المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث الثاني 61 - عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام - جـ ٢

[تاج الدين الفاكهاني]

فهرس الكتاب

- ‌بابُ الأَذانِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌بابُ استقبالِ القبلةِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌بابُ الصُّفوفِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌بابُ الإِمامةِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني والثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌بابُ صفةِ صلاةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالثَ عشر

- ‌الحديث الرابعَ عشر

- ‌باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود

- ‌باب القراءة في الصَّلاةِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب ترك الجَهرِ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

- ‌باب سجود السَّهو

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب المرور بينَ يديِ المصلي

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب جامع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌باب التشهد

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الوتر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌باب الزكاة عقب الصلاة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب الجمع بين الصلاتين في السفر

- ‌باب قصر الصلاة في السفر

- ‌باب الجمعة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

الفصل: ‌ ‌الحديث الثاني 61 - عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ

‌الحديث الثاني

61 -

عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ (1) حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، قَالَ: فَخَرَجَ بِلالٌ بِوَضُوءٍ؛ فَمِنْ نَاضِحٍ، وَنَائِلٍ ، قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ؛ كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ ، فَتَوَضَّأَ، وَأَذَّنَ بِلالٌ ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ، هَهُنَا، وَهَهُنَا؛ يَمِيناً وَشِمَالاً، يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ؛ ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ ، فَتَقَدَّمَ، وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ (2).

(1)"له" ليس في (ق).

(2)

* تَخْرِيج الحَدِيث:

رواه البخاري (185)، كتاب: الوضوء، باب: استعمال فضل وضوء الناس، و (369)، كتاب: الصلاة في الثياب، باب: الصلاة في الثوب الأحمر، و (473)، كتاب: سترة الإمام من خلفه، و (477)، كتاب: الصلاة على العنزة، و (479)، باب: السترة بمكة وغيرها، و (607)، كتاب: الأذان، باب: الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة، والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع، و (3360)، كتاب: المناقب، باب: صفة النبي صلى الله عليه وسلم، و (3373)، باب: صفة النبي صلى الله عليه وسلم، باب: صفة النبي صلى الله عليه وسلم، و (5449)، =

ص: 24

* التعريف:

وهب بن عبد الله: هو المشهور، وقيل: وهب بن جابر، وقيل: وهب بن وهب بن مسلم بن جنادة -بضم الجيم وبالنون والدال

= كتاب: اللباس، باب: التشمير في الثياب، و (5521)، باب: القبة الحمراء من أدم.

ورواه مسلم (503)، (1/ 360، 361)، كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي، واللفظ له، وأبو داود (520)، كتاب: الصلاة، باب: في المؤذن يستدير في أذانه، و (688)، باب: ما يستر المصلي، والنسائي (137)، كتاب: الطهارة، باب: باب: الانتفاع بفضل الوضوء، و (470)، كتاب: الصلاة، باب: صلاة الظهر في السفر، و (643)، كتاب: الأذان، باب: كيف يصنع المؤذن في أذانه، و (772)، كتاب: القبلة، باب: الصلاة في الحمر، و (5378)، كتاب: الزينة، باب: اتخاذ القباب الحمر، والترمذي (197)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في إدخال الإصبع في الأذن عند الأذان، وابن ماجه (711)، كتاب: الأذان، باب: السنة في الأذان.

* مصَادر شرح الحَدِيث:

«عارضة الأحوذي» لابن العربي (1/ 313)، و «إكمال المعلم» للقاضي عياض (2/ 415)، و «المفهم» للقرطبي (2/ 102)، و «شرح مسلم» للنووي (4/ 216)، و «شرح عمدة الأحكام» لابن دقيق (1/ 178)، و «العدة في شرح العمدة» لابن العطار (1/ 376)، و «فتح الباري» لابن رجب (2/ 218)، و «النكت على العمدة» للزركشي (ص: 76)، و «التوضيح» لابن الملقن (6/ 384)، و «فتح الباري» لابن حجر (1/ 295، 573)، و «عمدة القاري» للعيني (3/ 74)، و «كشف اللثام» للسفاريني (2/ 164)، و «نيل الأوطار» للشوكاني (2/ 28).

ص: 25

المهملة- بن جندل بن صعصعة، والسوائي -بضم السين ممدود-: منسوب إلى سواءة بن عامر بن صعصعة، له صحبة، سكن الكوفة، يقال: قبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبلغ الحلم، وتوفي في ولاية بشر بن مروان، وكان يصحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، هكذا ذكره الحافظ أبو علي بن سكن ففي كتابه في الصحابة.

وقال لحافظ أبو محمد عبد الغني في كتابه «الكمال (1) في أسماء الرجال» : أبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائي، ويقال: وهب بن وهب، ويقال: وهب الخير (2)، من بني جرثان بن سواءة بن عامر بن صعصعة، وكان من صغار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، نزل الكوفة، وابتنى بها دارا.

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وأربعون حديثا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، وانفرد مسلم بثلاثة أحاديث.

روى عنه: ابنه عون، وإسماعيل بن أبي خالد، والحكم بن عتيبة، وأبو إسحاق السبيعي.

روى له الجماعة رضي الله عنهم (3).

(1) في (خ): "الإكمال".

(2)

في (ق): "وهب بن الحسين".

(3)

وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (6/ 63)، و «الثقات» لابن حبان (3/ 428)، و «الاستيعاب» لابن عبد البر (4/ 1619)، و «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (1/ 199)، و «أسد الغابة» لابن الأثير (6/ 47)، و «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي (2/ 489)، =

ص: 26

* ثم الكلام على الحديث من وجوه:

الأول: (القبة)، أصلها من البناء، وشبه الأديم وغيره به، والجمع قُبَب وقِباب، وبيت مقبب: جعل فوقه قبة، وهودج مقبب أيضا، والأدم: جمع أديم، وهو مثل أَفيق، وأَفَق، والأَفيق: الجلد الذي يتم دباغه (1).

وقال الأصمعي: الأَفيق: الجلد إذا دبغغ قبل أن يخرز، وهما من الجموع النادرة -أعني: أدما وأَفَقًا-، وقد جمعوهما -أيضا- على (أَفْعِلَتة)، فقالوا: أديم وآدمة، وأفيق وآفقة؛ كرغيف وأرغفة.

قال الجوهري: وربما سمي وجه الأرض أديما، وأنشد:[المنسرح]

يَوْمًا تَرَاهَا كَشِبْهِ أَرْدِيَةِ الْ

عَصْبِ ويَوْمًا أَدِيمُهَا نَغِلَا (2)

وعمود وعَمَد، كأفيق وأفق.

الثاني: قوله: «فخرج بلال بوضوء» ؛ أي: خرج من القبة، ومعه فضل الماء الذي توضأ به عليه الصلاة والسلام.

= و «تهذيب الكمال» للمزي (31/ 132)، و «سير أعلام النبلاء» للذهبي (3/ 202)، وت «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر (6/ 626)، و «تهذيب التهذيب» له أيضا (11/ 145).

(1)

في (ق): "دباغته".

(2)

البيت للأعشى، كما في «ديوانه» (ص: 233). وانظر: «الصحاح» للجوهري (5/ 1858)، (مادة: أدم).

ص: 27

قيل: ولا ينبغي أن يحمل ذلك على الساقط عن (1) أعضائه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه ليس من عادته أن يتوضأ في إناء يسقط فيه الماء المنفصل عن أضائه، ويجمع ذلك في إناء، بل كان يتوضأ على الأرض صلى الله عليه وسلم.

وقد تقدم الكلام على الوضوء والوَضوء -بالفتح والضم-، وهو هنا بالفتح لا غير.

الثالث: قوله: «فمن ناضح ونائل» ؛ النضح: الرش، قيل: معناه: أن بعضهم كان ينال منه ما لا يفضل منه شيء، وبعضهم كان ينال منه ما ينضحه على غيره (2)، وتشهد له الرواية الأخرى في «الصحيح»:«ورأيت بلالا أخرج وضوء، فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئا، تمسح به، ومن لم يصب منه، أخذ من بلل يد صاحبه» (3).

فيه: التبرك بأثر (4) الصالحين، والتماس خيرهم وبركتهم.

وفيه: شدة تعظيم أصحابه له، وإدجلالهم لمكانه، وعظيم حقه،

(1) في (ق): "من".

(2)

انظر: «شرح عمدة الأحكام» لابن دقيق (1/ 178).

(3)

هي رواية البخاري برقم (369)، ومسلم (503)، (1/ 360)، المتقدم تخريجه في حديث الباب.

(4)

في (ق): "بآثار".

ص: 28

وعظيم الحرص على نيل بركته، وهذا كان دأبهم معه صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم أجمعين، وكانوا عنده كأن على رؤوسهم الطير، إذا تكلم أنصتوا، وإذا تنخم، لم تقع إلا في يد رجل منهم، فيدلك بها وجهه، وإذا توضأ، كادوا يقتتلون على وَضوئه، وذلك بعض ما يجب من إعظمه وإجلاله وتمحيض ولائه، وكيف لا، وقد كانوا على شفا حفرة من النار، فأنقذهم منها؟! [الكامل][1]

وَلَوْ قِيلَ لِلْمَجْنُونِ لَيْلَى وَوَصْلَهَا

تُرِيدُ أَمِ الدُّنْيَا وَمَا فِي طَوَايَاهَا

لَقَالَ غُبَارٌ مِنْ تُرَابِ نِعَالِهَا أَحبُّ

إِلَى نَفْسِي وَأَشْفَى لِبَلْوَاهَا

الرابع: الحلة: ثوبان: إزار، ورداء، لا يسمى حلو حتى يكون ثوبين، هذكا قاله أهل اللغة، ومنه الحديث:«أنه رأى رجلا عليه حلة قد ائتزر بأحدهما، وارتدى بالآخر» (1).

وقال (2) ابن السِّيْد البطليوسي: ولا يقال: ولا يقال: حلة لثوب واحد، إلا أن يكون له بطانة (3).

(1) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» : (2606) في قصة ذي البجادين، بلفظ: «فاتزر نصفا، وارتدى نصفا

».

(2)

في (ق): "فقال".

(3)

وانظر: «مشارق الأنوار» للقاضي عياض (1/ 196).

ص: 29

الخامس: قوله: «كأني إلى بياض ساقيه» : لا يقال: قد جاء في صفته عليه الصلاة والسلام: ليس با؟ لأبيض الأمهق، وإذا نفي عنه البياض، كيف يوصف به؟ لأنا نقول: لم ينف عنه مطلق البياض، لا يخالط شيء من الحمرة، وليس بنير، ولكن كلون الجص ونحوه، هكذا ذكره أهل اللغة (1)، فهذا هو المنفي (2) عنه، وأما مطلق البياض، فلم ينفى عنه.

فيه دليل على تقصير الثياب، وهو أحد ما قيل في تفسير قوله تعالى:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]، ويكون من باب تسمية الشيء بلازمه (3)؛ إذ يلزم من تقصيرها تطهيرها وصيانتها عما يصل إليها، وقد جاء أنه أتقى وأنقى وأبقى؛ أي: التقصير (4)، وقد تقدم شيء من هذا المعنى.

السادس: قوله: «فتوضأ، وأذن بلال» : في ظاهره بعض إشكال، وذلك أنه تقدم قوله:«فخرج بلال بوضوء» (5).

وقد قالوا: إن الوضوء هنا فضلة ماء وضوئه صلى الله عليه وسلم، ولذلك ابتدره

(1) انظر: «غريب الحديث» لأبي عبيد (3/ 27).

(2)

في (ق): "المنتفى".

(3)

في (ق): "بملازمه".

(4)

في (ق): "القصير".

(5)

في (ق): "بوضوئه".

ص: 30

أصحابه، وازدحموا عليه؛ تبركا به -كما تقدم-، وقد جاء مبينا في الحديث الآخر:«فرأيت الناس يأخذون من فضل وضوئه» (1)، فكيف يقال بعد هذا: فتوضأ؟

وقد أجيب عن هذا الإشكال، بأن فيه تقديما وتأخيرا، وهذا فاسد؛ لأن التقديم والتأخير -وإن كان خلاف الأصل-، لا يكون مع التكرار جزما.

وأقرب ما يقال في ذلك -والله أعلم-: أن الوضوء الذي خرج به بلال رضي الله عنه يجوز أن يكون فضلة وضوء له عليه الصلاة والسلام متقدم، ثم (2) لما خرج، توضأ لهذه الصلاة التي أذن لها بلال، وهذا أقل تكلفا مما تقدم؛ إذ لايلزم أن يكون الوضوء الذي خرج به بلال لهذه الصلاة ولا بد، ويحتمل أن يكون لها، لكن عرض له عليه الصلاة والسلام-بعد وضوئه ما أوجب إعادة الوضوء، إما وجوبا؛ كحدث، أو اختيار لتجديد، والله أعلم (3).

السابع: قوله: «فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا» : هاهنا: ظرف مكان، ويتصل بآخرها حرف الخطاب (4)، فيقال: هناك، زيدت عليه هاء التنبيه؛ كزيادتها على اسم الإشارة، نحو: هذا، وهاهنا، مبني؛

(1) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (185)، ومسلم برقم (503)، (1/ 361).

(2)

"ثم" ليس في (ق).

(3)

انظر: «إكمال المعلم» للقاضي عياض (2/ 415).

(4)

في (ق): "خطاب".

ص: 31

لتضمنه معنى حرف الإشارة تقديرا؛ إذ لاوجود له لفظا، وفيها ثلاث لغات: ضم اهاء وتخفيف النون؛ كما هو في الحديث، وفتح الهاء مع تشديد النون وكسرها مع ذلك، وهو أقلها، ومثلها من ظروف المكان المشار بها، ثم بفتح التاء، لكنها لا يشار بها إلا لما بعد من الأمكانة، بخلاف هنا؛ فإنها لما قرب خاصة.

و «يمينا وشمالا» : يدل من قوله: «هاهنا وهاهنا» ، ويجوز أن يكونا منصوبين بإضمار؛ أعني: مفعولين على السعة.

فيه: دليل على استدارة المؤذن للإسماع عند الدعاء إلى الصلاة، وهو وقت التلفظ بالحيعلتين، وقوله: يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح بين وقت الاستدارة، وأنه وقت الحيعلتين، وقد جوز مالك دورانه للإسمالع مطلقا فيما يظهر من كلام ع.

قال ع: ويكون مستقبل القبلة بقدميه، وهو اختيار الشافعي (1).

وفيه: دليل على الاكتفاء في السترة بمثل غلظ العنزة.

وفيه: دليل على [أن] المرور من وراء السترة غير ضار.

وقوله: «ثم ركزت له عنزة» ؛ أي: غرزت في الأرض، والعنزة (2) قيل: هي عصا في طرفها زُجٌّ، وقيل: هي الحربة الصغيرة (3).

فيه: دليل على استحباب وع السترة بين يدي المصلي عند

(1) المرجع السابق، (2/ 416).

(2)

"والعنزة" ليس في (خ).

(3)

انظر: «الصحاح» للجوهري (3/ 887)، (مادة: عنز). وانظر: «شرح عمدة الأحكام» لابن دقيق (1/ 179).

ص: 32

خوف المرور، وسيأتي الكلام على هذه المسألة بأبسط من هذا في باب: المرور بين يدي المصلي، إن شاء الله تعالى.

الثامن: قوله: «ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة» يريد: أنه كان اجتماعه بالنبيت صلى الله عليه وسلم بمكة (1)، فلم يزل يصلي ركعتين حتى أتى المدينة، وقد جاء ذلك مصرحا به في الرواية الأخرى التي (2) قال فيها:«أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهو بالأبطح في قبة حمراء من أدم» (3)، وهذه الرواية المبينة لتلك تشتمل على زيادة فائدة أخرى؛ فإنه في الرواية المبهمة يجوز أن يكون اجتماعه به عليه الصلاة والسلام في طريقه إلى مكة قبل وصوله إليها، وعلى هذا يشكل (4) قوله:«فلم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة» ، من حيث إن السفر يكون له نهاية يوصل إليها قبل الرجوع، وذلك مانع من القصر عند بعضهم، أما إذا تبين أنه كان الاجتماع بمكة، فيجوز أن تكون صلاة الظهر التي أدركها ابتداء الرجوع، ويكون قوله:«حتى رجع إلى المدينة» انتهاء الرجوع، هذا معنى كلام ق، وأكثر لفظه (5).

فيه: دليل على راجحية القصر على الإتمام حال السفر، أما كونه

(1)"بمكة" ليس في (ق).

(2)

"التي" ليس في (ق).

(3)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (3373)، ومسلم برقم (503)، (3/ 360).

(4)

في (ق): "أشكل".

(5)

انظر: «شرح عمدة الأحكام» لابن دقيق (1/ 179).

ص: 33

دليلا على وجوب القصر، فلا، إلا على من يقول: إن أفعاله عليه الصلاة والسلام على الوجوب، وسيأتي الكلام على حكم القصر في بابه إن شاء الله تعالى.

فائدة:

المدينة: مشتقة من قولهم: مَدَنض بالمكان: إذا أقام به، فهي (فَعيلة)، وتجمع (1) على مدائن بالهمز، وعلى مُدُن أيضا، وَمَدَن، بالتخفيف، والتثقيل، وقيل: إنها (مَفْعِلَة) من دِنْتُ: إذا ملكت.

قال الجوهري: وسألت أبا علي الفَسَوي عن همز مدائن، فقال: فيه قولان: من جعله (فعيلة) من قولك: مدن بالمكان: إذا أقام (2) به، همزه، ومن جعله (مفعلة) من قولك: دِينَ؛ أي: مُلِك، لم يهمزه كما لم يهمز معايش، وإذا نسبت إلى مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام، قلت: مَدَني، وإلى مدينة منصور (3)، قلت: مَدِيني، وإلى مدائن كسرى: مَدائني؛ للفرق بين النسب؛ لئلا تختلط، وأما مدين قرية شعيب عليه الصلاة والسلام، فالنسب إليها مَدْيَني -بسكون الدال- على القياس (4).

وللمدينة عشرة أسماء: المدينة، والدار؛ لأمنها والاستقرار بها،

(1) في (ق): "فتجمع".

(2)

في (ق): "أي: أقام".

(3)

في (ق): "مصور".

(4)

انظر: «الصحاح» للجوهري (6/ 2201)، (مادة: مدن).

ص: 34

وطابة، وطيبة، وفي «صحيح مسلم»: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله -تعالى- سمى المدينة طابة» رواه جابر (1)، وطايب، ومسكينة، وجابرة، ومجبورة، ويثرب، ومدد.

وقد جاء لها من الأسماء غير ذلك في كتاب «أخبار النواحي» لابن المنجم (2)، عدة أسماء، رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن غيره، فمن أراد استيعابها (3)، نظره هناك إن شاء الله تعالى.

* * *

(1) رواه مسلم (1385)، كتاب: الحج، باب: المدينة تنفي شرها، من حديث جابر بن صمرة رضي الله عنه.

(2)

كتاب: «النواحي في أخبار البلدان» لأبي إسحاق إبراهيم بن أبي عون أحمد بن المنجم الأنباري، الكاتب، المتوفى سنة (322 هـ). انظر:«الفهرست» لابن النديم (ص: 211).

(3)

في «ق» : "استيفاءها".

ص: 35