الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث
117 -
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو في صلاته (1) يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيح الدَّجَّالِ"(2).
وفي لَفْظٍ لمسلم (3): "إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدَكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبعٍ: يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ"، ثمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ (4).
(1)"في صلاته" زيادة من "ت".
(2)
* تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (1311)، كتاب: الجنائز، باب: التعوذ من عذاب القبر، ومسلم (588/ 131)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: ما يستعاذ منه في الصلاة، والنسائي (2060) كتاب: الجنائز، باب: التعوذ من عذاب القبر، و (5518)، كتاب: الاستعاذة، باب: الاستعاذة من عذاب النار، من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به.
(3)
"لمسلم" زيادة من "ت".
(4)
رواه مسلم (588/ 128)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، وأبو داود (983)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقول بعد التشهد، وابن ماجه (959)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقال =
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قد تكرر أن (1)(كان) هذه تدل على المداومة، والتكرار، وظاهرُ هذه الرواية الأولى: عمومُ الدعاء بذلك؛ أعني: في الصلاة وغيرها، بخلاف رواية مسلم الثانية.
= في التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، من طريق حسان بن عطية، عن محمد ابن أبي عائشة، وعن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به. وقد رواه مسلم (588/ 130، 132، 133)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: ما يستعاذ منه في الصلاة، والنسائي (2561)، كتاب: الجنائز، باب: التعوذ من عذاب القبر، و (5505 - 5506)، كتاب: الاستعاذة، باب: الاستعاذة من عذاب جهنم وشر المسيح الدجال، و (5508 - 5511)، باب: الاستعاذة من فتنة المحيا، و (5513)، باب: الاستعاذة من فتنة الممات، و (5514)، باب: الاستعاذة من عذاب القبر، و (5515)، باب: الاستعاذة من فتنة القبر، و (5516)، باب: الاستعاذة من عذاب اللَّه، و (5520)، باب: الاستعاذة من حر النهار، والترمذي (3654)، كتاب: الدعوات، باب: في الاستعاذة، من طريق وألفاظ مختلفة.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"إكمال المعلم" للقاضي عياض (2/ 545)، و"المفهم" للقرطبي (2/ 208)، و"شرح مسلم" للنووي (5/ 85)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 75)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (2/ 614)، و"فتح الباري" لابن رجب (5/ 182)، و"طرح التثريب" للعراقي (3/ 106)، و"النكت على العمدة" للزركشي (ص: 119)، و"فتح الباري" لابن حجر (2/ 318)، و"عمدة القاري" للعيني (8/ 257)، و"كشف اللثام" للسفاريني (2/ 607)، و"سبل السلام" للصنعاني (1/ 194)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (2/ 329).
(1)
في "ت": "تقرر أنه".
الثاني: القَبْر: واحدُ القبور، والمقبَرة والمقبُرة (1) -بفتح الباء وضمها-: واحدةُ المقابر، وقد جاء في الشعر: المَقْبَر (2)، قال:
لِكُلِّ أُنَاسٍ (3) مَقْبَرٌ بِفِنَائِهِمْ
…
فَهُمْ يَنْقُصُونَ وَالْقُبُورُ تَزِيدُ
وقَبَرْتُ الميتَ، أَقْبُرُهُ وأَقْبِرُهُ -بضم الباء وكسرها- قَبْرًا؛ أي: دفنتُه، وأَقْبرتُه: أمرتُ (4) بأن يُقبر.
وقال ابن السِّكِّيت: أقبرته (5): صَيَّرت له قبرًا يُدفن فيه، وقوله تعالى:{ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21]؛ أي: جعله ممن (6) يُقبر، ولم يجعله ممن يُلقى للكلاب، وكأنَّ القبرَ مما أُكْرِم به بنو آدم (7).
الثالث: الحديث مصرِّح بثبوت عذاب القبر؛ كما هو مذهب أهل السنة والحق، والإيمانُ به واجب، وقد أشبعنا (8) القولَ في ذلك في "شرح (9) رسالة ابن أبي زيد"، أعان اللَّه على إكماله.
(1)"والمقبُرة" ليس في "ت".
(2)
"المقبر" ليس في "ق".
(3)
في "ت" و"خ": "قوم".
(4)
في "ق": "أي: أمرت".
(5)
في "ق": "قبرته".
(6)
"ممن" ليس في "ق".
(7)
انظر: "الصحاح" للجوهري (2/ 784)، (مادة: قبر).
(8)
في "ت": "أشفي".
(9)
"شرح" ليس في "ت".
الرابع (1): الفتنة: قال أهل اللغة: هي الامتحان والاختبار.
ع: لكن عرفها في اختبار كشف عما يكره، يقال (2): فَتَنْتُ الذهبَ: إذا أدخلتَهُ النارَ لتختبرَه، وتنظرَ ما جودته، ودينارٌ مفتون، قال اللَّه -تعالى-:{إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [البروج: 10]، (3) ويسمى الصائغ: الفتان، وكذلك الشيطان.
وقال الخليل (4): الفَتْن: الإحراق، قال اللَّه تعالى:{يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13].
قلت: وكلاهما متقارب، أو متساوٍ، ويقال: افْتُتِنَ (5) الرجلُ، وفُتِن، فهو مَفْتون: إذا أصابته فتنةٌ، فذهب (6) مالُه، أو عقلُه.
وكذلك إذا اختبر، قال اللَّه تعالى:{وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: 40].
والفُتون أيضا: الافتتان، فيتعدَّى (7)، ولا يتعدَّى، وأنكر الأصمعي أَفْتَنَتْ، بالألف.
وقال الفراء: أهل الحجاز يقولون: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} [الصافات: 162] ،
(1)"الرابع" ليس في "ت".
(2)
"يقال" ليس في "ق".
(3)
في "ت" زيادة: "والمفتون".
(4)
في "ت" زيادة: "بن أحمد".
(5)
في "ت": "افتَن".
(6)
في "ت": "بأن ذهب".
(7)
في "ق": "الاختبار، يتعدى ولا يتعدى".
وأهل نجد يقولون: (بِمُفْتِنين) من أَفْتَنْتُ، واللَّه أعلم (1).
الخامس (2): ق (3): وفتنةُ المحيا: ما يتعرض له الإنسان مدةَ حياته من الافتتان بالدنيا، والشهوات، والجهالات، وأشدُّها وأعظمُها (4) -والعياذ بالله تعالى- أمرُ الخاتمة عندَ الموت.
وفتنة الممات؛ يجوز أن يراد بها: الفتنة عند الموت، أضيفت إلى الموت؛ لقربها منه، وتكون فتنة المحيا على هذا ما يقع قبل ذلك في مدة حياة الإنسان، وتصرفه في الدنيا (5)، فإنَّ ما قارب الشيء يُعطى حكمَه، فحالةُ الموت تشبَّه بالموت (6)، ولا تُعَدُّ من الدنيا.
ويجوز أن يراد بفتنة الممات: فتنة القبر؛ كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فتنة القبر؛ كمثل، أو أعظم من فتنة الدجال، ولا يكون على (7) هذا الوجه (8) متكررًا مع قوله:"مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ"؛ لأن العذابَ مرتَّبٌ على الفتنة، والسببُ غيرُ المسبَّب، ولا يقال: إن المقصود زوالُ عذاب القبر؛
(1) وانظر: "لسان العرب" لابن منظور (13/ 317)، (مادة: فتن).
(2)
في "خ": "السادس"، وهو خطأ في الترقيم.
(3)
"ق" ليست في "ت".
(4)
في "ت": "وأغلظها".
(5)
"في الدنيا" ليس في "ت".
(6)
في "ت": "الموت".
(7)
في "ت": "مع".
(8)
"الوجه" ليس في "ت".
لأن الفتنة نفسَها أمر عظيم، وهو شديدٌ يُستعاذ باللَّه من شره.
قال (1): وقد (2) ظهرت العناية بالدعاء بهذه الأمور؛ حيث أمرنا بها في كل صلاة، وهي حقيقة بذلك؛ لِعِظَمِ الأمر فيها، وشدة البلاء في وقوعها؛ ولأن أكثرها أو كلَّها أمورٌ إيمانية غيبية، فتكرُّرُها على الأنفس يجعلها مَلَكَة لها (3).
السادس (4): هذا الدعاء مستحب عند جمهور العلماء، غيرُ واجب.
وذهب طاوسٌ وأهلُ الظاهر إلى وجوبه.
وقع في "مسلم": أن طاوسًا أمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم يدعُ بهذا الدعاء فيها، و (5) كأنه حمل الأمرَ بذلك على الوجوب.
ح: ولعل طاوسًا أراد تأديبَ ابنه، وتأكيدَ هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبَه، واللَّه أعلم (6).
السابع (7): في حديثِ مسلم (8): "إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ (9) "،
(1)"قال" ليس في "ت".
(2)
في "ق": "فقد".
(3)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق العيد (2/ 75).
(4)
في "خ": "السابع".
(5)
الواو ليست في "ت".
(6)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (5/ 89).
(7)
في "خ": "الثامن ".
(8)
في "خ": "لمسلم".
(9)
في "ت" زيادة: "باللَّه".
وهو أعمُّ من أن يكون في التشهد الأول أو الآخر، لكن يفسره الحديث الآخر في مسلم أيضًا:"إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ، فَلْيتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ"(1)، ففيه التصريحُ باستحبابه في التشهد الأخير، والإشارةُ إلى أنه لا يستحب في الأول، وهذا الحكم؛ لأن الأولَ قُصد فيه التخفيف، وقد تقدم أنه من المواضع الستة التي يُكره فيها الدعاءُ عندنا.
الثامن (2): ع: ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم واستعاذتُه من هذه الأمور التي عوفي منها وعُصم؛ إنما فعله ليلتزم خوف اللَّه -تعالى- وإعظامه، ولإظهاره السنة صلى الله عليه وسلم (3).
* * *
(1) هو عند مسلم برقم (588)، (1/ 412).
(2)
في "خ": "السابع".
(3)
وانظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (2/ 538).