المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(4) حياة محمد وأخلاقه - حضارة العرب - غوستاف لوبون

[غوستاف لوبون]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المترجم

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌الباب الأولالبيئة والعرق

- ‌الفصل الأولجزيرة العرب

- ‌(1) جغرافية جزيرة العرب:

- ‌(2) إنتاج جزيرة العرب:

- ‌(3) أقسام جزيرة العرب:

- ‌(3 - 1) بلاد الحجر العربية (بطرا):

- ‌(3 - 2) بلاد نجد:

- ‌(3 - 3) بلاد الحجاز:

- ‌(3 - 4) بلاد عسير

- ‌(3 - 5) بلاد اليمن

- ‌(3 - 6) بلاد حضرموت ومهرة وعمان والأحساء

- ‌الفصل الثانيالعرب

- ‌(1) مبدأ العرق كما أقرته العلوم الحديثة

- ‌(2) أهمية الأخلاق في تقسيم العروق

- ‌(3) منشأ العرب

- ‌(4) تنوع شعوب العرب

- ‌(5) وصف الفوارق بين العرب

- ‌(5 - 1) عرب جزيرة العرب

- ‌(5 - 2) عرب سورية

- ‌(5 - 3) عرب مصر

- ‌(5 - 4) عرب إفريقية

- ‌(5 - 5) عرب إسبانية

- ‌(5 - 6) عرب الصين

- ‌الفصل الثالثالعرب قبل ظهور محمد

- ‌(1) الوهم في همجية العرب قبل ظهور محمد

- ‌(2) تاريخ العرب قبل ظهور محمد

- ‌(3) حضارة جزيرة العرب قبل ظهور محمد

- ‌(4) أديان جزيرة العرب القديمة

- ‌الباب الثانيمصادر قوة العرب

- ‌الفصل الأولمحمد: نشوء الدولة العربية

- ‌(1) فُتُؤَّة محمد

- ‌(2) رسالة محمد

- ‌(3) محمد بعد الهجرة

- ‌(4) حياة محمد وأخلاقه

- ‌الفصل الثانيالقرآن

- ‌(1) خلاصة القرآن

- ‌(2) فلسفة القرآن - انتشاره في العالم

- ‌الفصل الثالثفتوح العرب

- ‌(1) حال العالم في زمن محمد

- ‌(2) طبيعة فتوح العرب

- ‌(3) خلفاء محمد الأولون

- ‌(4) خلاصة تاريخ العرب

- ‌القرن الثالث من الهجرة:

- ‌القرن الرابع من الهجرة:

- ‌القرن الخامس من الهجرة:

- ‌القرن السادس من الهجرة:

- ‌‌‌القرن السابع من الهجرة:

- ‌القرن السابع من الهجرة:

- ‌الباب الثالثدولة العرب

- ‌الفصل الأولالعرب في سورية

- ‌(1) اختلاف البيئات التي لاقاها العرب

- ‌(2) استقرار العرب بسورية

- ‌(3) حضارة سورية أيام سلطان العرب

- ‌(4) المباني التي تركها العرب في سورية

- ‌(4 - 1) جامع عمر

- ‌(4 - 2) المسجد الأقصى

- ‌(4 - 3) المباني العربية الأخرى في القدس

- ‌(4 - 4) برج الرملة العربي

- ‌(4 - 5) مباني العرب في دمشق

- ‌الفصل الثانيالعرب في بغداد

- ‌(1) حضارة العرب في الشرق في دور الخلافة ببغداد

- ‌الفصل الثالثالعرب في بلاد فارس والهند

- ‌(1) العرب في بلاد فارس

- ‌(2) العرب في بلاد الهند

- ‌(2 - 1) منارة قطب

- ‌(2 - 2) باب علاء الدين

- ‌(2 - 3) مزار ألتمش

- ‌(2 - 4) معبد بندرابن

- ‌(2 - 5) مزار أكبر في سكندرا

- ‌(2 - 6) تاج محل في أغرا

- ‌(2 - 7) مسجد المعطي أو مسجد اللؤلؤ في أغرا

- ‌(2 - 8) المسجد الكبير في دهلي

- ‌(2 - 9) قصر المغول في دهلي (أو قلعة شاهجهان)

- ‌الفصل الرابعالعرب في مصر

- ‌(1) حال مصر حين الفتح العربي

- ‌واسمع جواب عمرو بن العاص:

- ‌(2) استيلاء العرب على مصر

- ‌(3) حضارة العرب في مصر

- ‌(4) مباني العرب في مصر

- ‌(4 - 1) جامع عمرو بن العاص (21 هـ/642 م)

- ‌(4 - 2) جامع ابن طولون (243 هـ/876 م)

- ‌(4 - 3) الجامع الأزهر (359 هـ/970 م)

- ‌(4 - 4) جامع قلاوون (683 هـ/ 1283 م)

- ‌(4 - 5) جامع السلطان حسن (757 هـ/1356 م)

- ‌(4 - 6) جامع برقوق (784 هـ/1384 م)

- ‌(4 - 7) جامع المؤيد (818 هـ/1415 م)

- ‌(4 - 8) جامع قايتباي (872 هـ/ 1468 م)

- ‌(4 - 9) المساجد التركية في القاهرة

- ‌(4 - 10) الآثار العربية الأخرى في القاهرة

- ‌الفصل الخامسالعرب في إفريقية الشمالية

- ‌(1) إفريقية الشمالية قبل الفتح العربي

- ‌(2) استقرار العرب بإفريقية

- ‌(3) مباني العرب في شمال إفريقية

- ‌(3 - 1) جامع القيروان

- ‌(3 - 2) مسجد سيدي أبي مدين في تلمسان

- ‌(3 - 3) مساجد الجزائر

- ‌(3 - 4) مساجد مراكش

- ‌الفصل السادسالعرب في إسبانية

- ‌(1) إسبانية قبل العرب

- ‌(2) استقرار العرب بإسبانية

- ‌(3) حضارة العرب في إسبانية

- ‌(4) مباني العرب في إسبانية

- ‌(4 - 1) المباني العربية في قرطبة

- ‌(4 - 2) المباني العربية في طليطلة

- ‌(4 - 3) المباني العربية في إشبيلية

- ‌(4 - 4) المباني العربية في غرناطة

- ‌الفصل السابعالعرب في صقلية وإيطالية وفرنسة

- ‌(1) العرب في صقلية وإيطالية

- ‌(2) حضارة العرب في صقلية

- ‌(3) غزو العرب لفرنسة

- ‌الفصل الثامناصطراع النصرانية والإسلامالحروب الصليبية

- ‌(1) منشأ الحروب الصليبية

- ‌(2) خلاصة الحروب الصليبية

- ‌(3) نتائج الحروب الصليبية بين الغرب والشرق

- ‌الباب الرابعطبائع العرب ونظمهم

- ‌الفصل الأولأهل البدو وأهل الأرياف من العرب

- ‌(1) تمثل حياة قدماء العرب

- ‌(2) حياة أهل البدو من العرب

- ‌(3) حياة أهل الأرياف من العرب

- ‌(3 - 1) الحياة الاجتماعية

- ‌(3 - 2) المساكن

- ‌(3 - 3) الطعام

- ‌(3 - 4) الأزياء

- ‌الفصل الثانيعرب المدن: طبائعهم وعاداتهم

- ‌(1) المجتمع العربي

- ‌(2) المدن العربية، البيوت، الأسواق…إلخ

- ‌(2 - 1) المدن العربية

- ‌(2 - 2) المساكن

- ‌(2 - 3) الأسواق

- ‌(3) الأعياد والاحتفالات: الولادة، والختان، والزواج، والدفن

- ‌(3 - 1) الولادة والختان

- ‌(3 - 2) الزواج

- ‌(3 - 3) المآتم

- ‌(4) مختلف عادات العرب: الحمامات، القهوات، التدخين، تعاطي الحشيش)

- ‌(4 - 1) الحمَّامات

- ‌(4 - 2) القهوات والتدخين وتعاطي الحشيش

- ‌(5) الألعاب والتمثيل والراقصون والقاصُّون…إلخ

- ‌الفصل الثالثنظُم العرب السياسية والاجتماعية

- ‌(1) مصدر نظم العرب

- ‌(2) نُظُم العرب الاجتماعية

- ‌(3) نظم العرب السياسية

- ‌الفصل الرابعالمرأة في الشرق

- ‌(1) أسباب تعدد الزوجات في الشرق

- ‌(2) تأثير الإسلام في أحوال النساء في الشرق

- ‌(3) الزواج عند العرب

- ‌(4) الحريم في الشرق

- ‌الفصل الخامسالدينُ والأخلاق

- ‌(1) تأثير الدين في المسلمين

- ‌(2) الطقوس الدينية في الإسلام

- ‌(2 - 1) الفِرَق الإسلامية

- ‌(2 - 2) المباني الدينية

- ‌(3) الأخلاق في الإسلام

- ‌الباب الخامسحضارة العرب

- ‌الفصل الأولمصادر معارف العرب: تعليمهمومناهجهم

- ‌(1) مصادر معارف العرب العلمية والأدبية

- ‌(2) مناهج العرب العلمية

- ‌الفصل الثانياللغة والفلسفة والآداب والتاريخ

- ‌(1) اللغة العربية

- ‌(2) فلسفة العرب

- ‌(3) الأدبُ العربيُّ

- ‌(3 - 1) الشعر عند العرب

- ‌(3 - 2) الروايات والأقاصيص

- ‌(3 - 3) الحكايات والأمثال

- ‌(3 - 4) التاريخ

- ‌(3 - 5) البيان والبلاغة

- ‌الفصل الثالثالرياضيات وعلم الفلك

- ‌(1) الرياضيات

- ‌(2) علم الفلك عند العرب

- ‌الفصل الرابعالعلوم الجغرافية

- ‌(1) ريادات العرب الجغرافية

- ‌(2) التقدم الذي حققه العرب في الجغرافية

- ‌الفصل الخامسالفيزياء وتطبيقاتها

- ‌(1) الفيزياء والميكانيكا

- ‌(2) الكيمياء

- ‌(3) العلوم التطبيقية: الاكتشافات

- ‌(3 - 1) (المعارف الصناعية)

- ‌بارود الحرب والأسلحة النارية

- ‌الوِراقة

- ‌استخدام البوصلة في الملاحة

- ‌الفصل السادسالعلوم الطبيعية والطِّبية

- ‌(1) العلوم الطبيعية

- ‌(2) العلوم الطبية

- ‌(2 - 1) آثار العرب الطبية

- ‌علم الصحة عند العرب

- ‌تقدُّم العرب في الطب

- ‌الفصل السابعالفنون العربيةالرسم والحفر والفنون الصناعية

- ‌(1) أهمية الآثار الفنية في بعث الأدوار

- ‌(2) مصادر الفنون العربية:

- ‌(3) الجمال في فنون العرب:

- ‌(4) الفنون الصناعية العربية:

- ‌(4 - 1) التصوير:

- ‌(4 - 2) صنع التماثيل:

- ‌(4 - 3) صناعة المعادن والحجارة الثمينة:

- ‌(4 - 4) النقود والأوسمة:

- ‌(4 - 5) المصنوعات الخشبية:

- ‌(4 - 6) الفسيفساء:

- ‌(4 - 7) صناعة الزجاج:

- ‌(4 - 8) الصناعة الخزفية:

- ‌(4 - 9) المنسوجات والبسط والزرابي:

- ‌الفصل الثامنفن عمارة العرب

- ‌(1) معرفتنا الحاضرة لفن عمارة العرب

- ‌(2) عناصر فن عمارة العرب المميزة:

- ‌(3) المقابلة بين مباني العرب الفنية:

- ‌(3 - 1) مباني بلاد سورية:

- ‌(3 - 2) مباني بلاد مصر:

- ‌(3 - 3) مباني بلاد إفريقية الشمالية:

- ‌(3 - 4) مباني بلاد صقلية:

- ‌(3 - 5) مباني بلاد الأندلس:

- ‌(3 - 6) مباني بلاد الهند:

- ‌(3 - 7) مباني بلاد فارس:

- ‌ ولذا يمكننا أن نأتي بالتقسيم الآتي الذي يلائم معارفنا الحاضرة:

- ‌(أ) الطراز العربي قبل ظهور محمد:

- ‌(ب) الطراز البيزنطي العربي:

- ‌(ج) الطراز العربي الخالص:

- ‌(د) الطراز العربي المختلط:

- ‌الفصل التاسعتجارة العرب: صلاتهم بمختلف الأمم

- ‌(1) صلات العرب بالهند:

- ‌(2) صلات العرب بالصين:

- ‌(3) صلات العرب بإفريقية:

- ‌الفصل العاشرتمدين العرب لأوربة: تأثيرهم في الشرق والغرب

- ‌(1) تأثير العرب في الشرق:

- ‌(2) تأثير العرب في الغرب:

- ‌(2 - 1) تأثير العرب العلمي والأدبي:

- ‌(2 - 2) تأثير العربي في فن العمارة

- ‌(2 - 3) تأثير العرب في الطبائع:

- ‌الباب السادسانحطاط حضارة العرب

- ‌الفصل الأولورثة العربتأثير الأوربيين في الشرق

- ‌(1) ورثة العرب في الأندلس:

- ‌(2) ورثة العرب في مصر والشرق:

- ‌(3) ورثة العرب في الهند:

- ‌(4) شأن الأوربيين في الشرق: سبب إخفاقهم

- ‌الفصل الثانيأسباب عظمة العرب وانحطاطهمحالُ الإسلام الحاضرة

- ‌(1) أسباب عظمة العرب

- ‌(2) أسباب انحطاط العرب

- ‌(3) مقام العرب في التاريخ:

- ‌(4) حال الإسلام الحاضرة:

الفصل: ‌(4) حياة محمد وأخلاقه

(4) حياة محمد وأخلاقه

تكلمنا عن حياة محمد العامة فيما تقدم، والآن نبحث في أخلاقه وحياته الخاصة، مستعينين بأسانيد العرب وآثارهم، قال المؤرخ العربي أبو الفداء في وصف محمد مستنداً إلى ما روي عن أصحابه: «وصفه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: كان النبي (ليس بالطويل ولا بالقصير، ضخم الرأس كث اللحية شثن الكفين والقدمين ضخم الكرادييس مشرباً وجهه حمرة، وقيل: كان أدعج العينين سبط الشعر سهل الخدين كأن عنقه إبريق فضة، وقال أنس: لم يشنه الله بالشيب، كان في مقدم لحيته عشرون شعرة بيضاء، وفي مفرق رأسه شعرات بيض

وكان (أرجح الناس عقلاً، وأفضلهم رأياً، يكثر الذكر، ويقل اللغو، دائم البشر، مطيل الصمت، لين الجانب، سهل الخلق، وكان عنده القريب والبعيد والقوي والضعيف في الحق سواء، وكان يحب المساكين، ولا يحقر فقيراً لفقره، ولا يهاب ملكاً لملكه، وكان يؤلف قلوب أهل الشرف، وكان يؤلف أصحابه، ولا ينفرهم، ويصابر من جالسه ولا يحيد عنه حتى يكون الرجل هو المنصرف، وما صافحه أحد فيترك يده حتى يكون ذلك الرجل هو الذي يترك يده، وكذلك من قاومه لحاجة يقف رسول الله (معه حتى يكون الرجل هو المنصرف، وكان يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، وكان يحلب العنز، ويجلس على الأرض، وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويلبس المخصوف والمرقوع، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله (من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، وكان يأتي على آل محمد الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار، وكان قوتهم التمر والماء، وكان رسول الله (يعصب على بطنه الحجر من الجوع.»

ويضاف إلى الوصف السابق ما رواه مؤرخو العرب الآخرون من أن محمداً كان شديد الضبط لنفسه، كثير التفكير، صموتاً حازماً، سليم الطوية، عظيم العناية بنفسه مواظباً على خدمتها بالذات حتى بعد اغتنائه.

وكان محمد صبوراً قادراً على احتمال المشاق ثابتاً بعيد الهمة لين الطبع وديعاً، فذكر أحد خدمه أنه ظل عنده ثماني عشرة سنة وأنه لم يعزره قط في هذه المدة ولو مرة واحدة.

وكان محمد مقاتلاً ماهراً، وكان لا يهرب أمام المخاطر، ولا يلقي بيديه إلى التهلكة، وكان يعمل ما في الطاقة؛ لإنماء خلق الشجاعة والإقدام في بني قومه.

ص: 115

ويقال: إن محمداً كان قليل التعليم ونرجح ذلك، وإلا لوجدت في تأليف القرآن ترتيباً أكثر مما فيه، ونرجح أيضاً أن محمداً لو كان عالماً ما أقام ديناً جديداً، فالأمميون وحدهم هم الذين يعرفون كيف يدرك أمر الأميين.

وكان محمد عظيم الفطنة سواء أكان متعلماً أم غير متعلم، وتذكرنا حكمته بما عزته كتب اليهود إلى سليمان.

شاءت الأقدار أن يكون محمد، وقد كان شاباً، حكماً بين أقطاب قريش الذين كادوا يقتتلون، حين اختلفوا في من يضع في أحد جوانب الكعبة ذلك الحجر الأسود الشهير الذي كان العرب يعتقدون أن ملكاً جاء به من السماء إلى إبراهيم، فقال محمد الشاب أمام الخصوم الذين أوشكوا أن يلجأوا إلى السلاح:«هلم إلى ثوبا» ، فأتي به فنشره، وأخذ الحجر الأسود، ووضعه بيده فيه، ثم قال:«ليأخذ كبير كل قبيلة بطرف من أطراف هذا الثوب» ، فحملوه جميعاً إلى ما يحاذي موضع الحجر من البناء، ثم تناوله محمد من الثوب ووضعه في موضعه، وانحسم الخلاف.

وضعف محمد الوحيد هو حبسه الطارئ للنساء، وهو الذي اقتصر على زوجته الأولى حتى بلغ الخمسين من عمره، ولم يخف محمد حبه للنساء فقد قال:«حبب إليَّ من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة.»

ولم يبال محمد بسن المرأة التي يتزوجها، فتزوج عائشة وهي بنت عشر سنين، وتزوج ميمونة وهي في الحادية والخمسين من سنيها.

وأطلق محمد العنان لهذا الحب، حتى إنه رأى اتفاقاً زوجة ابنه بالتبني وهي عارية، فوقع في قلبه منها شيء، فسرحها بعلها ليتزوجها محمد، فاغتم المسلمون، فأوحي إلى محمد، بواسطة جبريل الذي كان يتصل به يومياً، آيات تسوغ ذلك، وانقلب الانتقاد إلى سكوت.

وتزوج محمد أربع نسوة في سنة واحدة، وبلغ عدد من تزوجهن خمس عشرة امرأة، واجتمع منهن إحدى عشرة في وقت واحد، وقد يرى الأوربي أن هذا العدد كبير، ولكن الشرقيين لا يرون إفراطاً فيه ما رأوا أنه يمكن النبي أن يتزوج نساء أكثر من أولئك لو سمح لنفسه أن يسير على غرار الملك سليمان العظيم الذي هو أكثر ملوك التوراة حكمة.

ولم يثبت، تماماً، وفاء زوجات محمد الكامل له، ويظهر أن محمداً لاقي من المكاره الزوجية ما يندر وجوده عند الشرقيين ويكثر وقوعه لدى الأوربيين، وكانت عائشة موضوع قلق له على الخصوص، وأصبحت ذات مرة موضع قالة سوء فشهد بعصمتها

ص: 116

جبريل المحب للخير دائماً، ودونت شهادته في هذه المسألة الحساسة في القرآن، وحظر الشك.

وعرف محمد في آخر الأمر، ما ينجم عن زيادة عدد الزوجات من المفاسد والشرور، وحرم محمد على المسلم أن يجمع أكثر من أربع زوجات، ولم يكن محمد هو الذي أباح تعدد الزوجات بين العرب، فتعدد الزوجات مما عرفته أمم آسية على اختلاف مللها ونحلها قبل النبي، ولا يزال تعدد الزوجات شائعاً بين هذه الأمم.

وكان محمد قليل المسامحة نحو النساء مع ميله الشديد إليهن، ومع أن محمداً لم يبلغ في شدته درجة رجال التوراة وصفهن في القرآن بأنهن ينشأن في الحلية ويخاصمن من غير سبب، وقال:«ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» ، وروى أبو الفداء أن محمداً ذكر أنه كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء سوى أربع: امرأة فرعون: آسية، وأم عيسى: مريم، وزوجة النبي: خديجة، وبنت النبي: فاطمة.

وأولاد محمد هم من زوجته الأولى خديجة التي هي ثالثة نساء العالم الأربع الكاملات، وثلاثة ذكور من أولاده السبعة ماتوا صغاراً، ولم يبق له سوى أربع بنات تعد أشهرهن فاطمة.

ومات محمد عن تسع أيامي، وحرم عليهن الزواج بعد وفاته احتراماً لحظره مهما كان عزاؤهن.

ولم يقل محمد إنه يأتي بالخوارق مع إيمانه برسالته، وعزا المسلمون إليه خوارق كثيرة مجاراة للعنعنات الشائعة القائلة إنه لا نبوة بغير خوارق، وإليك قول مسيو كاز يميرسكي الوجيز:

انشق القمر بطلبه فرقتين على مشهد من الملأ، ووقفت الشمس بدعوته على الجبال والأرض حتى يؤدي على صلاة العصر بعد أن أفاق النبي من غفوته ورأسه على ركبتي علي الذي أخبره بأنه لم يؤدها حرصاً على راحته، وكان يظهر، وهو المعتدل القامة، أطول من كل شخص يسير بجانبه، وكان النور يسطع من وجهه، ويشع من بين أصابعه حين يضع يده على وجهه، وكانت الحجارة والأشجار والنباتات تسلم عليه وتنحني أمامه، وكانت الحيوانات، كالظباء والذئاب والضباب، تكلمه، وكانت الجديان تخاطبه وهي مشوية، وكان الجن يخافونه ويؤمنون برسالته لما له من السلطان المطلق عليهم، وكان

ص: 117

يرد البصر للعمي ويشفي المرضى ويحيي الموتى، وأنزل من السماء مائدة لعلي وأسرته حين جاعوا، وأنبأ بأن ذرية فاطمة سينالها جور وعدوان، وبأن ملك بني أمية سيدوم ألف شهر، فحدث كما أخبر

إلخ.

وفضلاً عن ذلك فإنه أثبت للمسلمين الصالحين أنه أسري بمحمد ليلاً على ظهر حيوان خيالي يسمى البراق، والبراق دابة مجنحة لها وجه المرأة وجسم الفرس وذنب الطاووس، ويعتقد المسلمون أن محمداً اخترق السماوات السبع في معراجه حتى بلغ عرش الإله.

شكل 1 - 4: ضريح فاطمة بنت محمد في المقبرة الكبرى بدمشق (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف).

وقيل: إن محمداً كان مصاباً بالصرع، ولم أجد في تواريخ العرب ما يبيح القطع في هذا الرأي، وكل ما في الأمر هو ما رواه معاصرو محمد، وعائشة منهم، من أنه كان إذا نزل الوحي عليه اعتراه احتقان وجهي فغطيط فغشيان، وإذا عدوت هوس محمد، ككل مفتون، وجدته حصيفاً سليم الفكر.

ويجب عد محمد من فصيلة المتهوسين من الناحية العلمية كما هو واضح، وذلك كأكثر مؤسسي الديانات، ولا كبير أهمية لذلك، فأولو الهوس وحدهم، لا ذوو المزاج البارد من المفكرين، هم الذين ينشئون الديانات ويقودون الناس، ومتى يبحث في عمل المفتونين في العالم يعترف بأنه عظيم، وهم الذين أقاموا الأديان وهدموا الدول وأثاروا الجموع وقادوا البشر، ولو كان العقل، لا الهوس، هو الذي يسود العالم؛ لكان للتاريخ مجرى آخر.

ص: 118

ولا يقف أي قول بخداع محمد ثانية أمام سلطان النقد كما يلوح لي، ومحمد كان يجد في هوسه ما يحفزه إلى اقتحام كل عائق، ويجب على من يود أن يفرض إيمانه على الآخرين أن يؤمن بنفسه قبل كل شيء، ومحمد كان يعتقد أنه مؤيد من الله، فيتقوى، ولا يرتد أمام أي مانع.

وجمع محمد قبل وفاته كلمة العرب، وخلق منهم أمة واحدة خاضعة لدين واحد مطيعة لزعيم واحد، فكانت في ذلك آيته الكبرى.

ومن العبث أن نبحث في: هل كانت هذه النتائج التي بلغها محمد مما توخاه قبلا؟ ونحن إذ لم نؤت سوى علم قليل عن علل ارتباط الحوادث التي نذعن لحكمها طوعاً أو كرهاً ترانا مضطرين إلى مجاراة المؤرخين في رأيهم أن ما بلغه أعاظم الرجال، ومنهم محمد، من النتائج هو مما كانوا يسعون إلى تحقيقه، ورأي مثل هذا، وإن كان لا يسلم به على علاته، لا نخوض في نقضه؛ لما في ذلك من الخروج عن موضوع هذا الكتاب.

ومهما يكن من أمر فإن مما لا ريب فيه أن محمداً أصاب في بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التي ظهرت قبل الإسلام، ومنها اليهودية والنصرانية، ولذلك كان فضل محمد على العرب عظيماً، ويتجلى هذا الفضل العظيم في جواب رسل عمر بن الخطاب إلى كسرى حين سألهم عن أعمال النبي، قال هؤلاء الرسل:

فأما ما ذكرت من سوء حالنا فما كان أحد أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، فكنا نرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فكانت ظهر الأرض، ولم نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم، كان ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً ويغير بعضنا على بعض، وكان أحدنا يدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامنا، فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرنا لك، فبعث الله إلينا رجلاً معروفاً نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، فقذف الله في قلوبنا التصديق له، واتباعه، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله، فقال لنا: «إن ربكم يقول: إني أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت إذ لم يكن شيء وكل شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كل شيء وإلي يصير كل شيء، وإن رحمتي أدركتكم فبعث إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دار السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق.

ص: 119

وإذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد من أعظم من عرفهم التاريخ، وأخذ بعض علماء الغرب ينصفون محمداً مع أن التعصب الديني أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله. قال العلامة بارتلمي سنت هيلر:«كان محمد أكثر عرب زمانه ذكاء وأشدهم تديناً وأعظمهم رأفة، ونال محمد سلطانه الكبير بفضل تفوقه عليهم، ونعد دينه الذي دعا الناس إلى اعتقاده جزيل النعم على جميع الشعوب التي اعتنقته.»

فما سر هذا الدين الذي خضع لحكمه ملايين من الناس؟ وما الحقائق التي أرشد العالم إليها؟ ذلك ما نبحث فيه عما قليل.

ص: 120