَات ذات البُثُور كالحصبة والجدري مُعَوَّلَ الأطباء زمناً طويلاً، وكان واسع الاطلاع على علم التشريح، وكان كتابه في أمراض الأطفال أولَ كتابٍ بَحَثَ في هذا الموضوع، ويُرى في كتبه وسائلُ جديدةٌ للمداواة، كاستخدام الماء البارد في الحميَّات المستمرة الذي أخذ به علم الطب الحديث، وكاستخدام الكحول والفتائل، وكاستخدام المحاجم المعالجة داء السكتة
…
إلخ.
وكان الرازي متواضعاً كما كان طبيباً حاذقاً دقيقاً، ومما رُوي أنه أعاد بطريقة جَلْد الجسم بشدة، ولا سيما الكعب، الحياةَ إلى شخص سقط فاقدَ الحسِّ في أحد شوارع قرطبة، واعتقد الناس أنه مات، فلما امتدح الخليفة طريقته في إعادة الحياة إلى الإنسان أجابه أنه رأى تطبيق هذه الطريقة على أعرابي في البادية ذات مرة، وأن فضله ينحصر في تشخيصه لحالة ذلك المريض التي أَعتقدُ، مستنداً إلى بعض التفصيلات، أنها ضربةُ شمس، وإن لم يروِ لنا التاريخ حقيقتها.
وأشهرُ كتب الرازي كتابُ «الحاوي» الذي جمع فيه صناعة الطب، وكتابُ «المنصوري» الذي بعث به إلى الأمير منصور والمؤلَّفُ من عشرة أقسام، وهي:
(1)
التشريح.
(2)
الأمزجة.
(3)
الأغذية والأدوية.
(4)
الصحة.
(5)
دواء البَشَرَة.
(6)
نظام السفر.
(7)
الجراحة.
(8)
السموم.
(9)
الأمراض على العموم.
(10)
الحُمَّى.
وتُرجِمَت أكثر كتب الرازي إلى اللغة اللاتينية، وطُبعت عدَّةَ مرات، ولا سيما في البندقية سنة 1509 م، وفي باريس سنة 1528 م، وسنة 1748 م، وأعُيد طبع ترجمة كتابه في الجُدَرِي والحصبة سنة 1745 م، وظلت جامعات الطب في أوربة تعتمد على كتبه زمناً طويلاً، وكانت كتبه، مع كتب ابن سينا، أساساً للتدريس في جامعة لوفان في القرن السابع عشر من الميلاد، كما ثبت ذلك من برنامج وُضِع سنة 1617 م، وقد ظهر من هذا البرنامج أن مؤلفات علماء اليونان الطبية لم تَنَل من الحظوة إلا قليلاً، وأنها اقتصرت على بعض جوامع الكلم لبقراط وبعض الخلاصات لجالينوس.
وروى مؤرخو العرب أن الرازي عمي في آخر زمانه بماء نزل على عينيه، فقال حينما قيل له لو قَدَحتْ:«لا، قد أبصرت من الدنيا حتى مللت منها فلا حاجة لي إلىَ عينين! »
ونذكر من أطباء العرب عليَّ بن العباس المعاصر للرازي تقريباً، والذي عاش أواخر القرن العاشر من الميلاد، ونذكر من كتبه كتاب «الملكي» في المشتمل على الطب النظري والطب العملي، والذي استند فيه إلى مشاهداته في المشافي، لا إلى الكتب، وأظهر فيه عدة أغاليط لبقراط وجالينوس وأريباسيوس وبولس الإجيني
…
إلخ، وابتعد فيه عن مبادئ الطب اليوناني كثيراً في معالجة الأمراض على الخصوص مع اعتماده عليها، وتَرْجَم إتيان الأنطاكي هذا الكتاب إلى اللغة اللاتينية سنة 1127 م، وطُبع هذا الكتاب في مدينة ليون سنة 1523 م.
وابن سينا هو أشهر جميع أطباء العرب، وبلغ ابن سينا من التأثير في عالم الطب عدة قرون ما لُقِّب معه بأمير الطب.
وُلِد ابن سينا سنة 980 م، وتُوفي سنة 1037 م، وكان في مقتبل عمره جابياً فارتقى إلى منصب وزير، وكُتُب ابن سينا ممتازةٌ مع وفاته غيرَ مُسِنٍّ بسبب إفراطه في العمل وانهماكه في اللذات.
ويشتمل «القانون» الذي هو كتاب ابن سينا المهم في الطب، على علم وظائف الأعضاء، وعلم الصحة، وعلم الأمراض، وعلم المعالجة، والمادةِ الطبية، ووُصِفَت فيه الأمراض بأحسن مما وُصِفَت به في الكتب التي ألُّفت قبله.
ونُقِلت كتب ابن سينا إلى أكثر لغات العالم، وظلت مرجعاً عاماً للطب ستة قرون، وبقيت أساساً للمباحث الطبية في جميع جامعات فرنسة وإيطاليا، وكان طبعها يُعاد حتى القرن الثامن عشر، ولم ينقطع تفسيرها في جامعة مونبلية إلا منذ خمسين سنة.
وكان ابن سينا منهمكاً في الشَّهوات انهماكه في العلوم، وقَصَّر انهماكه في الشهوات عمرَه كما ذكرنا ذلك آنفاً، ولذلك قيل: إن فلسفته لم تَمُنَّ عليه بالحكمة، وإن طبَّه لم يمنَّ عليه بالصحة.
وأبو القاسم القرطبي المتوفى سنة 1107 م هو أشهر جرَّاحي العرب، وتخيل أبو القاسم كثيراً من آلات الجراحة ورسمها في كتبه، ووصف أبو القاسم عملية سَحْق الحصاة في المثانة على الخصوص فعُدَّت من اختراعات العصر الحاضر على غير حق.
ولم يُعْرَف أبو القاسم في أوربة إلا في القرن الخامس عشر، وذاع صيته فيه، قال العالم الفزيولوجيُّ الكبير هالّر:«كانت كتب أبي القاسم المصدر العام الذي استقى منه جميعُ من ظهر مَن الجراحين بعد القرنِ الرابعَ عشرَ.»
والكتاب الكبير الذي دَرَس أبو القاسم فيه أمور الجراحة ينقسم إلى ثلاثة أبواب: فالباب الأول في مسائل الكي، والباب الثاني في العمليات التي تحتاج إلى الِمبْضَع وفي جراحة الأسنان والعيون والفتق والولادة وإخراج الحصاة، والباب الثالث في الكسر والانخلاع، وعلى ما في هذا الكتاب من ضعف في التقسيم نرى ما فيه من المعارف العملية دقيقاً جداً.
وطُبعت الترجمة اللاتينية الأولى لكتاب أبي القاسم في الجراحة سنة 1497 م، والطبعة الأخيرة لهذا الكتاب حديثة جداً، أي تمت سنة 1861 م.
وكان لابن زُهر الأشبيلي، الذي عاش في القرن الثاني عشر من الميلاد، شهرةٌ عظيمة، وإن كانت دون شهرة أولئك، فقد كان مجرِّباً مصلحاً مُوَطِّئاً لعلم المداواة قائلاً: إن في البدن قوةً كامنة ناظمة للأعضاء كافيةً وحدها لشفاء الأمراض على العموم.
شكل 6 - 2: قطع من الحلي والحجارة الثمينة المنقوشة (متحف العاديات الإسباني).
وجمع ابن زُهْر دراسة الجراحة والطب والصيدلة مع نقصفي التحقيق أحياناً، وتشتمل مباحثه في الجراحة على بيان صحيحٍ في الكسر والانخلاع.
وألف ابن رشد، الذي وُلد في قرطبة سنة 1126 م وتوفيَّ سنة 1188 م، في الطب أيضاً، وإن اشتهر فيلسوفاً شارحاً لكتب أرسطو أكثر من اشتهاره طبيباً، وترى له تفاسير لكتب ابن سينا، وكتاباً في المداواة، وكتاباً في السموم والحميات
…
إلخ، وطُبعت كتب ابن رشد في الطب كثيرًا في أوربة.