الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس
العرب في إفريقية الشمالية
(1) إفريقية الشمالية قبل الفتح العربي
نقصد بإفريقية الشمالية البلاد التي تشتمل على مراكش والجزائر وتونس وطرابلس الغرب، وتمتد إفريقية الشمالية من المحيط الأطلنطي إلى غرب مصر الملحقة بالشرق على العموم، وتحد إفريقية الشمالية بالبحر المتوسط في الشمال وبأقسام الصحراء المجاورة للسودان من الجنوب.
وكان الرومان يقسمون إفريقية الشمالية إلى خمسة أقسام:
(1)
بلاد برقة الواقعة في غرب مصر.
(2)
بلاد إفريقية القنصلية (طرابلس الغرب وتونس).
(3)
بلاد نوميدية (ولاية قسنطينة).
(4)
موريتانية القيصرية (قسم من الجزائر الحاضرة).
(5)
موريتانية الطنجية (مراكش)، وكانت رومة تمارس سلطانها على هذه الولايات بما ترسله إليها من الولاة والمندوبين والحكام.
وسمي العرب إفريقية الشمالية والأندلس بالمغرب في البداءة، وأطلق اسم إفريقية على تونس وطرابلس الغرب حين استقر العرب بالقيروان وتونس، وصارت كلمة المغرب لا تدل على غير بلاد إفريقية الغربية في نهاية الأمر.
وصار العرب يسمون البلاد التي تحتوي الآن على الجزائر، تقريباً، بالمغرب الأوسط، والبلاد التي تحتوي الآن على مراكش بالمغرب الأقصى.
واستولت شعوب كثيرة على شمال إفريقية، وكانت لها آثار متفاوتة فيها، وملكها قبل العرب كل من القرطاجيين والرومان والوندال والقوط والبيزنطيين.
ولم يتبدل أهل شمال إفريقية مع كثرة فتوح الأجانب لها، وهؤلاء الأهلون هم البربر الذين حافظوا على دينهم ولغتهم وعاداتهم خارج المدن على الأقل.
وينطوي تاريخ استقرار العرب بإفريقية على النزاع الذي دام طويلاً بينهم وبين البربر، وكان للبربر من الشأن في إفريقية والأندلس ما يجب درسه؛ لفهم ذلك التاريخ، وتزيد ضرورة ذلك الدرس كلما أمعن العلماء في الغلط حين يتكلمون عن البربر بسبب بلاد الجزائر.
وجميع أمم إفريقية الشمالية التي سماها الرومان بالنوميديين واللوبيين والإفريقيين والمغاربة والجيتول
…
إلخ، من عرق البربر، ويمكن القول بأن من لم يكن زنجياً في شمال إفريقية كان بربرياً، وذلك قبل العرب.
ولا يقل جهلنا للأصل البربري عن جهلنا لأصول أكثر العروق.
بيد أن ما نراه في شواطئ إفريقية العليا من البيض بين الزنوج يدلنا على أن البربر نتيجة اختلاط مختلف الشعوب التي هاجرت إلى شمال إفريقية في أقدم القرون، وقد قلنا «أقدم القرون» إما ليس لدينا من الروايات والتاريخ ما دون ذلك، وقد قلنا «مختلف الشعوب» لما نشاهد بين سود الشعور من زرق العيون شقر الشعور.
ويمكننا أن نأتي بافتراضات معقولة عن الأمكنة التي صدرت عنها تلك الهجرة فنقول: إن أولئك المهاجرين لم يأتوا من الجنوب الذي لا يرى فيه غير الزنوج، ولا من الشمال الذي لم يكن إلا بحراً خضماً لم يفكر الأقدمون في عبوره، وإنما جاء أولئك المهاجرون من الشرق، أي من آسية، مارين من الأرض الضيقة التي تصلها بإفريقية، أو جاءوا من الغرب، أي من مضيق جبل طارق.
والحق أن المهاجرين السود الشعور أتوا من شواطئ الفرات ومن شمال جزيرة العرب، أو من مكان أبعد منها على ما يحتمل، وأن المهاجرين الشقر الشعور الزرق العيون أتوا من شمال أوربة، ولا ريب في مجيء هؤلاء من شمال أوربة مارين، على الأرجح، من أقصى طرف غربي بإفريقية، وذلك بدليل ما بين آثارهم الحجرية في إفريقية وما بين الآثار الحجرية التي اكتشفت في شمال أوربة من المطابقة التي لا ترى مثلها عند مقايسة تلك الآثار بأثار الوندال الذين أوغلوا في إفريقية بعد الميلاد بزمن طويل.
وهنالك بعض الأدلة على هجرة شقر الشعور إلى إفريقية، ففي مصر من المباني التي أقيمت منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، أو خمسة عشر قرناً، قبل الميلاد ما رسمت عليه صور إفريقيين شقر الشعور زرق العيون، وأخبر الجغرافي سلاكس في رحلته التي
قام بها في أطراف البحر المتوسط قبل الميلاد بقرنين بوجود شعب من شقر الشعور قاطن في الولاية التي تعرف اليوم بتونس، وعدد هؤلاء قليل في الوقت الحاضر، وتراهم الآن شراذم مبعثرة في إفريقية، وترى منهم أشخاصاً بين الطوارق في الصحراء.
شكل 5 - 1: منظر تونس (من صورة فوتوغرافية).
وتفوق سود الشعور على شقر الشعور يدل على أهمية تلك الهجرة من آسية وتغلبها.
وذكر العرب البربر من الشواطئ، وكان البربر يقطنون قبل ذلك فيما بين البحر المتوسط وبلاد السودان من البقاع الواسعة، وتمازج سكان الجنوب من البربر والزنوج، فنشأت عن ذلك أمثلة من البربر مختلفة يراها من يطوف في مدن إفريقية، ولا سيما مدن مراكش.
ويقم العرق البربري من الناحية السياسية إلى عدة فروع لعرق واحد، ومن هذه الفروع القبائل في الجزائر، والطوارق في الصحراء، والشلوح في مراكش.
ونقول، مع ما نجد من صعوبة في وصف البربر وصفاً دقيقاً من الناحية الإثنوغرافية: إذا بحثت عن البربر الخلص وجدتهم يسكنون الجبال الوعرة، وأما في المدن وفي المناطق القريبة من الساحل فقد تحولوا بفعل توالدهم هم والرومان والأغارقة
والوندال وغيرهم، ولا سيما العرب الذين عادلوهم في بعض الأزمان كما تبين ذلك عما قليل.
شكل 5 - 2: قرية بربرية في الجزائر (من صورة فوتوغرافية التقطها جايزر).
ويصعب على الباحث، إذن، أن يبصر المثال البربري الخالص بعد ذلك التوالد، ونقترب من الصواب إذا قلنا إن المثال الذي نراه غالباً بين البربر يختلف عن المثال العربي بثخنه وثقله ووجهه المسطح العريض الوجنتين الضيق في أسفله، وبشفتيه الغليظتين وأنفه القصير مع قليل فطس وغالب خنس وبعينيه الصغيرتين الدجناوين وبسواد شعره، وهذا إلى أنني شاهدت من أمثلة البربر ما يصعب تمييزه من المثال العربي بسبب ما حدث بين الجيلين من التوالد لا ريب، وذلك كما ذكرت.
وللبربر لغة عريقة في القدم يحتمل أن تكون مشتقة من الفنيقية، وبهذه اللغة حرض جوغورته جنوده على ماريوس، وبها تكلم الجيتول.
وإذا استثنيت ما يسمع في إفريقية الشمالية من اللغات الأوربية علمت أن العربية والبربرية هما اللغتان اللتان يتكلم بهما سكان إفريقية الشمالية، ولكن اللغة العربية هي الأوسع انتشاراً، ولا يتكلم أحد بالبربرية في غير الجبال أو البقاع البعيدة جداً من المدن، وللبربرية لهجات كثيرة مختلفة فيما بينها اختلاف ما بين الفرنسية والإسبانية
أو بينهما وبين الإيطالية، وتعبت البربرية، كما تعرب البربر أنفسهم، نتيجة لاتصالها باللغة العربية، ويتألف نحو ثلث البربرية التي يتكلم بها سكان منطقة القبائل الكبرى من كلمات عربية، وأمر طريف مثل هذا يثبت لنا مرة أخرى مقدار تأثير العرب العظيم الذي لم يكتب مثله لأية أمة أخرى، ومن هذه الأمم اليونان والرومان الذين دام سلطانهم في شمال إفريقية دوام سلطان العرب من غير أن يتفق للغتيهم أي أثر في اللغة البربرية.
ويقطن أهل الحضر من البربر بقرى تقوم في أعالي الجبال على العموم، ويختلف منظرها قليلاً عن منظر القرى الأوربية، والبربر صبر على العمل الشاق فلا يرتدون عنه، ويثيرون ما يملكون من الأراضي الضعيفة بجد ونشاط، ويكتفون بما يمسك الرمق لاحتياجاتهم القليلة، وهم ذوو استعداد صناعي يكفي لصنع ما يحتاجون إليه من مختلف الأدوات والنسائج والأسلحة والحلي
…
إلخ، وهم يرسلون إلى الخارج ما يزيد من مصنوعاتهم، ورأيت بين ما يصنعون من الحلي ما لا يقل دقة عما تراه في مخازن أكثر الصاغة الباريسيين أناقة.
ولدراسة طبائع البربر المعروفين بالقبائل وعاداتهم التي ثبتت مع تعاقب الفاتحين أهمية خاصة: تشتمل كل قرية بربرية على أمر كثيرة مؤلفة من أناس منحدرين من أصل واحد، ومن أناس انضموا إليهم بالولاء، وتعد كل واحدة من تلك الأسر وحدة سياسية شرعية قادرة على التملك والبيع والشراء.
وتتألف القبيلة من اجتماع عدة قرى، والقرية، لا القبيلة، هي عنوان الوحدة السياسية البربرية خلافاً لما هو عند العرب، والقرية البربرية هي جمهورية صغيرة مستقلة يدير شؤونها رئيس منتخب يسمونه الأمين، وأهم وظائف هذا الأمين أن يرأس جمعية البالغين من أهل قريته، وتتمتع هذه الجمعية بالسلطة الاشتراعية والسلطة القضائية وتقرر شؤون السلم والحرب، وسلطة أمين القرية مقيدة جداً، والوكيل هو الذي يرقبه، والوكيل هو الذي يشكوه إلى تلك الجمعية إذا أتى عملاً يستحق اللوم والتعنيف، ومن ذلك ترى أن الاستقلال البلدي الذي يحلم به بعض الاشتراكيين تام عند البربر الذين حرموا بسببه تأليف أمة في كل زمن.
والامتلاك أمر فردي عند البربر، ولكن للأسرة البربرية وللقرية البربرية أملاكهما المماثلة لأملاك بلدياتنا، والأسرة البربرية هي الوارثة حين لا يكون للمورث ورثة أو حين يكون ورثته بعيدين.
وقانون العقوبات عند البربر بسيط، وعقوبات البربر فاضحة على الخصوص، ولا يعرف البربر أمر السجون، وتندر عندهم الجرائم، ولا سيما السرقة، ويعيش البربري في
غير معزل عن عشيرته؛ فيخشى مغنبة الإجرام، ويُرى للرأي العام سلطان عظيم في تلك الجمهوريات البربرية الميكروسكوبية التي يُعرف فيها كل واحد من أفرادها.
شكل 5 - 3: بربري من الجزائر (من صورة فوتوغرافية).
ويدين البربر في الوقت الحاضر بالإسلام مع فتور، وكان البربر قبل الفتح العربي يعبدون آلهة قرطاجة كـ «غرزيل ومستبمان» وغيرهما من الآلهة القساة، وروي ترتوليان أن البربر كانوا يضحون ببعض الأولاد تقرباً إلى إله الزمن كيوان؛ وكانوا يعبدون النار أيضاً، وانتحل النصرانية كثير من قبائل البربر المجاورة للمستعمرات اليونانية أيام الحكم المسيحي.
ويقتصر البربري على زوجة واحدة، ولا تتمتع المرأة البربرية بأكثر مما تتمتع به الأوربيات من الحقوق، وإن كانت في وصاية أقل مما هن فيه.
والمرأة البربرية على جانب كبير من الحمية، وهي تحارب بجانب زوجها أحياناً، وخلد أوميرس ذكرها حين تغنى بخبر تلك الملكة والنسوة المترجلات اللائي فتحن بلاد لوبية وبعض آسية الصغرى.
شكل 5 - 4: امرأة بربرية تصنع الكسكسو (من صورة فوتوغرافية).
ومن النساء البربريات من جلس على عرش الملك، ويدل هذا الأمر، الذي ينفر منه العرب كثيراً، على تباينهما في النظر إلى بعض الشؤون.
ولقي العرب الأمرين في دور فتوحهم، وذلك من مقاومة الملكة البربرية الكاهنة التي ألفت بين كثير من قبائل البربر، وتسلمت القيادة، وقاتلت العرب، وكتب لها النصر في المعركة الأولى وهزمت العرب، واستولت على جميع شمال إفريقية، ولما عاود العرب الكرة بجيش عرمرم عزمت الكاهنة على تخريب البلاد؛ لمنعهم من فتحها ثانية، فهدمت جميع القرى التي كانت بين طرابلس الغرب وطنجة، وكاد مصير شعب هذه السيدة، التي ألقت الرعب في قلوب العرب والروم، يكون غير ما حدث لو لم تقتل في إحدى المعارك.
وانتهى العلماء الذين بحثوا في أمر البربر إلى نتائج متناقضة كثيراً، ويمكن توفيق ما بين هذه النتائج المتناقضة عند تدبر ما قلناه عن أخلاق العرب التي تختلف باختلاف
طرق حياتهم، فما قلناه عن العرب يصح أن يقال عن البربر الذين تباينت فروعهم فتباينت طبائعهم، وصار ما يقال عن الطوارق البدويين النهابين الغدارين لا يقال مثله عن سكان الجبال من البربر.
وقد تعد روح البربر قريبة جداً من روح العرب على أن يقاس حضريو أولئك وبدويوهم بحضريي هؤلاء وبدوييهم.
شكل 5 - 5: أحد أبواب مسجد سيدي عقبة في القيروان (من صورة فوتوغرافية).
ولطرق الحياة تأثير كبير في أخلاق جميع الأمم، فإذا تماثلت طرق حياة الأمم تماثلت هذه الأمم في التفكير والسير في الغالب.
والبربري الحضري، كالعربي الحضري، جَلْدٌ على العمل صبور حازم ماهر، والبربري البدوي، كالعربي البدوي، طليق محراب قنوع خفيف طواق للمشاق ختار للأعداء، ولا يختلف البربري عن العربي إلا في أنه أقل من العربي ذكاء وأشد منه حقداً وطغياناً.
وتجلى غدر البربر منذ أوائل الفتح العربي، فلما سأل الخليفة في دمشق فاتح إسبانية موسى بن نصير عن البربر، أجابه بقوله:«هم أشبه العجم بالعرب لقاءً ونجدة وصبراً وفروسية، غير أنهم أغدر الناس، ولا وفاء لهم ولا عهد.»
واشتهر البربر قبل الفتح العربي بطويل زمن بأنهم ممن لا يوثق بكلامهم، وقد كان عددهم كبيراً في جيوش قرطاجة، فأوجبوا اشتهار الحروب اليونانية بسوء السمعة لا ريب.
ولم يكن تقسيم البربر إلى أهل بدو وأهل حضر أقل أهمية من تقسيم العرب إلى مثل هذا كما يرى، وإلى هذا انتبه ابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي فقال:«هذا الجيل من الآدميين هم سكان المغرب القديم ملأوا البسائط والجبال من تلوله وأريافه وضواحيه وأمصاره، ويتخذون البيوت من الحجارة والطين ومن الخوص والشجر ومن الشعر والوبر، ويظعن أهل العر منهم والغلبة لاتتجاع المراعي فيما قرب من الرحلة لا يجاوزون فيها الريف إلى الصحراء والقفار الملس، ومكاسبهم الشاء والبقر، والخيل في الغالب للركوب والنتاح، وربما كانت الإبل من مكاسب أهل النجعة منهم، شأن العرب، ومعاش المستضعفين منهم بالفلح ودواجن السائمة، ومعاش المعتزين أهل الانتجاع والإظعان في نتاج الإبل وظلال الرماح وقطع السابلة.»
وظهر مما تقدم خطأ كثير من المؤلفين المعاصرين الذين رأوا أن يفرقوا بين العرب والبربر، فزعموا أن البربر أهل حضر وزراعة وأن العرب أهل بدو، وانتهوا إلى قولهم: إن البربر أهل للتمدن، وإن العرب غير أهل له؛ وذلك عندما تكلموا عن سكان بلاد الجزائر.
ولكن نتيجة مثل هذه تقوم على أساس باطل، وذلك أن العرب والبربر أهل حضر وأهل بدو على سواء، وأن هذين الطرازين يصدران عن البيئة التي يكونون فيها بالحقيقة، فترى العربي حضرياً دائماً في البقاع الخصيبة من جزيرة العرب ومصر والجزائر، وتراه بدوياً، وبدوياً دائماً، في الصحاري الرملية من تلك الأقطار.
ومن يسكن الصحراء الكبرى من عرب أو بربر أو من أية أمة أخرى لا يكون إلا بدوياً، ومن ذلك أنك تبصر الطوارق الذين هم بربر تخلص من النوميديين عريقين في البداوة، فيقوم معاشهم على الحرب والسلب والنهب خاصة، كأعراب جزيرة العرب، وأنك تبصير البربر من سكان الجبال، التي تتعذر معيشة أهل البدو فيها، يبنون البيوت ويزاولون أمور الزراعة.
وذلك هو شأن البربر قبل فتح العرب لإفريقية وبعده، ويتعذر حمل بدوييهم، الذين تأصلت فيهم البداوة بفعل القرون حتى صارت فيهم طبيعة ثانية، على الحضارة
شكل 5 - 6: مئذنة مسجد سيدي عقبة الكبير في القيروان (من صورة فوتوغرافية).
والاستقرار ومزاولة الزراعة كما يتعذر منع كلب الصيد من تعقب الطرائد، وقد يتم ذلك، ولكن بعد قرون، لا في يوم واحد.
وإذا ما قيس البربر الحضريون بالعرب الحضريين لم ير ما يسوغ الادعاء بأن البربر أكثر استعداداً للتمدن من العرب، وعكس ذلك ما تثبته حوادث التاريخ، فلقد بلغ العرب، لا البربر، درجة رفيعة من الحضارة.
وأرى العرب والبربر غير مستعدين في الوقت الحاضر، لهضم طرق حياة الأوربيين ومشاعرهم ونظرهم إلى الأمور، وذلك أن الحضارة عند أكثر الأوربيين هي قضاؤهم المعظم أوقاتهم، وإن شئت فقل عشر ساعات أو اثنتي عشرة ساعة، في المعامل أو المكاتب أو الحقول؛ لنيل عيشهم اليومي على أن يستأنفوا العمل في الغد، وأن عيشا مثل هذا مما لا يرضاه العربي والبربري اللذان ليس لديهما من الاحتياجات المصنوعة ما عند الأوربي، واللذان يأبيان أن يكون لهما مثل تلك الاحتياجات.