الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول
ورثة العرب
تأثير الأوربيين في الشرق
(1) ورثة العرب في الأندلس:
إن من أحسن الوسائل لتقدير ما لأمةٍ من التأثير النافع أو الضار في أمة أخرى هو أن يبحث في أحوال هذه الأمة قبل أن تخضع للنفوذ الأجنبي وفي أثناء خضوعها له وبعد خلاصها منه؛ فأما أحوال الأمم التي دانت للعرب قبل خضوعها لهم وفي أثناء حكمهم لها فقد بحثنا فيها بما فيه الكفاية، وأما أحوالها، بعد أن غاب العرب عن مسرح العالم، فنبحث فيها الآن بادئين بإسبانية.
لم يفكر النصارى، بعد أن استردوا غرناطة التي كانت مَعْقِل الإسلام الأخير في أوربة، في السير على سنة العرب في التسامح الذي رأوه منهم عدة قرون؛ بل أخذوا يضطهدون العرب بقسوة عظيمة على الرغم من العهود، ولكنهم لم يعزموا على طردهم جميعهم إلا بعد مرور قرن، ومع ما كان يصيب العرب من الاضطهاد كان تفوقهم الثقافي على الإسبان عاملاً في بقائهم على رأس جميع الصناعات، وكان من الصواب اتهام الإسبان إياهم بالاستيلاء على جميع المهن.
وطالب الشعب بطردهم فقط، وبدا الإكليروس متطرفاً فأشار بقتلهم جميعاً رجالاً ونساءً وشيوخاً وأطفالًا، وسلك فليب الثاني طريقاً وسطاً فاكتفى بإعلان طردهم في سنة 1610 م، ولكنه أمر بأن يُقتل أكثرهم قبل أن يوفقوا لترك إسبانية، فقتل ثلاثة أرباعهم تقريباً.
وتم الجلاء والذبح، وعم الفرح إسبانية؛ لما ظن من دخولها عهداً جديداً.
شكل 1 - 1: قصر حديث في بهنا (البرتغال، طراز إسباني عربي، من صورة فوتوغرافية)
حقاً لقد ظهر عهدٌ جديد ما وجدت نتائج عظيمةٌ لهذا الاستئصال الجامع الذي لا نظير له في التاريخ، ويكون تقديرنا لأهمية هذه النتائج أتم إذا ما رجعنا بعض السنين إلى الخلف، وبحثنا في أمر إسبانية بعد اختفاء سلطان العرب السياسي عنها.
رأى النصارى، الذين هاجروا إلى المناطق الجبلية فراراً من سلطان العرب، إمكان إعادة دولتهم القديمة من بعد ما شاهدوا بدء تضعضع سلطان المسلمين في الأندلس بفعل تنافسهم وحروبهم الداخلية.
ولم تكلل أعمال هؤلاء النصارى بالنجاح في البداءة، ولكنهم لم يهنوا؛ لما كان يغلي في عروقهم من الحمية الدينية، وقد صار لهم ما للعرب من الخبرة الحربية بفضل الوقائع التي اشتركوا فيها عدة قرون ما دام القتال مهنتهم الوحيدة، وقد ساعدهم انقسام العرب على النجاح فاستطاعوا، بعد حروب طويلة، أن يقيموا دويلات لم تفتأ تعظم وتتحد حتى استولت بعد ثمانية قرون على غرناطة التي كانت عاصمة آخر دولة عربية في الأندلس، وبهذا أضحت جميع إسبانية قبضتها، وبدت إسبانية أول دولة حربية في أوربة.
ولم يكن الملك شارلكن وفليب الثاني أقل براعة من سلفهما فرديناند، وكان القرن الذي مر بين سقوط غرناطة ووفاة فليب الثاني دور عظمةٍ لإسبانية لن ترى مثله.
شكل 1 - 2: ترس فليب الثاني في إسبانية (من صورة فوتوغرافية التقطها لوران).
أجل، كان العرب يضطهدون في جميع ذلك العهد، ولكن مع بقائهم، وكان العرب ذوي شأن فيه بما لهم من التفوق الثقافي، وكان العلماء وأرباب الصناعات والتجار من العرب وحدهم، لا من الإسبان الذين كانوا ينظرون إلى كل مهنة شزراً، خلا مهنة الإكليروس ومهنة الجندية.
وكانت إسبانية تشتمل، إذن، على جيلين مختلفين من الآدميين عاملين بمختلف الطرق على عظمتها، أحدُهما من النصارى القابضين على زمام السلطة العسكرية، والآخر من العرب القابضين على ناحية الحضارة المادية.
وكان وجود هذين الجيلين أمراً ضرورياً، وذلك أن السلطة العسكرية إذا كانت كافيةً لإقامة دولة فإنها تعجز وحدها عن إدامتها، وأن ازدهار هذه الدولة لا يكون إلا بتوافر بعض عناصر الحضارة، وأن تماسك هذه الدولة لا يدوم طويلاً إلا ببقاء هذه العناصر.
وهذا هو عَينُ ما أصاب إسبانية بعد طرد العرب، فقد حلَّ الانحطاط فيها محل العظمة، وقد زاد انحطاطها سرعةً ما عطلت من قادة عظام حربيين كالذين ظهروا في قرن واحد، وقد أضاعت كل شيء حين خسرت سلطانها الحربي وحرمت الحضارة معاً.
وكان من سرعة الانحطاط الذي عقب إجلاء العرب وقتلهم ما يمكننا أن نقول معه: إن التواريخ لم يرو خبر أمة كالإسبان هبطت إلى دركةٍ عميقة في وقت قصير جداً، فقد توارت العلوم والفنون والزراعة، والصناعة، وكل ما هو ضروري لعظمة الأمم، عن بلاد إسبانية على عجل، وقد أغلقت أبواب مصانعها الكبرى، وأهملت زراعة أراضيها، وصارت أريافها بلاقع، وبما أن المدن لا تزدهر بغير صناعة ولا زراعة فقد خلت المدن الإسبانية من السكان على شكل سريع مخيف، وأصبح عدد سكان مدريد مئتي ألف بعد أن كان أربعمائة ألف، وصارت إشبيلية، التي كانت تحتوي 1600 حِرفَة كافية لإعاشة 130000 شخص، لا تشتمل على غير 300 حرفة، وهذا فضلًا عن خلوها من ثلاثة أرباع سكانها كما جاء في رسالة مجلس الكورتس إلى الملك فليب الرابع، ولم يبق في طليطلة سوى ثلاثة عشر مصنعًا للصوف بعد أن كان فيها خمسون، وخسرت طليطلة جميع مصانعها الحريرية التي كان يعيش منها أربعون ألف شخص، ووقع مثل هذا في كل مكان، ولم تعتم المدن الكبيرة، كقرطبة وشقوبية وبرغش، أن أصبحت كالصحارَى تقريباً، وزال ما ظل قائماً فيها من المصانع القليلة بعد تواري العرب، وكان من غياب جميع الصناعات في إسبانية أن اضطر القوم إلى جلب عمالٍ من هولندا عندما أريد إنشاء مصنعٍ للصوف في شقوبية في أوائل القرن الثامن عشر.
ونجم عن أفول الصناعة والزراعة في بلاد إسبانية على هذا الوجه السريع ما يشاهد فيها من البؤس العميق، ومن وقوعها في الانحطاط التام في قليل من السنين.
ومصائب كتلك مما يقتل كل نشاط وحيوية بسرعة، وإمبراطوريةٌ واسعة لا تغرب الشمس عن أملاكها كتلك، كما قيل، لا بد من أن تقع في دور الهمجية المظلم على عجل ما لم تنقذ بسلطان الأجنبي، ولذا اضطرت إسبانية، لتعيش بعد وهنٍ إلى تسليم زمام سلطتها العليا وشؤونها الإدارية وصناعتها وتجارتها إلى رؤساء من الأجانب كالفرنسيين والطلاينة والألمان
…
إلخ.
غير أنه لم ينشأ عن سلطة فليب الخامس، الذي هو حفيد لويس الرابع عشر، والإدارة الأجنبية التي أكره هو وخلفاؤه على إدخالها إلى إسبانية سوى حيويةٍ ظاهرة غير حقيقية، وذلك لتعذر انتشال أمة بعد هبوطها.
حقاً، ظهر في إسبانية ملوك نوابغ كشارل الثالث، وتمتعت إسبانية برخاء مصنوع ذات زمن، وذلك عندما استحضرت من الخارج فريقًا من العلماء وأرباب الصناعات، ولكن هذا كان على غير جدوَى، فلن يستطيع أحدٌ إحياء الموتى، وحقاً إن العرب زالوا، وقضت محاكم التفتيش على كل من يزيد ذكاؤه قليلاً على المستوى المتوسط، فصرت ترى فيها سكانًا، وعادت لا تحتوي رجالاً.
وأجمع كتاب العصر الذين زاروا إسبانية على الاعتراف بضعف مستوى الإسبان الثقافي، وكان هذا الضعف عميقًا عاماً في أواخر القرن السابع عشر من الميلاد، وبدت تلك البلاد التي أضاءت العالم أيام سلطان العرب خاليةً من أية مدرسة لتعليم الفيزياء والرياضيات والطبيعيات، وصرت لا ترى فيها كلها، حتى سنة 1776 م كيماوياً قادراً على صنع أبسط التراكيب الكيماوية، ولا شخصاً قادرًا على إنشاء مركب أو سفينة شراعية، وذلك كما قال الكاتب الإسباني كنبومانس مؤكدًا.
ولا مراء في نجاح محاكم التفتيش المرهوبة في أعمالها، فقد أضحت جميع بلاد إسبانية لا تعرف غير كتب العبادة، ولا تعرف عملاً غير الأمور الدينية، جاهلةً ما أتاه نيوتن وهارقي وغيرهما من الاكتشافات العظيمة جهلاً تاماً.
ولم يسمع أطباء الإسبان شيئاً عن الدورة الدموية إلى ما بعد اكتشافها بقرن ونصف قرن، ويمكن استجلاء مستوى معارفهم بالأمر الغريب القائل: إن بعض الناس، في سنة 1760 م، اقترحوا، مع التواضع، إزالة الأقذار التي كانت تملأ شوارع مدريد وتفسد هواءها، وإن رجال الصحة احتجوا على ذلك بشدة ذاكرين أن آباءهم العقلاء كانوا يعفرون ما يصنعون، وأنه يمكن السكان أن يعيشوا مثلهم بين الأقذار، وأن رفعها ينطوي على تجربة لا يقدر أحدٌ على كشف عواقبها.
ولم تستطع أطيب الجهود أن تنهض ببلاد إسبانية التعسة، فاليوم لا تجد فيها زراعة ولا صناعة، واليوم تستعين بالأجانب في كل ما يحتاج إلى استعداد يزيد على أدنى مستوى، واليوم يدير الأجانب مصانعها، ويمدون خطوطها الحديدية، ويمدونها بمن يسوق قاطراتها، وبكل ما له علاقة بالعلوم والصناعات.
وبلاد هذه حالها تعد من البلاد التي تقدر على معاجلة أمورها أية حكومة قديرةٍ حرة أو غير حرة، وذلك أن الحكم لا يمكن بغير موافقة الجمهور، وأن الجمهور الإسباني دون حكومته دائماً مهما كانت هذه الحكومة قليلة الرقي، أجل، تتمتع إسبانية بمظاهر الحضارة، ولكن هذا لا يعدو حد المظاهر، فالجهل عام فيها كما