المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌بابُ الأَذانِ ‌ ‌الحديث الأول 60 - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله - رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام - جـ ٢

[تاج الدين الفاكهاني]

فهرس الكتاب

- ‌بابُ الأَذانِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌بابُ استقبالِ القبلةِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌بابُ الصُّفوفِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌بابُ الإِمامةِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني والثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌بابُ صفةِ صلاةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالثَ عشر

- ‌الحديث الرابعَ عشر

- ‌باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود

- ‌باب القراءة في الصَّلاةِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب ترك الجَهرِ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

- ‌باب سجود السَّهو

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب المرور بينَ يديِ المصلي

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب جامع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌باب التشهد

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الوتر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌باب الزكاة عقب الصلاة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب الجمع بين الصلاتين في السفر

- ‌باب قصر الصلاة في السفر

- ‌باب الجمعة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

الفصل: ‌ ‌بابُ الأَذانِ ‌ ‌الحديث الأول 60 - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله

‌بابُ الأَذانِ

‌الحديث الأول

60 -

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ (1).

(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:

رواه البخاري (578)، كتاب: الأذان، باب: بدء الأذان، و (580، 581)، باب: الأذان مثنى مثنى، و (3270)، كتاب: الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل، ومسلم (378)، (1/ 286)، كتاب: الصلاة، باب: الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة، واللفظ له، وأبو داود (508، 509)، كتاب: الصلاة، باب: في الإقامة، والنسائي (627)، كتاب: الأذان، باب: تثنية الأذان، والترمذي (193)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في إفراد الإقامة، وابن ماجه (729، 730)، كتاب: الأذان، باب: ما جاء في إفراد الإقامة.

* مصَادر شرح الحَدِيث:

«معالم السنن» للخطابي (1/ 154»، و (عارضة الأحوذي» لابن العربي (1/ 309)، و «إكمال المعلم» للقاضي عياض (2/ 241)، و «المفهم» للقرطبي (2/ 7)، و «شرح مسلم» للنووي (4/ 770)، و «شرح عمدة الأحكام» لابن دقيق (1/ 176)، و «العدة في شرح العمدة» =

ص: 5

قال أهل اللغة: أصل الأذان: الإعلام، والأذان للصلاة (1) معروف، ويقال (2): أذان، وتأذين، وأذين، هكذا ذكره الهروي في «غريبه» .

وقال: قال (3) شيخي: الأذين: المؤذن المعلم بأوقات الصلاة، فَعيل، بمعنى: مُفَعِّل.

قال الأزهري (4): أَذَّنَ المؤذن تأذينا، وأذانا؛ أي: أعلم الناس بوقت الصلاة، فوضع الاسم موضع المصدر.

قال: وأصله من الأذن، كأنه يلقى في آذان (5) الناس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة (6).

فائدة نفيسة:

ع: اعلم أن الأذان كلام جامع لعقيدة الإيمان، مشتمل على نوعية من العقليات والسمعيات.

= لابن العطار (1/ 370)، و «التوضيح» لابن الملقن (6/ 314)، و «فتح الباري» لابن رجب (3/ 398)، و «فتح الباري» لابن حجر (2/ 79)، و «عمدة القاري» للعيني (5/ 103)، و «كشف اللثام» للسفاريني (2/ 156)، و «سبل السلام» للصنعاني (1/ 121)، و «نيل الأوطار» للشوكاني (2/ 20).

(1)

في (ق): "للصلوات".

(2)

"قال" ليس في (ق).

(3)

في (ق): "قال لي".

(4)

في (ق) زيادة: "يقال".

(5)

في (خ): "أذن".

(6)

انظر: «الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي» (ص: 78).

ص: 6

فأوله إثبات الذات، وما يستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادها، وذلك بقوله: الله أكبر، وهذه اللفظة -مع اختصار لفظها- دالة على ما ذكرناه، ثم صرح بإثبات الوحدانية، ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه سبحانه وتعالى، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد، المقدمة على كل وظائف الدين.

ثم صرح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة (1) لنبينا صلى الله عليه وسلم، وهذه قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية، وموضعها بعد التوحيد؛ لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك المقدمات من باب الواجبات، وبعد هذه القواعد كملت (2) العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه سبحانه وتعالى.

ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات، فدعا إلى الصلاة، فجعلها (3) عقب إثبات النبوة؛ لأن معرفة وجوبها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، لا من جهة العقل.

ثم دعا إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء في النعيم، وفيه إشعار بأمور الآخرة؛ من البعث، والجزاء، وهي آخر تراجم عقائد الإسلام.

ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة؛ للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمن لتأكد الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان،

(1)"بالرسالة" ليس في (خ).

(2)

في (خ): "كلمة".

(3)

في (ق): "وجعلها".

ص: 7

وليدخل المصلي فيها على بينة من أمره، وبصيرة من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دخل فيه، وعظمة حق من يعبده، وجزيل ثوابه، انتهى (1).

قال العلماء: الأصل في الأذان: ما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه (2) قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون، فيتحينون الصلوات، ليس ينادى بها، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بوقا مثل بوق اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بلال! قم فناد بالصلاة» رواه البخاري، ومسلم (3).

قال ع: ظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان الشرعي، بل إخبار بحضور وقتها (4).

قلت: وهذا متعين؛ لحديث عبد الله بن زيد الآتي الآن، وعن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري رضي الله عنه، قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل، ليضرب به للناس (5) لجمع الصلاة، طاف بي طائف

(1) انظر: «إكمال المعلم» للقاضي عياض (2/ 253).

(2)

في (ق): "عنها".

(3)

رواه البخاري (579)، كتاب: الأذان، باب: بدء الأذان، ومسلم (377)، كتاب: الصلاة، باب: بدء الأذان.

(4)

انظر: «إكمال المعلم» للقاضي عياض (2/ 237).

(5)

في (ق): "الناس".

ص: 8

وأنا نائم، رجل يحمل ناقوسا بيده (1)، فقلت: يا عبد الله! أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، فقال (2): أولا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى، قال (3): تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر (4)، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: تقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة (5)، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: فلما أصبحت، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بما رأيت، فقال:«إنها رؤيا حقٍّ -إن شاء الله تعالى-، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به؛ فإنه أندى منك صوتا» (6)، فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه، ويؤذن به، فسمع بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق! لقد رأيت مثل

(1) في (ق): "في يد".

(2)

في (ق): "قال".

(3)

في (ق): "فقال".

(4)

في (ق): "الله أكبر" مرتين فقط.

(5)

"قد قامت الصلاة" غير مكرر في (ق).

(6)

في (ق): "أندى صوتا منك".

ص: 9

ما رأى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«فلله الحمد» ، رواه أبو داود بإسناد صحيح (1).

وروى الترمذي بعضه بطريق أبي داود، وقال: حسن صحيح، وقال في آخره:«ففله الحمد» . وذلك أثبت.

ح: وهذا ظاهره أنه كان في مجلس آخر، فيكون الواقع الإعلام أولا، ثم رأى عبد الله بن زيد الأذان، فشرعه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك (2) إما بوحي، وإما باجتهاده صلى الله عليه وسلم على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له صلى الله عليه وسلم، وليس هو عملا بمجرد المنام، هذا ما لا يشك فيه بلا خلاف، والله أعلم.

قال الترمذي: ولا يصح لعبد الله بن زيد بن عبد ربه هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء غير حديث الأذان، وهو غير عبد الله بن زيد بن عاصم المازني. ذاك له أحاديث كثيرة في «الصحيحين» (3).

فائدة:

ذكر العلماء في حكمة الأذان أربعة أشاء: إظهار شعار (4) الإسلام، وكلمة التوحيد، والإعلام بدخول وقت الصلاة وبمكانها، والدعاء إلى الجماعة (5).

(1) رواه أبو داود (499)، كتاب: الصلاة، باب: كيف الأذان، والترمذي (189)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في بدء الأذان، وابن ماجه (706)، كتاب: الأذان والسنة فيه، باب: بدء الأذان، وابن خزيمة في «صحيحه» (371).

(2)

"بعد ذلك" ليس في (خ).

(3)

انظر: «شرح مسلم» للنووي (4/ 76).

(4)

في (خ): "شعائر".

(5)

المرجع السابق، (4/ 77).

ص: 10

قد اختلف العلماء في حكم الأذان والإقامة، والذي نقله العراقيون عن مذهبنا: أنهما سنتان، وبذلك قال أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهما.

ونقل جماعة من متأخري الأندلسين والقرويين: أن الأذان فرض كفاية على كل أهل بلد، فإن تركوه، أثموا، وقوتلوا عليه إن امتنعنا عن (1) فعله، وإن فعله أحدهم، سقط عن سائرهم.

قالوا: وهذا الوجوب لإقامة شعار (2) الإسلام.

قالوا: وهو مع ذلك سنة مؤكدة في مساجد الجماعات ومواضع الأئمة، وحيث يوجد الدعاء للصلاة.

واختار القاضي أبو الوليد: أنه واجب على الكفاية في المساجد وجماعات الراتبة، وعلل الوجوب بوجهين، إقامة الشعار، وتعريف الأوقات؛ إذ لا يجوز إهمالها.

وقال أحمد بن حنبل: الأذان والإقامة على أهل الأمصار فرض على الكفاية، إذا قام بهما بعضهم، أجزأ عن جميعهم.

ع: وظاهر قول مالك في «الموطأ» أنه على الوجوب في الجماعتا والمساجد -يعني: الأذان-، وقال به بعض أصحايبهنا أنه فرض على الكفاية، وهوة قول بعض أصحاب الشافعي.

وقال الأوزاعي، وداود في آخرين: هو فرض، ولم يفصلوا.

(1) في (ق): "من".

(2)

في (خ): "شعائر".

ص: 11

وروى الطبري عن مالك: إن ترك أهل المصر الأذان عامدين، أعادوا الصلاة.

وذهب بعضهم، ومعظم أصحابنا: إلى أنه سنة، والأول هو الصحيح؛ لأن إقامة السنن الظاهرة واجبة على الجملة (1) حتى لو ترك ذلك أهل بلد، لجوهدوا حتى يقيموها.

وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يختلفوا أن الأذان واجب في الجملة على أهل المصر (2)؛ لأنه شعار الإسلام (3)، قال بعض شيوخنا: أما لهذا الوجه، ففرض على الكفاية، وهو أكثر مقصود هذا (4) الأذان؛ إذ كان عليه الصلاة والسلام إذا غزا، فإن سمع أذانا، أمسك، وإلا أغار، فإذا قام به على هذا الوجه واحد في المصر، وظهر الشعار، سقط الوجوب.

وبقي المعنى الثاني لتعريف الأوقات، وهو المحكي فيه الخلاف عن الأئمة، والذي اختلف لفظ مالك وبعض أصحابه في إطلاق الوجوب عليه.

فقيل: معناه: وجوب السنن المؤكدة، كما جاء في غسل الجمعة، والوتر، وغيرهما.

(1) في (ق): "الجماعة".

(2)

في (ق): "الأمصار".

(3)

انظر: «الاستذكار» لابن عبد البر (1/ 371).

(4)

"هذا" ليس في (ق).

ص: 12

وقيل: هو على ظاهره من الوجوب على الكفاية؛ إذ معرفة الأوقات فرض، وليس كل أحد يقدر على مراعاتها، فقام به بعض الناس عن بعض، وتأويل هذا قول الآخرين: سنة؛ أي: ليس من شرط صحة الصلاة؛ كقولهم في ستر العورة وإزالة النجاسة، انتهى (1).

قال ابن هبيرة: واتفق الأئمة الأربعة: على أن النساء لا يشرع في حقهن الأذان، ولا يسن، ثم اختلفوا في الإقامة، هل تسن في حقهن أم لا؟.

فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: لا تسن لهن الإقامة.

قلت: وقال ابن القاسم (2) صاحب مالك: إن أقمن، فحسن (3).

ثم قال: وقال الشافعي: تسن لهن، والله أعلم (4).

فصل:

وقد اختلف العلماء أيهما أفضل، الأذان، أو الإمامة؟

فقال الإمام أبو عبد الله المازري: احتج من قال بأن الإمامة أفضل بأنه كان صلى الله عليه وسلم يؤم، ولم يكن يؤذن، وما كان صلى الله عليه وسلم يقتصر على الأدنى ويترك الأعلى، واعتذر عن ذلك: بأنه صلى الله عليه وسلم ترك الأذان؛ لما يشتمل عليه من الشهادة له بالرسالة، والتعظيم لشأنه، فترك ذلك إلى غيره.

(1) انظر: «إكمال المعلم» للقاضي عياض (2/ 239).

(2)

في (خ) و (ق): "ابن قاسم".

(3)

انظر: «مواهب الجليل» للحطاب (1/ 463).

(4)

انظر: «الإفصاح» لابن هبيرة (1/ 108).

ص: 13

وقيل: إنما ترك ذلك؛ لأن فيه الحيعلة، وهو الأمر بالإتيان إلى الصلاة، فلو أمر في كل صلاة بإتيانها، لما استخف أحد ممن سمعه التأخر (1)، وإن دعته الضرورة إليه، وذلك مما يشق.

وقيل أيضا: لأنه كان صلى الله عليه وسلم في شغل عنه بأمور المسلمين، وعن مراعاة أوقاتهم، وقد قال عمر رضي الله عنه: لو أطقت الأذان مع الْخِلِيفى، لأذنت (2). والخليفى: الخلافة.

ع: وذهب أبو جعفر الداودي إلى معنى قول عمر في هذا: أنه في أذان الجمعة؛ لأن الأذان إنما يكون بين يدي الإمام فيها، والإمامة للخليفة، فلا يتقدم الأذان لذلك.

قال: هذا معنى (3) كلام الداوودي. انتهى كلام ع (4).

قلت: وقد ذكر ابن العربي في «القبس» (5): أنه عليه الصلاة والسلام أذن، ولفظه: أذن النبي عليه الصلاة والسلام، وأقام، وصلى، فتعين الكل بفعله، ثم سقط الوجوب في الأذان عن الفذ، إلى آخر كلامه.

(1) في (ق): "التأخير".

(2)

رواه عبد الرزاق في «المصنف» (1869)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (2334)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (3/ 290)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (1/ 433)، وغيرهم.

(3)

"معنى" ليس في (ق).

(4)

انظر: «إكمال المعلم» للقاضي عياض (2/ 296).

(5)

لم أره في باب الأذان من «القبس» ، والله أعلم بحقيقة الحال.

ص: 14

فصل: قال أصحابنا: ومشروعية الأذان في حق المصلين جماعة في مفروضة مؤداة قصدا (1) الدعاء إليها.

فقولنا: جماعة، تحرز من الفذ (2)، وإن كان المتأخرون استحبوا الأذان للمسافر، وإن كان منفردا لحديث أبي سعيد.

وقولنا: في مفروضة، تحرز مما عداها من النوافل والسنن.

وقولنا: مؤداة، تحرز من الفائتة؛ فإنه لا يؤذن لها؛ لأن ذلك يزيدها فوتا (3).

وقولنا: قصد الدعاء إليها، تحرز من جماعة لا يريدون دعاء غيرهم إليهم، والفذ كذلك.

وقد قيل: إن أذنوا، فحسن، فقيل: اختلاف، وقيل: بل لا يؤمرون بالأذان كما تؤمر به الأئمة في مساجد الجماعات، وإن أذنوا، فهو ذكر، والذكر لا ينهى عنه من أراده، لا سيما إذا كان من جنس المشروع، فليس ذلك باختلاف.

واختلف في الأذان للصلاة إذا جمعت على ثلاثة أقوال: فقيل: بأذان واحد وإقامتين، وقيل: بإقامتين بلا أذان، وثالثها المشهور: يؤذن لكل واحد منهما، ويقام.

وأما الإقامة، فمشروعة في كل فرض عموما؛ أداء كانت أو

(1) في (ق): "في قصد".

(2)

في (ق): "الفذية".

(3)

في (ق) زيادة: "والفذ كذلك"، وجاءت هذه الزيادة في (خ) في الفقرة بعده.

ص: 15

قضاء، حتى النساء على المشهور كما تقدم.

واستحسن إسرار المنفرد بالإقامة.

ويرفع المؤذن صوته بالتكبير ابتداء على المشهور، ويقول بعد الشهادتين (1) مثنى أخفض منه، ولا يخفيهما (2) جدا، ثم يعيدهما رافعا صوته أكثر من الأولى، وهو الترجيع ويثني: الصلاة خير من النوم في الصبح على المشهور، وهو التثويب، ومشروعيته في أذان الصبح على العموم.

وحكي عن مالك - رحمه الله تعالى-: أنه قال: من كان في ضيعة متنحيا عن الناس أرجو أن يكون من تركها في سعة.

ويفرد: قد قامت الصلاة، على المشهور، فتكون عشر كلمات.

والقيام والاستقبال مأمور بهما في الأذان.

وأنكر مالك أذان القاعد إلا من عذر، فيؤذن لنفسه، وقيل: بالجواز؛ لأنه ذكر.

ويجوز راكبا، ولا يقيم إلا نازلا على المشهور.

ولم يسمع الأذان إلا موقوفا، غير معرب في مقاطعه؛ بخلاف الإقامة.

ولا يتكلم في الأذان، ولا في الإقامة، ولا يرد سلاما، ولو بالإشارة؛ بخلاف الصلاة.

(1) في (خ): "الشهادة".

(2)

في (ق): "يخفيها".

ص: 16

وقيل: يرد إشارة، ولا ينبغي لأحد أن يسلم عليه حتى يفرغ.

قالوا: وكذلك لا ينبغي أن يسلم على الملبي، والآكل، والمتغوط.

ويرتب كلمات الأذان ويواليها، فإن نكس، استأنف، وإن فرق يسيرا، بنى، وإن تتفاحش، ابتدأ.

فصل: وشرط المؤذن أن يكون مسلما، عاقلا، ذكرا، فلا يعتد بأذان كافر ولا مجنون، ولا امرأة، ولا يؤذن الصبي، ولا يقيم إلا أن يكون مع نساء، أو بموضع لا يكون فيه غيره، فيؤذن ويقيم.

قال الشيخ أبو بكر: وهو الاختيار.

وإن أذن غير البالغ، جاز.

وحكى المازري في إجزائه قولين: الجواز؛ لأنه ذكر، والنهي؛ لأنه من أمانات الشريعة، وليس من أهلبها.

ومن أذن لقوم، وصلى معهم، فلا يؤذن لآخرين، ولا يقيم، فإن فعل، ولم يعيدوا حتى صلوا، أجزأهم.

وتستحب الطارة في الأذان، والكراهوة في الجنب شديدة، وفي الإقامة أشد.

قال سحنون: لا بأس بأذان الجنب في غير المسجد.

ويستحب أن يكون المؤذن صيتا، وأنكر مالك التطريب، وليكن عدلا عارفا بالمواقيت لتقلده (1) عهدتها.

(1) في (خ): "ليقلد".

ص: 17

وإذا تعدد المؤذنون، جاز أن يتراسلوا معا، إلا أن كل واحد لا يقتدي بأذان صاحبه، وأن يترتبوا ما لم يكثروا، وذلك بحيث سعة (1) الوقت وضيقه، ولا يؤذن في المغرب إلا واحد (2)، أو جماعة مرة واحدة.

ويستحب حكاية المؤذن، وينتهي إلى الشهادتين على المشهور، وقيل: إلى آخره، فيعوض عن الحيعلة الحوقلة، والمشهور حكاية التشهد مرة واحدة، وقول ذلك قبل المؤذن واسع، فإن كان في صلاة، فثلاثة أقوال، ثالثها المشهور: يحكي في النافلة، لا في الفريضة، فرو قال: حي على الصلاة، ففي بطلان صلاته قولان، وجه البطلان: أنها مخاطبة للآدميين، وليس من جنس بقية أذكار الأذان، ووجه الصحة: عموم هذا الحديث، ومن جهة المعنى: أنه لا يقصد بقوله: حي على الصلاة دعاء الناس، بل حكاية ألفاظ الأذان.

ولا يؤذن لجمعة ولا لغيرها قبل الوقت، إلا الصبح؛ فإن المشهور جواز الأذان لها إذا بقي من الليل السدس، وقيل: عند خروج الوقت المختار، وقيل: إذا صليت العشاء. وهو بعيد؛ لإلباسه (3)

(1) في (ق): "يسعه".

(2)

في (ق): "واحدا".

(3)

في (ق): "لالتباسه".

ص: 18

بأذان العشاء، والله أعلم (1).

وهذه كلها مقدمات بين يدي الحديث، ولنرجع إلى الكلام عليه.

قوله: «أمر بلال» (2): هو بضم الهمزة وكسر الميم؛ أي: أمره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛لأنه الأمر بالشريعة لا يضاف إلا إليه، وقد وعم بعض أهخل العلم: أن الآمر بذلك هو أبو بكر وعمر،.

قال الخطابي: وهذا تأويل فاسد؛ لأن بلالا لحق بالشام بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف سعد القرظ على الأذان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى (3).

ق: وهو المختار عند أهل الأصول؛ يعني: أن الآمر إنما هو النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أمرنا ونهينا؛ لأن الظاهر انصرافه إلى من له الأمر الشرعي، ومن يلزم اتباعه، ومن يحتج بقوله، وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي هذا الموضع زيادة على هذا، وهو أن العبادات والتقديرات فيها لا تؤخذ إلا بتوقيف (4).

(1) انظر: «التفريع» لابن الدىب (1/ 222)، و «جامع الأمهات» لابن الحاجب (ص: 86)، و «الذخيرة» للقرافي (2/ 63)، و «مواهب الجليل» للحطاب (1/ 421).

(2)

في (ق): "هلال".

(3)

انظر: «معالم السنن» للخطابي (1/ 184).

(4)

في (خ): "بتوقف".

ص: 19

والحديث دليل على الإيتار في لفظ الإقامة (1)، وبه قال أكثر أهل العلم، وعليه جرى العمل بالحرمين الشريفين، والحجاز، وبلاد الشام، واليمن، وديار مصر، ونواحي الغرب (2)، وهو قول الخسن البصري، ومكحول، والزهري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، ولم يزل ولد أبي محذورة يفردون الإقامة، ويحكونه عن جدهم.

وقد قيل لأحمد بن حنبل: وكان يأخذ بأذان بلال: أليس أذان أبي محذورة بعد أذان بلال، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أليس لما علاد إلى المدينة أقر بلالا على أذانه؟ حكاه ابن رافع عن الخطابي.

وذهب الثوري، وأصحاب الرأي إلى تثينة الإقامة؛ كالأذان، وتمسكوا بما روي عن عبد الله بن زيد في بعض رواياته من تثنية الإقامة (3)، وقد روي عنه إفراد الإقامة من طرق (4).

واختلف مالك، والشافعي في موضع واحد، وهو (5) قد قامت

(1) انظر: «شرح عمدة الأحكام» لابن دقيق (1/ 176).

(2)

في (ق): "المغرب".

(3)

"وتمسكوا بما روي عن عبد الله بن زيد في بعض رواياته من تثنية الإقامة" ليس في (ق).

(4)

انظر: «معالم السنن» للخطابي (1/ 152).

(5)

في (ق) زيادة: "لفظ".

ص: 20

الصلاة، فقال مالك: إنه مفرد، وظاهر هذا الحديث يدل له دلالة ظاهرة، وقال الشافعي: إنه مثنى للحديث الآخر، وهو قوله:«فأمر (1) بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا الإقامة» ؛ أي: إلا لفظ: قد قامت الصلاة.

ق: ومذهب مالك مع ما مر قد أيد بعمل أهل المدينة، ونقلهم، وعمل أهل المدينة في مثل هذا أقوى؛ لأن طريقه (2) النقل، والعادة في مثله تقتضي شيوع العمل، وأنه لو كان تغير، لعلم به.

وقد اختلف أصحاب مالك رحمه الله تعالبى- في أن إجماع أهل المدينة حجة مطلقا في مسائل الاجتهاد، أو يختص ذلك بما طريثقه النقل والانتشار؛ كالأذان، والإقامة، والصاع، والمد، والأوقات، وعدم أخذ الزكماة من الخضروات؟

فقال بعض المتأخرين منهم: والصحيح: التعميم، وما قاله غير صحيح عندنا جزما، ولا فرق في مسائل الاجتهاد بينهم وبين غيرهم من العلماء؛ إذ لم يقم دليل على العصمة على بعض الأمة، نعم ما طريقه النقل، إذا علم اتصاله، وعدم تغيره (3)، واقتضت الغعادة أن يكون مشروعا من صاحب الشرع، ولو بالتقرير عليه، فالاستدلال به

(1) في (ق): "أمر".

(2)

في (ق): "قوي لأن طريقة".

(3)

في (ق): "وعلم تغييره".

ص: 21

قوي يرجع إلى أمر عادي، والله أعلم.

وقد استدلوا (1) بهذا الحديث على وجوب الأذان؛ من حيث إنه إذا أمر بالوصف، لزم أن يكون الأصل مأمورا به، وظاهر الأمر الوجوب، انتهى (2).

قلت: وقد تقدم في حديث عائشة رضي الله عنها: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.

تحرير هذه المسألة -أعني: قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، وبيان مراتبها السبع بما يغني عن الإعادة.

ح: الحكمة (3) في إفراد الإقامة وتثنية الأذان: أن الأذان لإعلام الغعائبين، فيكرر؛ ليكون أبلغ في إعلامهم، والإقامة للحاضرين، فلا حاجة إلى تكرارها، ولهذا قال العلماء: يكون رفع الصوت في الأذان (4)، وخفضه في الإقامة، وإنما كرر لفظ الإقامة خاصة؛ لأنه مقصود الإقامة (5).

قلت: ولا نحتاج نحن إلى اعتذار عن الإقامة؛ إذ هي عندنا

(1) في (ق): "يستدل".

(2)

انظر: «شرح عمدة الأحكمام» لابن دقيق (1/ 177).

(3)

في (ق): "والحكمة".

(4)

في (ق): "بالأذان".

(5)

انظر: «شرح مسلم» للنووي (4/ 79).

ص: 22

مفردة، ويشكل على الشيخ في هذه التفرقة تثنية التكبير فيها، أتععني: الإقامة، والله أعلم

* * *

ص: 23