الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
124 -
عَنْ (1) وَرَّادٍ مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ (2) بْنُ شُعْبَةَ في كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ (3): "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِما أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ"، ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ عَلَى مُعَاوِيةَ، فَسَمِعْتُهُ يَأمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ (4).
(1)"عن" ليست في "ت".
(2)
في "خ": "الوليد".
(3)
"مكتوبة" ليست في "ت".
(4)
* تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (808)، كتاب: صفة الصلاة، باب: الذكر بعد الصلاة، و (5971)، كتاب: الدعوات، باب: الدعاء في الصلاة، و (6271)، كتاب: الدعوات، باب: الدعاء بعد الصلاة، و (6241) كتاب: القدر، باب: لا مانع لما أعطى اللَّه، ومسلم (593/ 137 - 138)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته، وأبو داود (1505)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقول الرجل إذا سلم، =
وَفِي لَفْظٍ: كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلٍ وَقَالٍ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ، وَمَنْعٍ وهَاتِ (1).
* * *
= والنسائي (1341، 1342)، كتاب: السهو، باب: عدد التهليل والذكر بعد التسليم.
(1)
رواه البخاري (6862)، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: ما يكره من كثرة السؤال، وتكليف ما لا يعنيه، ومسلم (593)، (3/ 1341)، كتاب: الأقضية، باب: النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة. ورواه البخاري (1407)، كتاب: الزكاة، باب: قول اللَّه تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273] و (2277)، كتاب: الاستقراض وأداء الديون والتفليس، باب: ما ينهي عن إضاعة المال، و (5630)، كتاب: الأدب، باب: عقوق الوالدين من الكبائر، و (6108)، كتاب: الرقاق، باب: ما يكره من قيل وقال، بألفاظ مختلفة.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"إكمال المعلم" للقاضي عياض (2/ 543، 5/ 569)، و"المفهم" للقرطبي (5/ 165)، و"شرح مسلم" للنووي (5/ 90، 12/ 10)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 90)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (2/ 644)، و"فتح الباري" لابن رجب (5/ 251)، و"النكت على العمدة" للزركشي (ص: 125)، و"التوضيح" لابن الملقن (7/ 300)، و"فتح الباري" لابن حجر (2/ 331، 10/ 406)، و"عمدة القاري" للعيني (6/ 132، 12/ 247)، و"كشف اللثام" للسفاريني (3/ 58)، و"سبل السلام" للصنعاني (1/ 197، 4/ 162)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (2/ 346).
* التعريف:
وَرَّادٌ -بفتح الواو وتشديد الراء وبالدال المهملة- الثقفيُّ، مولى المغيرة بنِ شعبةَ وكاتِبُهُ، تابعيٌّ.
يكنى: أبا الورد، حديثه (1) في الكوفيين، سمع المغيرة بن شعبة.
روى عنه: ابن المسيب بن رافع، وعبدةُ بنُ أبي لُبابة، وعبدُ الملك ابن عُمير، والشعبيُّ.
أخرج حديثه في "الصحيحين"، ولم يذكره المؤلف إلا في هذا الموضع (2).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: يقال: أَمْلَى، يُمْلِي، وأَمَلَّ، يُمِلُّ (3)، قال تعالى:{وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} [البقرة: 282].
الثاني: جاء في المغيرة: كسرُ الميم إتباعا للغين؛ كما جاء -أيضًا- ذلك (4) في رغيف إتباعًا للغين، ومثله -أيضًا- مِنْتِن (5) -بكسر
(1) في "ت": "حدث".
(2)
وانظر ترجمته في: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (9/ 48)، و"الثقات" لابن حبان (5/ 498)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (62/ 427)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (2/ 441)، و"تهذيب الكمال"(2) للمزي (30/ 431)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (11/ 100).
(3)
انظر: "الصحاح" للجوهري (5/ 1820)، (مادة: ملل).
(4)
في "ت": "ذلك أيضًا".
(5)
في "ت" زيادة: "أيضًا".
الميم- للإتباع -أيضًا-؛ لأن مِفْعِلًا ليس من الأبنية، ولم (1) يعتد بالنون؛ لسكونها، والساكن عندهم حاجزٌ (2) غيرُ حصين.
الثالث: قوله: "دُبُرَ كلِّ صلاة" هو بضم الدال والباء، ويجوزُ التخفيف؛ كعُنُق، وعُنْق هذا هو المشهورُ في اللغة، والمعروفُ من الروايات.
وأما الدَّبْر -بفتح الدال-، فقال المطرز (3) في "يواقيته (4) ":[دَبَرُ] كلِّ شيءٍ: آخرُ أوقاته؛ من الصلوات (5)، وغيرها، قال: هذا هو المعروف في اللغة، وأما الجارحة، فبالضم.
وقال الداودي عن ابن الأعرابي: دُبر الشيء، ودَبره -بالضم والفتح-: آخرُ (6) أوقاته، والصحيح الضمُّ، ولم يذكر الجوهريُّ وآخرون غيرَه (7).
الرابع: ق: فيه: دليل على استحباب هذا الذكر المخصوص
(1) في "ت": "فلم".
(2)
في "ت": "حائل".
(3)
في "ت": "المطرزي".
(4)
في "ت": "مواقيته".
(5)
في "ت" و"ق": "الصلاة".
(6)
"آخر" ليس في "ت".
(7)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (5/ 95 - 96).
عقبَ الصلوات (1)، وذلك لما اشتمل (2) عليه من معاني التوحيد، ونسبة الأفعال إلى اللَّه تعالى، والمنع والإعطاء، وتمام القدرة. والثوابُ المرتَّبُ على الأذكار يَرِد (3) كثيرًا، مع خفة الأذكار على اللسان وقلَّتها (4)، وإن (5) كان ذلك باعتبار مدلولاتها؛ فإنها كلَّها راجعةٌ إلى الإيمان الذي هو أشرفُ الأشياء (6).
الخامس: انظر ما (7) فائدةُ قولنا بعدَ ثبوت الوحدانية من صريح هذا النفي والإثبات الدالِّ على حصرها في الباري عز وجل وحدَه لا شريك له، والذي يظهر فيه: أنه إنما جاء على طريق التوكيد، مع التكثير لحسنات الذاكر، واللَّه أعلم.
وقوله: "لا شريك له": قال ابن العربي: إشارة إلى نفي (8) أن يكون هو -تعالى- جعله معينًا أو ظهيرًا، لما كانت العربُ (9) تقول:
(1) في "ت": "الصلاة".
(2)
في "ت" و"خ": "اشتملت".
(3)
في النسخ الثلاث: "يذكر"، والصواب ما أثبت.
(4)
في "ق": "وقلبها".
(5)
في "ت": "إنما".
(6)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 90).
(7)
في "ت": "ماذا" بدل "انظر ما".
(8)
في "ت": "إلى" بدل "إشارة إلى نفي".
(9)
"العرب" ليس في "ت".
لَبَّيْكَ لا شريكَ لك، إلا شريكًا تملكُهُ وما مَلَك.
السادس: قوله: "له الملك": قال أبو الحسن الأخفش: يقال (1): مَلِكٌ بَيِّنُ المُلْكِ -بضم الميم-، ومالِكٌ (2) بيِّنُ المَلْكِ، والمِلْك -بفتح الميم وكسرها-، وزعموا أن الضمَّ لغة في هذا المعنى، روى بعضُ البغداديين: لي في هذا الوادي مِلْك، ومَلْك، ومُلْك، بمعنى واحد (3).
السابع: قوله: "وهو على شيء قدير": قيل: إن هذا العموم غير مخصوص، وهو الظاهر، وسمعت بعض شيوخنا يقول (4): وذهب بعض الناس إلى أنه مخصوص؛ من حيث كانت القدرة لا تتعلق إلا بالممكنات دونَ المستحيلات، والتقدير: وهو على كلِّ شيءٍ ممكنٍ (5) قديرٌ، قال الشيخ: وهذا غلط؛ لأنه قد وقع الخلافُ في الممكن (6) المعدوم، هل يطلق عليه شيء حقيقة أم لا؟ فما ظنك بالمستحيل؟ فالمستحيلاتُ غيرُ داخلة في هذا العموم، هذا أو معناه.
فائدة: قيل: إن (7) عمومات القرآن كلَّها مخصوصة إلا أربعَ
(1)"يقال" ليس في "ق".
(2)
في "ت": "وملك".
(3)
انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (1/ 69).
(4)
"يقول" ليس في "ت".
(5)
"ممكن" ليس في "ت".
(6)
في "ت" زيادة: "و".
(7)
"قيل: إن" ليس في "ت".
آيات: قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، وقوله تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]، وقوله تعالى:{وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282]، وقوله تعالى:{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1)[البقرة: 284].
وقيل: إلا قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282] خاصة (2).
الثامن: قوله: "ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ": ح: المشهور الذي عليه الجمهور أنه بفتح الجيم (3).
ق: أي: لا ينفع ذا الحَظِّ منك (4) حَظُّه، وإنما ينفعُه العملُ الصالح، والجدُّ هاهنا وإن كان مطلقًا، فهو محمولٌ على (5) الدنيا، وقوله:(منك) يتعلَّق بـ (ينفع)، وينبغي أن يكون (ينفعُ) (6) مضمَّنًا (7) معنى: يمنعُ: أو ما (8) يقاربه، ولا يعود (منك) على الجد، على الوجه الذي يقال فيه:
(1)"وقوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} " ليس في "ت".
(2)
"خاصة" ليس في "ق".
(3)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (5/ 90).
(4)
"منك" ليس في "ق".
(5)
في "ت" زيادة: "حظ".
(6)
"ينفع" ليس في "ت".
(7)
في "ق": "متضمنًا".
(8)
"ما" ليس في "ت".
حَظِّي منك كثيرٌ أو قليل، بمعنى: عنايتك بي، ورعايتك لي؛ فإن ذلك نافع (1).
قلت: وهذا تنبيه حسن، فتأمله.
التاسع: في أمر معاويةَ بذلك: المبادرةُ (2) إلى امتثال السُّنَن، وإشاعتها (3).
وفيه: جوازُ العمل بالمكاتبة للأحاديث، وإجراؤها مجرى المسموع (4)، والعمل بالخط في مثل ذلك، إذا أمن تغيره.
وهو دليل لمالك رحمه الله في قبولِ الشهادة على الخط، وجَعْلِ خَطِّ الشاهدِ كشخصِه.
وفيه: قبولُ خبر الواحد، وهو فردٌ من أفراد لا تحصى (5)، واللَّه أعلم.
العاشر: قوله: "عن (6) قيل وقال": قال الجوهري: هما اسمان، يقال: كثيرُ القيلِ والقالِ (7).
(1) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 90).
(2)
في "ت": "العبادة".
(3)
في "خ": "وإساغتها"، وفي "ق":"وإشعاتها".
(4)
في "ق": "السماع".
(5)
المرجع السابق، الموضع نفسه.
(6)
"عن" ليس في "ت".
(7)
انظر: "الصحاح" للجوهري (5/ 1806)، (مادة: قول).
ق (1): والأشهر فيه: بفتح (2) اللام، على سبيل الحكاية (3).
كأنه الأشهر من جهة الرواية، وهو الذي يقتضيه المعنى أيضًا؛ لأن القيلَ والقالَ إذا كانا اسمين بمعنى (4) واحد؛ كالقول، لم يكن في عطف أحدِهما على الآخر فائدةٌ.
قلت: فعلى (5) هذا يكون كقولهم: ما رأيته منذ (6) شَبَّ إلى (7) دبَّ، وأشباه ذلك.
ثم قال: هذا (8) النهيُ لا بدَّ من تقييده (9) بالكثرة التي لا يؤمنَ معها وقوعُ الخَطَل والخطأ، والتسبب إلى وقوع المفاسد من غير يقين، والإخبار بالأمور الباطلة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كَفَى بِالْمْرِء إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ"(10)، وقال بعضُ السلف:
(1)"ق" ليست في "ت".
(2)
في "ق": "فتح".
(3)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 91).
(4)
في "ت": "لمعنى".
(5)
في "ق": "وعلى".
(6)
في "ق": "مذ".
(7)
في "ت": "أي".
(8)
في "ت": "وهذا".
(9)
في "ت": "تقيده".
(10)
رواه مسلم (5)، في المقدمة، باب: النهي عن الحديث بكل ما سمع، وأبو داود (4992)، كتاب: الأدب، باب: في التشديد في الكذب، عن حفص بن عاصم، وأبي هريرة رضي الله عنهما، وهذا لفظ أبي داود.
لا يكون إمامًا من حَدَّثَ بكلِّ ما سمعَ (1)(2).
قلت: وسمعت شيخَنا أبا علي البجَّائي (3) رضي الله عنه يقول: قيل (4): إنما جُعل لك لسان واحد، وأذنان (5)؛ ليكون ما تسمع أكثرَ مما تقول.
ويقال: لو كان الكلامُ من فضة (6)، لكان السكوتُ (7) من ذهب.
وحكي عن مالك رضي الله عنه: أنه قيل له في مرضه الذي مات فيه (8): أَوصني (9)، فقال للسائل: إن شئتَ جمعتُ لك علمَ العلماء، وحكمَ الحكماء، وطبَّ الأطباء، في ثلاث كلمات:
أما علم العلماء: فإذا سُئلتَ عما لا تعلم، فقل: لا أعلم.
(1)"وقال بعض السلف: لا يكون إمامًا من حدث بكل ما سمع" ليس في "ق".
(2)
رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"(2/ 109)، عن عبد الرحمن بن المهدي. وانظر:"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 91).
(3)
في "ق": "البخاري".
(4)
"قيل" ليس في "ت".
(5)
في "ت": "إنما جعل اللسان واحد والأذنان أثنان".
(6)
في "ق": "الفضة".
(7)
في "ت": "السكات".
(8)
في "ت": "منه".
(9)
"أوصني" ليس في "ت".
وأما حكم الحكماء (1): فإذا كنت جليسَ قوم، فكن أسْكَتَهم، فإن أصابوا، كنتَ من جملتهم، وإن أخطؤوا، سلمت من خطئهم.
وأما طبُّ الأطباء: فإذا أكلت طعامًا، فلا تَقُمْ إلا ونفسُك تشتهيه، فإنه لا يُلِمُّ بجسدك غيرُ مرض الموت. هذا أو معناه.
وقال أيضًا رضي الله عنه: من عَدَّ كلامَه من عمله (2)، قَلَّ كلامُه.
قال القاضي عبد الوهاب: وهذا فيما منه بدٌّ، فأما القراءةُ، والدعاء، والاستغفار، والكلام في العلم، والتعلُّم، ومصالح الإنسان في نفسه وغيرِه، فخارجٌ عن هذا.
قلت: وهذا لا يختلف فيه، واللَّه أعلم.
الحادي عشر: إضاعة المال: ما أُنفق في حرام، أو مكروه، وأما ما أُنفق في ذات اللَّه -تعالى (3) - وإن أكثر، فليس بإضاعة، بل هو المصون المحرَزُ، وقد قيل لبعضهم: لا خيرَ في السَّرَفِ، فقال: لا سَرَفَ في الخير، وكذلك ما أنفق في مصلحة دنيوية مباحة تليقُ بحال المنفِق.
وأما الإنفاقُ في غير مصلحة، فقد اتُّفِق على أنه الإضاعة له.
(1)"وطب الأطباء في ثلاث كلمات: أما علم العلماء: فإذا سئلت عما لا تعلم فقل: لا أعلم. وأما حكم الحكماء" ليس في "ت".
(2)
في "ت": "علمه".
(3)
في "ت": "كتاب اللَّه".
ق: وأما إنفاقُه في ملاذِّ الدنيا، وشهوات النفس، على وجه لا يليق بحال المنفِق وقدرِ مالِه، ففي كونه إسرافًا خلاف؛ والمشهور: أنه إسراف.
وقال (1) بعض الشافعية: ليس بإسراف؛ لأنه تقوم به مصالح البدن وملاذُّه.
وهو غير صحيح، وظاهر القرآن يمنع ذلك (2).
قلت: كأنه يريد: قولَه تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31]، ويحتمل أن يريد: قولَه تعالى: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء: 26] الآية.
وظاهر السنة -أيضًا- كذلك، قال عليه الصلاة والسلام (3) -:"حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ" الحديث (4)، وغيره مما في معناه.
ولا أعلم خلافًا بين العلماء أن التقلُّلَ (5) من شهوات الدنيا خيرٌ
(1) في "ت": "وقد قال".
(2)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 91).
(3)
في "ت": "قوله صلى الله عليه وسلم".
(4)
رواه الترمذي (2380)، كتاب: الزهد، باب: ما جاء في كراهية كثرة الأكل، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (3349)، كتاب: الأطعمة، باب: الاقتصاد في الأكل وكراهة الشبع، من حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه.
(5)
في "ق": "التقليل".
من الإكثار منها، وهو حالُ الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، وتابعيهم، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يشدُّ على بطنه الحَجَرَ من الجوع، ولم يشبعْ عليه الصلاة والسلام من خُبز البُرِّ ثلاثًا متوالياتٍ حتى قُبِض صلى الله عليه وسلم، وقد أُوتي مفاتيحَ (1) كنوزِ الأرض، فحقُّ المؤمنِ المتديِّنِ أن تكون (2) له بنبيِّه أُسوة.
الثاني عشر: قوله: "وعن (3) كثرة السؤال" يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد: السؤالَ عن الأحكام التي لم تدعُ الحاجة إليها، وقد (4) قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101] وقال عليه الصلاة والسلام: "أَعْظَمُ النَّاسِ جُرْمًا عِنْدَ اللَّه مَنْ سَأَلَ شَيْئًا لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ"(5).
وفي حديث اللِّعان: فَكَرِهَ المَسَائِلَ وَعَابَهَا (6).
(1) في "ت": "بمفاتح".
(2)
في "ت": "يكون".
(3)
في "ت": "عن".
(4)
في "ق" زيادة: "وقد كانوا يكرهون تكلف المسائل التي لا تدعو الحاجة إليها، وقد".
(5)
رواه مسلم (2358)، كتاب: الفضائل، باب: توقيره صلى الله عليه وسلم، وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(6)
رواه البخاري (4468)، كتاب: التفسير، باب: قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ =
وفي حديث معاوية: (1) نَهى عن الأُغْلوطاتِ، وهي شِدادُ (2) المسائِلِ وصِعابُها (3).
ق: وإنما كره ذلك، لما يتضمن كثيرٌ منه من التكلُّف في الدين، والتنطُّع، والرَّجْم بالظَّنِّ من غير ضرورة تدعو إليه، مع عدم الأمن من العِثار وخطأ الظَّنِّ، والأصلُ: المنعُ من الحكم بالظنِّ إلا حيثُ تدعو الضرورةُ إليه (4)(5).
والوجه الثاني: أن يكون المرادُ: سؤالَ الناس ما في أيديهم، وقد مدحَ اللَّه تعالى تاركي السؤالِ الكثيرِ بقوله:{لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273]؛ أي: إلحاحًا (6)، فمفهومه ذم (7) السائلين إلحافًا،
= أَزْوَاجَهُمْ} [النور: 6] ومسلم (1492) في أول كتاب: اللعان، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
(1)
في "ت" زيادة: "و".
(2)
في "ت": "شواذ".
(3)
رواه أبو داود (3656)، كتاب: العلم، باب: التوقي في الفتيا، والإمام أحمد في "المسند"(5/ 435)، والطبراني في "المعجم الكبير"(19/ 389)، وغيرهم.
(4)
في "ت": "لا حيث الضرورة إليه" بدل "إلَّا حيث تدعو الضرورة إليه".
(5)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 92).
(6)
في "ت": "الحاجة".
(7)
في "خ" و"ق": "فضل".
وجاء في الحديث الآخر: "لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَيْسَ في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ"(1)، لا سيما مَنْ سأل من غير ضرورة تدعوه إلى السؤال، وقد رُوي: أنه مات رجلٌ من أهل الصُّفَّة، وتركَ دينارين، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:""كَيَّتَانِ" (2) "(3)، وما سبب ذلك -واللَّه أعلم- إلا أنه كان ظاهره الفقر، وكان يُتصدق عليه؛ لظهور فقره واحتياجه، فلما ظهر له الديناران، كان ذلك خلافَ ظاهرِ حاله.
ق: والمنقول عن (4) مذهب الشافعي رحمه الله جوازُ السؤال، فإذا قيل بذلك (5)، فيبقى النظرُ (6) في تخصيص المنع بالكثرة، فإنه إن كانت الصورة تقتضي المنعَ، فالسؤال ممنوعٌ كثيرُه وقليلُه، وإن لم تقتضِ (7) المنعَ، فينبغي حملُ هذا النهي على الكراهة للكثير من السؤال، مع أنه
(1) رواه البخاري (1455)، كتاب: الزكاة، باب: من سأل الناس تكثرًا، ومسلم (1040)، كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2)
في "ت": "كيتين أو جمرتين".
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(1/ 405)، وأبو يعلى في "مسنده"(4997)، وابن حبان في "صحيحه"(3263)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(6962)، عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه.
(4)
في "ت": "فالمنقول من".
(5)
في "ت": "لذلك".
(6)
في "ت": "المنع" بدل "النظر".
(7)
في "ت": "يقتض".
لا يخلو السؤال من غير حاجة عن (1) الكراهة، فتكون الكراهة في الكثير أشدَّ، وتكون (2) هي المخصوصةَ بالنهي، ويتبين من هذا: أن مَنْ يكره السؤالَ مطلقًا حيث لا يحرُم، ينبغي أن يحملَ قولَه على كثرة السؤال على الوجه الأول المتعلقِ بالمسائل الدينية، أو يجعلَ النهي دالًا على المرتبة الأشدية من الكراهة (3).
قلت: والعجبُ من هذا القائل بكراهة السؤال مطلقًا، حيث لا يحرُم، مع كون السؤال كان (4) في زمن رسول اللَّه-صلى الله عليه وسلم، وفي زمن الصحابة، والتابعين إلى هَلُمَّ جَرًّا، وقد علمت ما جاء في تفسير قوله تعالى:{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8]، وقال تعالى:{فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} (5)[المعارج: 24، 25] وجاء في الحديث: "رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"(6)، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يقرُّ
(1) في "ت": "من".
(2)
في "ت": "ويكون".
(3)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 92).
(4)
في "ت": "كانت".
(5)
في "ت": {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19].
(6)
رواه النسائي (2565)، كتاب: الزكاة، باب: رد السائل، والإمام أحمد في "المسند"(4/ 70)، وابن حبان في "صحيحه"(3374)، وغيرهم، من حديث ابن بجيد الأنصاري، عن جدته، بلفظ:"ردوا السائل ولو بظلف محترق".
على مكروه، بل لا (1) يبعُد عندي أن يجب السؤالُ في وقت الضرورة، ولا أظن أحدًا ينازع في ذلك، واللَّه أعلم.
الثالث عشر: قوله: "وكان ينهى عن عقوق الأمهات"، يقال: عَقَّ والدَه، يَعُقُّ، عُقُوقًا ومَعَقَّةً، فهو عاقٌّ، وعُقَق؛ مثل عامر وعُمر، والجمعُ عَقَقَة؛ مثل كَفَرَة، وفي الحديث:"ذُقْ (2) عُقَقُ"(3)؛ أي: ذْق جزاءَ فِعلك يا عاقُّ، قاله (4) بعضُهم لحمزةَ رضي الله عنه وهو مقتولٌ، تقول منه: أَعَقَّ فلانًا: إذا جاء بالعُقوق، وأَعَقَّتِ الفرسُ: إذا حملت، فهي عَقوق، ولا يقال: مُعِقٌّ إلا في لغة رديئة، وهو (5) من النوادر، والجمع عُقُق، مثل: رسول ورُسُل، قاله الجوهري (6).
والعُقوق: عبارةٌ عن عدم البِر والإحسان للوالدين، وقد صنف العلماء في بر الوالدين؛ كالطرطوشيِّ وغيرِه ما يتعين من ذلك، وما يُندب، وأخصرُ ما رأيتُ في ذلك وأجمعُه ما قاله ابن عطية رحمه الله في "تفسيره"، قال -بعدَ كلام في هذا المعنى-: وجملةُ هذا الباب: أن
(1)"لا" ليست في "ت".
(2)
في "ت" زيادة: "يا".
(3)
ذكره ابن هشام في "السيرة"(4/ 42) عن ابن إسحاق. ومن طريق ابن إسحاق: رواه الدارقطني في "المؤتلف والمختلف" بسنده إليه. انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (1/ 251).
(4)
في "ق": "قال".
(5)
في "ت": "وهي".
(6)
انظر: "الصحاح" للجوهري (4/ 1528)، (مادة: عقق).
طاعة الوالدين (1) لا تُراعى في ركوب كبيرة، ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتُهما في المباحات، وتُستحسن في ترك الطاعات البدنية، ومنه: أمرُ جهاد الكفاية، والإجابةُ للأمِّ في الصلاة، مع إمكان الإعادة، على أن هذا أقوى من الندب، لكن يعلل بخوف هلاكها عليه، ونحوه مما يحيى قطعَ الصلاة، فلا يكون أقوى من الندب، وخالف الحسنُ في هذا الفصل، فقال: إن منعته أمه من شهود العشاء الآخرة شفقةً عليه، فلا يُطعها (2).
وإنما خص الأمهاتِ دون الآباء، وإن كان العقوق محرمًا في حق الجميع؛ للتنبيه على عظم (3) حقِّ الأم، وزيادةِ مقداره على حق الأب، ويشهد له قوله عليه الصلاة والسلام لما قال له الرجل (4): من أَبَرُّ؟ قال: "أُمَّكَ"، ثم قال: مَنْ (5)؟ قال: "أُمَّكَ"، ثم قال: مَنْ؟ قال: "أُمَّكَ"، ثم قال: مَنْ؟ قال: "أَبَاكَ"(6)(7)، فجعل له (8) الرُّبعَ من المبرَّةِ، وهذا الحديث يشير إلى قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ
(1)"أن طاعة الوالدين" ليس في "ت".
(2)
انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (4/ 349).
(3)
"عظم" ليس في "ت".
(4)
في "ت" و"ق": "رجل".
(5)
في "ت": "قال: ثُمَّ مَنْ".
(6)
"ثم قال: مَنْ؟ قال: أباك" ليس في "ت".
(7)
تقدم تخريجه.
(8)
في "ت": "للأب".
وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14]، شرك اللَّه -تعالى- الأمَّ والولد (1) منها في رتبة الوصية بهما، ثم خصص الأم بذكر درجة الحمل، وبدرجة ذكر الرَّضاع، فتحصل (2) للأم ثلاثُ مراتب، وللأبِ واحدة، فكان (3) الحديث كالآية، فاعرفه.
فائدة: أمهاتُ: جمعُ أُمَّهَة، قال الشاعر:[الرجز]
أُمَّهَتي خِنْدِفُ وَاليَأسُ أَبِي
أي: أُمِّي (4)، إلا أن الفرق بين أمهة وأمّ: أن أمهة إنما تقع غالبًا على مَنْ يعقل، وقد تستعمل في غير العاقل، وذلك قليل جدًا، وأُمٌّ تقع على مَنْ يعقل، وعلى ما لا (5) يعقل (6).
الرابع عشر: قوله: "ووأد البنات"، الوأدُ: عبارةٌ عن دفن الحيِّ، يقال: وَأَدَ بِنْتَهُ (7) يَئِدُهَا وَأْدًا، فهي موءودة، وكانت كِنْدَةُ تَئِدُ البنات (8)،
(1) في "ت": "الوالد".
(2)
في "ت": "فحصل".
(3)
في "ت": "وكان".
(4)
في "ق": "أي أبي".
(5)
في "خ": "وما لا".
(6)
انظر: "المحكم" لابن سيده (4/ 363).
(7)
في "ق": "وأديته".
(8)
"الوأد: عبارة عن دفن الحي، يقال: وأد بنته يئدها وأدًا، فهي موءودة، وكانت كندة تئد البنات" ليس في "ت".
وكان صَعْصَعَةُ بنُ ناجيةَ ممن منعَ الوأد، وبه افتخر الفرزدق في قوله:[المتقارب]
وَمِنَّا الَّذيِ مَنَعَ الْوَائِدَاتِ
…
وأَحْيَا الْوَئيدَ (1) فَلَمْ يُوأَدِ (2)
وكان صفةُ وَأْدِهم: أن الرجل إذا وُلِدَتْ لَهُ بنتٌ، فأراد أن يَستحييها، ألبسَها جبةَ صوف، أو شعرٍ، ترعى له الإبل، والغنم في البادية، وإن أرادَ قتلَها، تركها، حتى إذا كانت سداسية، فيقول لأمها: طَيِّبيها وزَيِّنيها حتى أذهبَ بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء، فيبلغ بها البئرَ، فيقول لها: انظُري فيها، فيدفعها من خلفها، ويُهيل عليها الترابَ حتى يستوي (3) البئرُ بالأرض.
وقيل: كانت الحامل إذا أقربَتْ (4)، حفرت حفرةً، فتمخَّضَتْ (5) على رأسِ الحفرة، فإذا وَلَدَتْ بنتا، رمتْ بها في الحفرة، وإن ولدت ابنًا (6)، حَبَسَتْه، وكانَ الحاملُ لهم على ذلك الخوفَ من لحوق العار بهم من أجلهنَّ، أو الخوفَ من الإملاق؛ كما قال تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31]، وكانوا يقولون: الملائكةُ بناتُ اللَّه،
(1) في "ت": "الوليد".
(2)
انظر: "الصحاح" للجوهري (2/ 546)، (مادة: وأد).
(3)
في "ت": "تستوي".
(4)
في "ت": "اقتربت".
(5)
في "ت": "فتحصنت".
(6)
في "ت": "ذكرًا".
فألحِقُوا البناتِ به، فهو أحقُّ بهنَّ، تعالى اللَّهُ عن ذلك علوًا كبيرًا، وإنما خُصِّص هذا بالذِّكْر؛ لأنه كان هو الواقع، فتوجَّه إليه النهي (1)، لا لأن الحكم مخصوصٌ، واللَّه أعلم (2).
الخامس عشر: قوله (3)"ومنعٍ وهاتِ"، و (4) الكلام فيه في موضعين:
أحدهما: من حيث اللفظ.
والآخر: من حيث المعنى.
أما اللفظ: فـ (مَنع) مصدرُ منعَ (5)، وأما (هاتِ)، ففعلُ أمرٍ من يُهاتي؛ مثل: يرامي، يقال (6): هاتِ يا رجل -بكسر التاء-؛ أي: أعطني، وللاثنين: هاتِيا؛ مثل رامِيا، والجمع هاتُوا، وللمرأة هاتي -بإثبات الياء-، مثل: عاطي، وللمرأتين هاتِيا، كالمذكَّرين (7)؛ وللنساء: هاتِينَ؛ مثل: عاطِينَ، وتقول: هاتِ لا هاتَيْتَ، وهاتِ إن (8) كانتْ بكَ مهاتاةٌ، وما (9) أُهاتيك؛ مثل: ما أعاطيك، ولا يقال منه: هاتَيْتُ،
(1) في "ت": "النهي إليه".
(2)
انظر: "الكشاف" للزمخشري (4/ 708).
(3)
"قوله" ليس في "خ".
(4)
الواو ليست في "ت".
(5)
"منع" ليس في "ت".
(6)
في "ت": "تقول".
(7)
في "ق": "لمذكرين".
(8)
في "ق": "وهاتان كانت".
(9)
في "ت": "فأما".
ولا يُنهى (1) بها؛ أي: لا يقال: لا تُهاتِ، وهذا راجع إلى السماع.
قال الخليل: هات، من أاتى (2) يُؤْتي، فقلبت الألف هاءً (3).
فهات على هذا في الحديث على الحكاية؛ كما تقدم في (قيل) فيمن فتح اللام.
وأما المعنى: فقيل: يحتمل وجهين:
أحدهما: النهيُ عن المنع حيث يؤمَرُ بالإعطاء، وعن السؤال حيث يُمنع منه، فيكون كل واحد مخصوصًا بصورةٍ غيرِ (4) صورة الآخر.
والثاني: أن يجتمعا في صورة واحدة، ولا تَعَارُضَ بينهما، فتكون وظيفةُ الطالب أن لا يسأل، و (5) وظيفةُ المعطي أن لا يمنع إن وقع السؤال، وهذا لا بدَّ أن يُستثنى منه ما إذا كان المطلوبُ محرَّمًا على الطالب؛ فإنه يمتنع على المعطي إعطاؤه؛ لكونه (6) يكون مُعِينًا على الإثم.
ويحتمل أن يكون الحديث محمولًا على الكثرة من السؤال، واللَّه أعلم (7).
(1) في "ق": "ولا يبنى".
(2)
في "ت": "أتى".
(3)
انظر: "الصحاح" للجوهري (1/ 271)، (مادة: هـ ي ت).
(4)
في "ق": "عن".
(5)
الواو ليست في "ق".
(6)
في "ق": "ولكونه".
(7)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 93).