الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب جامع
الحديث الأول
106 -
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ"(1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (433)، كتاب: المساجد، باب: إذا دخل المسجد، فليركع ركعتين، و (1110)، كتاب: التطوع، باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى، واللفظ له، ومسلم (714/ 69، 70)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب تحية المسجد بركعتين، وأبو داود (467، 468)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة عند دخول المسجد، والنسائي (730)، كتاب: المساجد، باب: الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه، والترمذي (316)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء: إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين، وابن ماجه (1013)، كتاب: الصلاة، باب: من دخل المسجد، فلا يجلس حتى يركع.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (1/ 142)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 304)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي (2/ 112)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (3/ 49)، و"المفهم" للقرطبي (2/ 352)، و"شرح مسلم" للنووي (5/ 225)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 48)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار =
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: المراد بالمسجد هنا: الخاصُّ، لا العامُّ، وأعني بالعام: ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا"(1)، وهو أوضحُ من أن يحتج له بدليل، وقد تقدم أن (دخل) هنا يتعدى بنفسه إلى كلِّ ظرفِ مكانٍ مختصٍّ، فالمسجدُ (2) على هذا مفعولٌ به، لا ظرف، ومنه قوله تعالى:{لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [الفتح: 27] الآيةَ.
الثاني: يخرج من هذا العموم: المسجد الحرام؛ فإنه يبدأ فيه بالطواف، لا بالركوع؛ لأن الطواف تحيتُه؛ كما أن تحيةَ غيره من المساجد الركوع، وذلك لأمرين: منقول، ومعقول.
أما المنقول: فلأن النبي صلى الله عليه وسلم حين (3) دخل المسجدَ في حجته، ابتدأ بالطواف، واستمر عليه العمل، وهو أخصُّ من هذا العموم.
= (1/ 559)، و"فتح الباري" لابن رجب (2/ 462)، و"التوضيح" لابن الملقن (5/ 523)، و"فتح الباري" لابن حجر (1/ 537)، و"عمدة القاري" للعيني (4/ 201)، و"كشف اللثام" للسفاريني (2/ 512)، و"سبل السلام" للصنعاني (1/ 159)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (3/ 82).
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
في "خ": "والمسجد".
(3)
"حيث" ليس في "ق".
قال الباجي (1): وهو الأكثرُ من مذاهب الخاصة والعامة، واحتج يقول اللَّه تعالى:{هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} [الأحزاب: 43]، وبقوله عليه الصلاة والسلام:"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ".
وذكر في (2) رواية ابن وهب عن مالك في صفة السلام على القبر، يقول: السلامُ عليك أيها النبيُّ ورحمةُ اللَّه.
ع (3): وعندي: أنه يدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الصلاة، وعلى أبي بكر (4) وعمر؛ كما تقدم من الخلاف فيه.
ووجدت لابن وهب عن مالك: أنه يدن فيسلم، ولا يمس القبرَ بيده (5).
قال بعض المتأخرين من أصحابنا: وهذا الذي حكاه الباجي هو رواية ابن وهب في "المختصر الكبير"، قال: سُئل مالكُ من أين يقف من أراد التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم من القبر؟ قال: عند الزاوية التي تلي القبلة، مما يلي المنبر، يستقبل القبلة، ولا أحبُّ أن يمسَّ القبرَ بيده (6).
(1)"الباجي" ليس في "ق".
(2)
في "ق": "من".
(3)
كذا في "خ" و"ق"، والكلام للقاضي أبي الوليد الباجي لا القاضي عياض.
(4)
في "ق": "ولأبي بكر".
(5)
انظر: "المنتقى" للباجي (2/ 315).
(6)
نقله القاضي عياض في "الشفا"(2/ 85).
واختلف قوله: هل يدعو عند القبر، أو لا؟
فقال في "المبسوط": لا أرى أن يقف عنده يدعو، ولكن يسلم، ويمضي.
قال الباجي: وروى عنه ابن وهب: أنه يدعو مستقبلَ القبر، ولا يدعو وظهرُه إلى القبر (1).
الرابع: إذا دخل المسجد في وقتِ نَهْي عن التنفُّل؛ كما بعد الصبح، وبعد العصر، لم يركع، فهذا قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: يركع.
ومنشأ الخلاف: تعارضُ هذا الحديث -أعني: حديث تحية المسجد، - مع حديث:"لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ"(2).
ووجه التعارض: أن حديث تحية المسجد مطلَق، لا تخصيص (3) فيه بوقت دون وقت، وحديث:"لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ" لا تخصيصَ فيه، لا لمن يدخل المسجد، ولا لغيره، فكلُّ حديث عامٌّ من وجه، خاصٌّ من وجه.
فرأى الشافعي رحمه اللَّه تعالى تخصيصَ النهي بعد الصلاتين بما إذا لم يوجد سببٌ خاص للركوع، وشبه ما له سببٌ من النوافل بالفرائض، ولا خلافَ أن الفرائض المنسيةَ تُصَلَّى في الوقتين المذكورين،
(1) انظر: "المنتقى" للباجي (2/ 316).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
في "ق": "لا يختص".
ولكنه عندنا تشبيهٌ ضعيف؛ لبعدِ ما بين النوافل والفرائض؛ إذ الضرورةُ تلجىء إلى إيقاعِ الفرائضِ، وَلا ضَرورةَ في النوافل.
ورأى مالك، وأبو حنيفة تخصيصَ الأمر بتحية المسجد بما عدا الوقتين المذكورين، وهو الصحيح؛ لأنه قد فُهمت علة النهي، وهو التشبيه بمن يصلِّي للشمس عندَ طلوعها، وعندَ غروبها، وإذا ثبتت هذه الكراهة، فقد تعارض في التنفل بتحية المسجد في هذين الوقتين كراهةٌ وندبٌ، وإذا لزم من فعل مندوب فعلُ مكروه، كان تركُ المندوب أولى، وكان الندبُ المذكور مختصا بما إذا لم يلزم منه فعلُ مكروه، وكان حالة الكراهة لا ندب، فيه واللَّه أعلم.
الخامس: إذا ركع الفجرَ في بيته، ثم دخل المسجدَ قبل صلاة الصبح، فهل يركع، أو لا؟
روى أشهب عن مالك: أنه يركع.
وروى عنه ابن القاسم: أنه لا يركع.
قال صاحب "البيان والتقريب": والذي رواه ابن القاسم هو الجاري على الفقه؛ لأن التنفل بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة الصبح بغير ركعتي الفجر، مكروهٌ، ووجهُ (1) رواية أشهب: أن كراهة التنفل في هذا الوقت أخفُّ، وأنها معللة بخوف تأخيرِ صلاة الصبح عن أول الوقت، وفي مسألتنا لزم التأخيرُ لغيبة الإِمام مثلًا، أو لغير ذلك، فلا وجه لترك تحية المسجد، مع أن الصبح لابدَّ من تأخيرها، ويعتضد هذا: بأنه قد
(1) في "خ": "وحجة".
أُبيح التنفل بعدَ الفجر، وقبلَ الصبح لمن فاته حزبُه من الليل.
السادس: إذا صلى الداخل تحيةَ المسجد، ثم طرأت له حاجة، فخرج إليها، ثم رجع، فإن قرب ذلك، فلا ركوعَ عليه.
وفي "التبصرة" لأبي مصعب -فيمن أكثر اختلافه لحوائجه-: أنه يجزئه ركوعُه الأول، وهو في تفريع ابن الجلَّاب، وهذا يشبه المختلفين إلى مكة بالفواكه وغيرها؛ فإنه يجوز لهم دخولُ مكة بغير إحرام، ويشبه من دخلَ المسجدَ يوم الجمعة، وقد اغتسلَ لها، ثم خرج لحاجة، فقد قال مالك: إن كان قريبًا، لم يُعِدْ غسلَه، وإن تطاول، أعادَ.
السابع: لا فرق بين مسجد الجمعة والخطبة، وغيره من المساجد في الأمر بتحية المسجد؛ لاشتراك المساجد كلِّها في الحرمة؛ كما مُنع الجنبُ من جميع المساجد، فإن (1) كان الإِمام على المنبر يومَ الجمعة، لم يصل هذا الداخلُ حينئذ تحيةَ المسجد، هذا المشهور من (2) مذهبنا؛ خلافًا للشافعي، ومَنْ يقول بقوله.
الثامن: مذهبُ العلماء قاطبةً: عدمُ وجوب هاتين الركعتين، إلا ما حُكي (3) عن داود وأصحابه من وجوبهما؛ تمسكًا بورود هذا الحديث، وصيغةِ النهي عن الجلوس قبل الركوع، وورودهِ في الرواية الأخرى بصيغة الأمر، وظاهرُ الأمر الوجوب، وظاهرُ النهي التحريم،
(1) في "ق": "وإن".
(2)
"المشهور من" ليس في "ق".
(3)
في "ق": "يحكى".
فلا يخرجان عن مدلولهما إلا بدليل.
واستدل القاضي أبو الوليد الباجي من أصحابنا بحديث الأعرابي المشهور، الذي قال فيه: هل عليَّ غيرها، لما ذكره من الصلوات الخمس، قال؛ "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ"(1).
قال صاحب "البيان والتقريب": ويدل عليه -أيضًا- حديثُ عبادةَ ابن الصامت رضي الله عنه، وهو قوله: عليه الصلاة والسلام: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ"(2)؛ فقد فهم منه عُبادة رضي الله عنه أنْ ليس من الصلوات واجبٌ غيرُها، وكذلك قولُه: كذب من زعم أن الوتر واجب، واستدل بالحديث.
قلت: ولم يعارض هذا الدليل سوى صلاة الجنازة؛ فإنها واجبة، وإن كان وجوبها على الكفاية، وليست من الصلوات الخمس، فيحتمل أن يكون للمخالف في تحية المسجد متمسَّكٌ بذلك، واللَّه أعلم.
التاسع: لو صلَّى فريضة، أو ركعتي الفجر، ونحوَ ذلك، ناب ذلك عن تحية المسجد، إذ المعنى في التحية إنما هو الميزُ بين المساجد والبيوت، وهو أن يفتتح دخول المسجد بصلاة ما؛ سنة
(1) رواه البخاري (46)، كتاب: الإيمان، باب: الزكاة من الإِسلام، ومسلم (11)، كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإِسلام، من حديث طلحة بن عبيد اللَّه رضي الله عنه. وانظر:"المنتقى" للباجي (2/ 299).
(2)
تقدم تخريجه.
كانت، أو فريضة، واللَّه أعلم.
العاشر: قال صاحب "البيان والتقريب": يجوز الاجتيازُ بالمسجد وبخرقه من غير حاجة له في المسجد، وقد كان مالكٌ يفعلهُ، قال: وكذلك الجامعُ بمصرَ عندنا يعسرُ على الإنسان أن يدور من خلفه، فيدخل من باب، ويخرج من آخر، ويكون ذلك تخفيفًا على الناس، كما جاز أن يبيت الغريبُ في مساجد القرى، وقد كانوا يبيتون في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، وينامون فيه بالنهار؛ كما ذكرنا عن ابن عمر، وقد روى البخاري عن سهل بن سعد: أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ اضطجع في المسجد، وجاءه النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يمسح التراب عنه، ويقول:"قُمْ يَا أَبَا تُرَابٍ"(1).
قلت: وظاهر الحديث -أعني: حديث تحية المسجد، لا يتناول من مَرَّ مجتازًا؛ إذ النهي إنما يتناولُ جلوسًا قبل الركوع، والمجتازُ لم يجلس، وكذلك الأمرُ إنما توجَّه بركوع قبل جلوس، فإذا انتفيا معًا، لم يخالف الأمر.
ولذلك -واللَّه أعلم- خففه مالك، وذكر عن زيد بن ثابت، وسالم ابن عبد اللَّه: أنهما كانا يخرقان المسجد لحاجتهما، ولا يركعان.
قال مالك: وبلغني أن زيدًا كره أن يمر فيه ولا يركع.
(1) رواه البخاري (430)، كتاب: المساجد، باب: نوم الرجال في المسجد، ومسلم (2409)، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقال مالك: أرى ذلك واسعًا.
قال ابن القاسم: ورأيته (1) لا يُعجبه ما ذكره زيدٌ من ذلك، ورأيتُ مالكًا يفعلُ ذلِكَ، يخرقه مجتازًا، ولا يركع (2).
وهذا كله ما لم يكن المجتاز جُنبًا، فإن كان جنبًا، ففي المذهب فيه خلاف يأتي، واللَّه أعلم.
* * *
(1) في "ق": "وروايته".
(2)
انظر: "المدونة"(1/ 99).