الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
65 -
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ، فِي صَلاةِ الصُّبْحِ، إذْ جَاءَهُمْ آتٍ ، فَقَالَ: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ؛ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّامِ ، فَاسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ (1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (395)، كتاب: القبلة، باب: ما جاء في القبلة، و (4218)، كتاب: التفسير، باب: قوله: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ
…
} [البقرة: 143]، و (4220)، باب: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ
…
} [البقرة: 145]، و (4221)، باب: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ
…
} [البقرة: 146]، و (4224)، باب: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ
…
} [البقرة: 150]، و (6824)، كتاب: التمني، باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، ومسلم (526)، (1/ 375)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، والنسائي (493)، كتاب: الصلاة، باب: استبانة الخطأ بعد الاجتهاد، و (745)، كتاب: القبلة، باب: استبانة الخطا بعد الاجتهاد، والترمذي (341)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في ابتداء القبلة، مختصرا. =
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله: «بينما الناس» : اعلم: أن (بينما) ظرف زمان منتصب بجوابه، على ما سييبين.
والأصل: (بين) زيدت عليه (ما)؛ لتكفه عن خفض ما بعده، وإضافته إليه، والجملة الواقعة بعده لا موضع لها من الإعراب، ودليل أن (ما) كافة: أن العرب لم تخفض ب (بينما) في موضع من المواضع، فإذا قلت: بينما وزيد قائم، قام عمرو، كان الناصب لـ (بينما): قام، والجملة من قولك: زيد قائم، لا موضع لها من الإعراب.
ولتعلم: أنه يجوز أن تتلقى (بينما) بـ (إذ)، و (إذا)، فتقول: بينما زيد قائم، إذ قام عمرو؛ كما في الخديث، وبينما الحياة، إذ الموت.
قال الشاعر: [البسيط]
فَبَيْنَمَا الْعُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ
= * مصَادر شرح الحَدِيث:
«الاستذكار» لابن عبد البر (2/ 451)، و «عارضة الأحوذي» لابن العربي (2/ 138)، و «إكمال المعلم» للقاضي عياض (2/ 448)، و «المفهم» للقرطبي (1/ 127)، و «شرح مسلم» للنووي (5/ 10)، و «شرح عمدة الأحكام» لابن دقيق (1/ 189)، و «العدة في شرح العمدة» لابن العطار (1/ 395)، و «فتح الباري» لابن رجب (2/ 320)، و «النكت على العمدة» للزركشي (ص: 78)، و «فتح الباري» لابن حجر (1/ 506)، و «عمدة القاري» للعيني (4/ 147)، و «كشف اللثام» للسفاريني (2/ 208)، و «نيل الأوطار» للشوكاني (2/ 176).
وقال في هذه القطعة أيضا:
وَبَيْنَمَا الْمَرْءُ فِي الْأَحْيَاءِ مُغْتَبِطٌ
…
إِذَا هُوَ الرَّمْسُ تَعْفُوهُ الْأَعَاصِيرُ (1)
فتلقى (بينما) في البيت الأول بـ (إذ)، وفي الثاني بـ (إذا)، وهذا بخلاف (بينا)؛ فإنها لا تتلقى (2) بـ (إذ)، ولا بـ (إذا)، بل تقول: بينا زيد قائم، جاء عمرو.
وقيل: لأن المعنى فيه: بين أثناء الزمان جاء عمرو، ومنه قول أبي ذؤيب:[الكامل]
بَيْنَا تَعَانُقِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ
…
يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ
فقال: أتيح، ولم يقل: إذا أتيح، وهذا البيت ينشد بجر (تعانقه)، ورفعه، ولم يعرف الأصمعي إلا الجر، فمن جره، فالألف عنده لإشباع الفتحة، إذ الأصل: بين، وتعانقه: مضاف إليه، ومن رفعه، جعل الألف كافة، وتعانقه: مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: بينا تعانقُه الكماة وروغُه واقعان منه.
ولتعلم: أنه لا يقع بعد (بينا) إلا جملة، أو مفرد، بشرط أن يكون مصدرا، فالجملة قد تقدم تمثيلها، والمفرد نحو قولك: بينا قيام زيد، قام عمرو، والسبب في ذلك: أنها تستدعي جوابا، فلم يقع لأجل ذلك بعدها إلا ما يعطي معنى الفعل الذي يشبه الجواب، والذي يعطي
(1) لحريث بن جبلة العذري، كما ذكر ابن عبد ربه في «العقد الفريد» (3/ 192).
(2)
في (ق): "تلقى".
معنى الفعل إنما هو الجملة والمصدر من المفردات، فاعرفه (1).
الثاني: «الناس» : قد يكون من الإنس والجن -على ما قاله الجوهري-، قال: وأصله: (أناس)، ولم يجعلوا الألف واللام فيه عوضا من الهمزة المحذوفة؛ لأنه لو كان كذلك، لما اجتمع مع المعوض منه في قول الشاعر:
إِنَّ الْمَنَايَا يَطَّلِعـ
…
ـنَ عَلَى الْأُنَاسِ الْآمِنِينَا (2)
قلت: وهذا خلاف مذهب سيبويه فيما حكي عنه من أنه يقول: الألف واللام فيه عوض من الهمزة، كذا نقله أبو البقاء، ومكي، وغيرهما.
وقال بعض النحويين: أصله: الأناس، فسهلت الهمزة، وأبدلت نون من لامك التعريف الساكنة، وأدغمت في النون التي بعدها، فصارت نونا مشددة؛ كما قال تعالى:{لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي} [الكهف: 38]، والأصل لكن أنا.
واختلف في عينه، هل هي واو، أو ياء؟ والصحيح: الواو؛ بدليل قولهم في التصغير: نُوَيس (3)، ولو كان من الياء، لقيل: نُيَيْس، أو أُنَيس، إلا أن من قال: العين ياء، قال: أصله نَسْيٌ؛ من نَسِيتُ،
(1) انظر: «درة الغواص في أوهام الخواص» للحريري (ص: 75) وما بعدها.
وعنه نقل المؤلف رحمه الله الكلام عن (بينما) هنا.
(2)
انظر: «الصحاح» للجوهري (3/ 987)، (مادة: ن وس).
(3)
في (ق) زيادة: "في التصغير".
نَسِيتُ [1]، فأخرت العين، وقدمت اللام، فصارت في الحكم نَيْسًا، فصارت (1) الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها.
قال أبو البقاء: وفيه بعد (2).
قلت: بل هو بعد اشتقاقا وتصريفا على ما ترى.
وهو من الأسماء التي لا واحد له من لفظه؛ كالورى، والبشر، والأنام، والخيل، والغنم، والإبل، وما أشبه ذلك.
الثالث: «قباء» ؛ يذكر ويؤنث، ويمد ويقصر، ولم يذكر الجوهري فيه غير المد (3)، فمن ذكره، صرفه، ومن أنثه، لم يصرفه، وهو موضع بالحجاز، إلا أنه يحتمل (4) أن يكون المراد هنا: قباء نفسه، ويحتمل أن يكون المراد: المسجد، وهو الظاهر، والله أعلم.
وهو المسجد المؤسس على التقوى، وهو أول مسجد أسس في الإسلام، على ما حكاه البيهقي، قال: وأول من وضع فيه حجرا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أبو بكر، ثم عمر، وقال النبيت صلى الله عليه وسلم لبني عمرو بن عوف:«وما الطهور الذي أثنى الله عليكم؟» ، يعني: قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] الآية، فذكروا الاستنجاء
(1) في (ق): "فصار".
(2)
انظر: «إعراب القرآن» للعكبري (1/ 24).
(3)
انظر: «الصحاح» للجوهري (6/ 2458)، (مادة: ق ب و).
(4)
في (خ): "يحمل".
بالماء مع الأحجار، فقال:«هو ذلكم (1)، فعليكموه» (2)، أو كما قال، فدل ذلك على أن مسجدهم هو المسجد (3) الذي أسس على التقوى.
وجاء من طريق أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عنه، فقال:«هو مسجدي هذا» (4).
قال السهيلي: وقد يمكن الجمع بين الحديثين؛ بأن (5) كل واحد منهما أسس على التقوى، غير أن قولخ تعالى:{مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة: 108] يرجح الحديث الأول (لأن مسجد قباء أسس قبل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، غير أن اليوم قد يراد به المدة، والوقت، فيكون المععنى من أول يوم؛ أي: من أول عام من الهجرة، والله أعلم (6).
وروى الترمذي مسندا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعويم بن ساعدة حين نزلت الآية: «هذا منهم» (7)؛ يعني: من الذين يحبون أن يتطهروا، والله أعلم.
(1) في (ق): "ذاكم".
(2)
رواه ابن ماجه (355)، طتاب: الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء، وغيره من جديث أبي أيوب وجابر وأنس. وانظر:: «الدراية» لابن حجر (1/ 96).
(3)
"المسجد" ليس في (ق).
(4)
رواه مسلم (1398)، كتاب: الحج، باب: بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة.
(5)
في (ق) زيادة: "فيكون".
(6)
انظر: «الروض الأنف» للسهيلي (2/ 332 - 333).
(7)
لم أقف عليه عند الترمذي. وقد رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» والإسماعيلي، كما عزاه الحافظ في «الإصابة» (4/ 475)، و «الفتح» (2/ 151)(3/ 459)، عن عروة بن الزبير.
الرابع: في الحديث: دليل على جواز النسخ، ووقوعه.
وفيه: دليل على قبول خبر الواحد.
قال الإمام أبو عبد الله المازري: اختلف أهل الأصول في النسخ إذا ورد، متى يتحقق حكمه على المكلف (1)؟ ويحتج لأحد القولين بهذا الحديث؛ لأنه ذكر أنهم تحولوا إلى القبلة وهم في الصلاة، ولم (2) يعيدوا ما مضى، وهذا دليل على أتن الحكم إنما يستقر بالبلاغ (3).
فإن قيل: كيف استداروا إلى القبلة بخبره، والنسخ في هذا الخبر بواحد؟
قيل: قد قالوا: إن النسخ بالواحد كان جائزا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما منع بعده صلى الله عليه وسلم.
وقيل: إنما تلا عليهم الآيات التي فيها ذكر النسخ، فتحولوا عند سماع القرآن، فلم يقع النسخ بخبره، وإنما وقع النسخ عندهم بما سمعوا من القرآن (4).
وقال ع: أسد جواب في هذا أن يقال (5): إن العمل بخبر الواحد
(1) في المطبوع من «المعلم» زيادة: "هل من حين وروده على الرسول صلى الله عليه وسلم، أو حين بلوغ المكلف؟ ".
(2)
في (ق): "فلم".
(3)
في (ق): "بالبالغ"، وفي المطبوع من «المعلم»:"بالبلوغ".
(4)
انظر: «المعلم بفوائد مسلم» للمازري (1/ 407).
(5)
"أن يقال" ليس في (ق).
مقطوع به، كما أنم العمل المقطوع بصحته من الكتاب والسنة المتواترة مقطوع به؛ ولأن الدليل الموجب لثبوت الحكم أولا غير الدليل الموجب لنفيه، وثبوت غيره.
و (1) إلى جواز النسخ بخبر الواحد مال القاضي أبو بكر، وغيره من المحققين.
وفي هذا الخبر بالجملة: قبول خبر الواحد، وعادة الصحابة امتثاله، والوقوف عنده، واعتداد بعضهخم بنقل بعض، وإنهم لم يحتاجوا إلى التوقف حتى سمعوا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الإمام: وقد ردوا إلى مسألة النسخ المتقدمة مسألة الخلاف في الوكيل إذا تصرف بعد العزل، ولم يعلم، فقالوا: على القول بأن حكم النسخ لازم حين الورود، ينبغي أن لا تمضى أفعاله بعد العزل، وإن لم يبلغه ذلك، وعلى القول الثاني: تكون أفعاله ماضية بعد العزل ما لم يبلغه العزل (2).
ع: ضعف المحققون من الأصوليين رد هذه المسألة إلى هذا الأصل؛ إذ (3) حقيقة الخطاب بالتكليف إنما يتعلق بالبلاغ عند المحققين من أئمتنا؛ فإن النسخ إذا ورد، فمن لم يبلغه، كان على المخاطبة بالعبادة الأخرى، وليس في حقه نسخ حتى يبلغه، ومنهم
(1) الواو زيادة من (ق).
(2)
في (ق): "العزلة ما لم تبلغه العزلة".
(3)
"إذ" ليست في (ق).
من قال: يثبت النسخ في حقه، لكن بشرط (1) أن يبلغه.
فهو اختلاف في عبارة، كلهم مجمعون على بقائه على الحكم الأول (2)؛ إذ الجاهل لا يثبت التكليف في حقه بما جهله ولم يبلغه، وهذا من المستحيل.
وإنما ذهب إلى النسخ في حقه طائفة من الفقهاء الذين لم يقووا في الأصول، وما قدمناه يرد عليهم.
ومسألة الوكيل تعلق بها حق الغير على الموكل، فلهذا توجه الخلاف فيها، ولم يختلف المذهب عندنا في أحكام من أعتق، ولم يعلم بعتقه: أنها أحكام حر فيما بينه وبين الناس، وأما ما (3) بينه وبين الله -تعالى- فجائزة.
ولم يختلف في المعتقة: أنها لا تعيد ما صلت بغير ستر (4)، وإنما اختلفوا فيمن طرأ عليه مموجب يغير (5) حكم عبادة، وهو فيها بناء على هذه المسألة، وفعل الأنصار في الصلاة كمسألة الأمة تعتق، فتصلي، ولا تعلم بذلك إلا في الصلاة، هل تبطل صلاتها -وهو قول أصبغ-، أم تصح؟ وهو ظاهر قول ابن القاسم.
وكذلك إذا عتقت في نفس الصلاة، وهي مكشوفة الرأس، فإنها
(1) في (ق): "يشترط".
(2)
في المطبوع من «الإكمال» : "وإجزائه".
(3)
"ما" زيادة من (ق).
(4)
في (خ) و (ق): "سترة"، والصواب ما أثبته كما في «الإكمال» .
(5)
في (ق): "بغير".
لا تقطع الصلاة، وتتمادى فيها، لكن متى أمكمنها حينئذ من يناولها ما تستر بها رأسها، أو قرب منها تناوله، تعين فعل ذلك عليها، وتمادت؛ وهذا قول أكثر أصحابنا، وهو قول الشافعي، والكوفيين، وجمهور العلماء.
ومنها أيضا: المسافر ينوي الإقامة، وهو في الصلاة، أو إمام الجمعة يقدُمُ وال بعزله بعد عقد ركعة، فالأكثر على التمادي في هذه المسائل، والإجزاء؛ لأنه في الصلاة، وتعينت عليه على تلك الحالة الأولى، وقل: يقطعون.
ومنها -أيضا-: المتيمم إذا طلع (1) عليه رجل بماء في الصلاة، أو نزل عليه مطر، فإنه يتمادى، ولا يقطع، ولا يقال في هذا: إن أمكنه الماء، توضأ به؛ لأنه عمل كثير مناف للصلاة لا يصح معه التمادي فيها، وهذا قول مالك، والشافعي، والجمهور؛ خلافا للكوفيين، والأوزاعي، في رجوعهما للطهارة بالماء (2).
واحتجوا -أيضا- بهذا الحديث على نسخ السنة بالقرآن؛ لأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أولا لبيت المقدس -على قول أكثرهم- سنة، وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون، فأجازه جمهورهم؛ لأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم حكم من الله -تعالى- على لسان نبيه، مثل حكمه؛ كما بينه في كتابه.
وقال بعضهم: لا يدجوز ذلك؛ لأن السنة مبينة للكتاب، وبعيد
(1) في (خ): "اطلع".
(2)
في (ق): "إن أمكنه الماء".
قضاء المبين ونسخه وحكمه على المبين.
وقالوا في صة القبلة: إنما هي نسخ قرآن بقرآن، وإن الأمر أولا كان بتخيير المصلي أن يولي وجهه حيث شاء؛ لقوله تعالى:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]، ثم نسخ باستقباله القبلة.
وقيل: بل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس كان بعد ورود المدينة بأمر الله -تعالى-، ففرت بذلك اليهود، ثم صرف إلى الكعبة.
وكما اختلفوا هنا، كذلك (1) اختلفوا في نقيضه، وهو نسخ القرآن بالسنة، فذهب الأكثر إلى جوازه عقلا وسمعا، وأجازه بعهم عقلا، وقال: لم يوجد شرعا، ومنعه بعضهم عقلا.
وفي هذه القصة: دليل على صجحة نسخ الأحكام، وهو مما اسجتمع عليه كافة المسلمين، إلا طائفة من المبتدعة لا يعبأ بها لم تقل به في، ووافقت القنائية من اليهود [فيه](2).
قلت: قوله: كافة المسلمين، ممتنع عند الجمهور؛ أعني: إضافة (كافة) إلى ما بعدها، وقد اشتهر رد العلماء على من استعمل (كافة) غير منصوب (3)؛ كالحريري، وابن نباتة الخطيب، والزمخشري، والقاضي كثيرا ما يستعملها.
(1)"كذلك" ليس في (ق).
(2)
انظر: «إكمال المعلم» للقاضي عياض (2/ 446) وما بعدها.
(3)
وعدوه خطأ معدودا في لحن العوام.
ولنذكر بقية ما اختلف فيه من أحكام النسخ، وما اتفق عليه مختصرا؛ ليكمل تحرير هذه المسألة؛ إذ لم يذكر ع غير القسمين المتقدمين: نسخ السنة بالقرآن، ونسخ القرآن بالسنة.
فنقول -وبالله التوفيق-: أجمع على نسخ الكتاب بالكتاب، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بمثلها، وبالكتاب، وبالسنة المتواترة.
ويجوز نسخ الشيء قبل وقوعه؛ كنسخ الذبيح عليه السلام.
ويجوز النسخ لا إلى بدل؛ كنسخ آية الصدقة، أعني: قوله تعالى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ} [المجادلة: 12] الآية.
ويجوز نسخ الأخف بالأثقل؛ كنسخ عاشوراء برمضان.
ويجوز نسخ الخبر إذا كان متضمنا لحكم عندنا، خلافا لمن جوزه مطلقا، ولمن منعه مطلقا، وهو أبو علي، وأبو هاشم، وأكثر المتقدمين، وفيه تفصيل مذكور في كتب الأصول.
ويجوز نسخ ما قال فيه: افعلوا، أبدا، على خلاف في هذا كله.
وأما الإجماع، فلا ينسخ، ولا ينسخ به، هكذا في «المحصول» (1).
وقال السيف الآمدي: كون الإجماع يُنسخ الحكم الثابت به: نفاه الأكثرون، وجوزه الأقلون، وكون الإجماع ناسخا: منعه الجمهور، وجوزه بع المعتزلة، وعيسى بن أبان (2)، والله أعلم.
(1) انظر: «المحصول» للرازي (3/ 423).
(2)
انظر: «الإحكام» للآمدي (3/ 174).
الخامس: قوله: «وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها» ، روي:«فاستقبلوها» (1) -بكسر الباء- على الأمر، وبفتحها: على الخبر، والكسر أصح وأشهر، وهو الذي يقتضيه تمام الكلام بعده.
السادس: قد يؤخذ منه: جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو بالقرب منه؛ لأنه كان يمكن أن يقطعوا الصلاة، وأن يبنوا (2)، فرجحوا البناء، وهو محل اجتهاد (3).
قلت: وفيما قاله نظر (4)، والله أعلم.
* * *
(1)"روي: فاستقبلوها" ليس في (ق).
(2)
في (خ) و (ق): "يلبثوا.
(3)
انظر: «شرح عدة الأحكام» لابن دقيق (1/ 191).
(4)
"قلت: وفيما قاله نظر" ليس في (خ).