الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقولِ الآخرِ:
بأَنْكَ رَبِيعٌ وَغَيْثٌ مَرِيعٌ
…
وَأَنْكَ هُنَاكَ تَكُونُ الثِّمَالا
(1)
فبرز اسمها وهو ضمير حاضر علَى قول سيبويه والمصنف كما سبق.
ولَا تسمَى هذه الكاف ضمير شأن؛ لأنَّ الخبر مفرد فِي قوله: (بأنْك ربيع)، فهذا ونحوه شاذ عند المصنف من جهة بروز اسمها فقط.
وشاذ عند ابن الحاجب من جهة بروز اسمها، ومن جهة كونها غير ضمير شأن.
تنبيه:
سبق أَن المكسورة إِذا خففت يقل إعمالها.
والمفتوحة إِذا خففت تعمل فِي ضمير الشّأن ونحوه.
قال الشّيخ أوثرت المفتوحة ببقاء العمل؛ لأنَّ لفظها كلفظ الماضي؛ نحو:
(1)
التخريج: البيت لكعب بن زهير في الأزهية ص 62، وتخليص الشّواهد ص 380، وليس في ديوانه، وهو لجنوب بنت عجلان في الحماسة الشّجرية 1/ 309، وخزانة الأدب 10/ 384، وشرح أشعار الهذليين 2/ 585، وشرح التّصريح 1/ 232، والمقاصد النّحوية 2/ 282، ولعمرة بنت عجلان أو لجنوب بنت عجلان في شرح شواهد المغني 1/ 106، وبلا نسبة في الإِنصاف 1/ 207، وأوضح المسالك 1/ 370، وخزانة الأدب 5/ 427، وشرح المفصل 8/ 75، ولسان العرب 13/ 30 أنن، ومغني اللّبيب 1/ 31.
اللغة: ربيع: أي كثير الخير. غيث: مطر. مريع: خصيب. الثّمال: المعين.
المعنى: إِن الممدوح كثير العطاء، يغيث الملهوف، ويعين المحتاج.
الإِعراب: بأنك: الباء حرف جر، وأنْك: مخففة عن (أنَّ) المشددة، حرف مشبه بالفعل، والكاف: ضمير متصل مبني في محل نصب اسم أنْ. ربيع: خبر أنْ مرفوع بالضّمة. وغيث: الواو حرف عطف، وغيث معطوف على ربيع مرفوع بالضّمة. مريع: نعت غيث مرفوع بالضّمة. وأنك: الواو حرف عطف، وأنك معطوفة على أنك الأولى، وتعرب إِعرابها. هناك: ظرف مكان متعلق بالفعل تكون. تكون: فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت. الثِّمالا: خبر تكون منصوب بالفتحة، والألف للإِطلاق.
الشَّاهد: قوله: (بأنْك ربيع)؛ حيث ظهر اسم (أنْ) المخففة من الثقيلة شذوذًا، والأصل أن يكون ضمير شأن.
(عَضَّ) مقصودًا به المضي أَو الأمر.
بخلاف المكسورة؛ فإِنها تشبه الأمر فقط؛ نحو: (جِدَّ) بكسر الجيم.
ولَا يفسر ضمير الشّأن إِلَّا بجملة علَى ما سبق؛ سواء حذف أَو ذكر؛ نحو: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} .
وأَجازَ الكوفيون: أَن يفسر بمفرد؛ نحو: (أنه زيد).
وأَجازَ البصريون تذكيره وتأنيثه مطلقا.
والأحسن: أَن يؤنث مع المؤنث؛ نحو: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ} {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ} .
ويذكر مع المذكر؛ نحو: (إنه زيد قائم).
ويضعف: (إنه هند قائمة)، و (إنها زيد قائم).
ويجوز الوجهان مع الظّرف؛ نحو: (إنه عندك جارية)، و (إنها عندك جارية).
ومنع الأخفش والفراء وقوعه مبتدأ.
والصّحيح: أنه يقع مبتدأ؛ كما فِي: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} علَى إعرابٍ فِي الآية الكريمة.
ومنع الفراء أيضًا وقوعه في باب (كَانَ)، وسبق ذكره فِي بابها.
والَّذي نص عليه الشّيخ رحمه الله فِي "شرح الكافية": أَن ضمير الشّأن يعمل فيه أَن وأخواتها، وَكَانَ وأخواتها، وظننت وأخواتها.
ومن أمثلته: (كَانَ اللَّه أحد)، علَى أَن الضّمير مستتر فِي (كَانَ).
ويستكن أيضًا فِي باب (كاد)؛ كقولِهِ تعالَى: {مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} .
وقد حذف مع (إنَّ) المشددة المكسورة فِي قوله عليه الصلاة والسلام: "إن من أشد النّاس
…
" كما سبق ذكره، ونحو قولِ الشّاعرِ:
إِنّ مَن يَدْخُلِ الكَنِيسَةَ يَوْمًا
…
يَلْقَ فيها جَآذِرًا وظِباءَ
(1)
(1)
التخريج: البيت للأخطل في خزانة الأدب 1/ 457، والدّرر 2/ 179، وشرح شواهد المغني
فاسمها: ضمير شأن محذوف، والشّرط وجوابه: فِي موضع رفع علَى الخبر؛ أَي: إنه من يدخل الكنيسة
…
إِلَى آخره.
ولضمير الشّأن خصائص:
1 -
فَلَا يعود علَى مذكور قبله.
2 -
ولَا يعطف عليه.
3 -
ولَا يبدل منه.
4 -
ولَا يؤكد.
2/ 918، وليس في ديوانه، وهو بِلَا نسبة في الأشباه والنّظائر 8/ 46، وأمالي ابن الحاجب 1/ 158، وخزانة الأدب 5/ 420، 9/ 155، 10/ 448، ورصف المباني ص 119، ومغني اللّبيب 1/ 37، وهمع الهوامع 1/ 136.
اللُّغة: الجآذِر: جمع جُؤْذُر، وهو ولد البقرة الوحشيّة. وهي هنا كناية عن الأولاد. الظّباء: جمع ظبية وهي الغزالة. وهي هنا كناية عن النّساء.
المعنى: من يدخل الكنيسة .. يلق فيها أولاد النّصارى الذين هم كالجآذر في دعتها، ويلق نساء النّصارى اللّواتي هن كالغزلان في جمالها ورشاقتها.
الإِعراب: إِنَّ: حرف مشبّه بالفعل، واسم إِنَّ ضمير الشّأن المحذوف. مَنْ: اسم شرط جازم، مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ. يدخل: فعل مضارع مجزوم لأنّه فعل الشّرط، وعلامة جزمه السّكون، وحركه بالكسر منعًا لالتقاء السّاكنين، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو. الكنيسة: مفعول به منصوب بالفتحة الظّاهرة. يومًا: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلّق بالفعل يدخل. يلقَ: فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو. فيها: جار ومجرور متعلقان بالفعل يلقَ. جآذرًا: مفعول به منصوب بالفتحة. وظباءَ: الواو: حرف عطف، ظباءً: اسم معطوف على جآذرًا منصوب مثله بالفتحة.
وجملة (إِنّ من يدخل
…
يلقَ): ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة (مَنْ يدخل
…
يلقَ): في محل رفع خبر إِنّ. وجملة (يدخل): جملة الشّرط غير الظَّرفي لا محل لها من الإِعراب. وجملة (يلقَ): لا محل لها من الإِعراب؛ لأَنَّها جملة جواب الشرط الجازم وَلَم تقترن بالفاء أو إِذا. وجملة فعل الشّرط وجوابه: في محل رفع خبر مَنْ، وجملة المبتدأ والخبر في محل رفع خبر إِنّ.
الشَّاهد: قوله: (إِن مَن يدخلِ الكنيسة
…
يلقَ)؛ حيث حذف اسم إِنّ، وهو ضمير الشّأن. ولَا يجوز اعتبار مَنْ اسمها؛ لأنَّها شرطيّة؛ بدليل جزمها الفعلين، والشّرط لهُ الصّدر في جملته، فَلَا يعمل فيه ما قبله. وضمير الشأن يُحذف في الشّعر كثيرًا.
5 -
ولَا تقدم الجملة عليه.
6 -
ولَا يحتاج إِلَى ضمير فيها.
7 -
ولَا يخبر عنهُ بالَّذي وفروعه.
8 -
ولَا يعمل فيه إِلَّا الابتداء أَو ناسخه.
9 -
وهو ملازم للإفراد مطلقًا.
واللَّه الموفق
ص:
194 -
وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا
…
وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيْفُهُ مُمْتَنِعًا
(1)
195 -
فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِقَدْ أوْ نَفْي أوْ
…
تَنْفِيْسٍ أوْ لَوْ وَقَلِيْلٌ ذِكْرُ لَوْ
(2)
ش:
سبق أَن خبر المفتوحة المخففة لا يكون إِلَّا جملة.
* فإن كَانَ اسمية لم يحتج إِلَى فاصل بينهما وبين الخبر؛ كقولِهِ تعالَى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
* وإِن كَانَ فعلية والفعل غير متصرف .. فكذلك؛ كقولِهِ تعالَى: {وَأَنْ
(1)
وإن: شرطية. يكن: فعل مضارع ناقص فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى الخبر. فعلًا: خبر يكن. ولم: الواو واو الحال، لم: حرف نفي وجزم وقلب. يكن: فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى الفعل، أو إلى الخبر. دُعا: قصر للضرورة: خبر يكن المنفي بلم، والجملة من يكن المنفي بلم واسمه وخبره: في محل نصب حال. ولم: الواو عاطفة، لم: حرف نفي وجزم وقلب. يكن: فعل مضارع ناقص مجزوم بلم. تصريفه: تصريف: اسم يكن، وتصريف مضاف، والهاء مضاف إليه. ممتنعا: خبر يكن الأخير.
(2)
فالأحسن: الفاء واقعة في جواب الشرط الواقع في أول البيت السابق، الأحسن: مبتدأ. الفصل: خبر المبتدأ. بقد: جار ومجرور متعلق بقوله: الفصل. أو نفي، أو تنفيس، أو لو: كل واحد منها معطوف على قد. وقليل: الواو عاطفة، وقليل: خبر مقدم. ذكر: مبتدأ مؤخر، وذكر مضاف. ولو: قصد لفظه مضاف إليه.
عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} ، {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} .
* وكذا إن كَانَ متصرفًا وقصد به الدّعاء؛ كقراءة: (والخامسة أَنْ غضب اللَّه عليها) بتخفيف (أَنْ)، و (غضِبَ) بصيغة الماضي.
* فإِن لم يقصد به الدّعاء .. فالأحسن الفصل.
وابن الحاجب، يوجبه.
ويكون الفصل بـ (قد) ، أَو بحرف التّنفيس، أَو بالنّفي، أَو بـ (لو).
وليس الفصل بـ (لو) قليلًا، وإِنما قلَّ من ذكرها من النّحويين كما قاله الشّيخ.
فالأول: كقولِهِ تعالَى: {وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} ، ونحو قول الشّاعر:
شَهَدْتُ بِأَن قَدْ خُطَّ مَا هُو كَائِنٌ
…
وَأَنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ
(1)
(1)
التخريج: البيت من الطويل، وهو من شواهد شرح الشافية 1/ 59، ومن شواهد الأشموني 1/ 321، وَلَم ينسب إِلى أحد في الكتب المذكورة.
اللُّغة: خُطَّ: كُتِبَ. تمحو: تزيل.
الإِعراب: شهدت: فعل ماض، والتّاء: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. بأن: الباء: حرف جر، أن: حرف مشبه بالفعل مخففة من أنَّ، واسمه ضمير الشّأن محذوف. قد: حرف تحقيق. خُط: فعل ماض للمجهول. ما: اسم موصول مبني في محل رفع نائب فاعل. هو: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ. كائن: خبر مبتدأ مرفوع. وأنَّك: الواو: حرف عطف، أَنَّك: حرف مشبه بالفعل، والكاف: ضمير متصل مبني في محل نصب اسم أنّ. تمحو: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. ما: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به. تشاء: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. وتثبت: الواو: حرف عطف، تثبت: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت.
وجملة (شهدت): ابتدائية لا محل لها من الإِعراب. والمصدر من أنْ وما بعدها: في محل جر بحرف الجر. وجملة (قد خط ما هو كائن): في محل رفع خبر أنّ. وجملة (هو كائن): صلة الموصول لا محل لها من الإِعراب. وجملة (أنك تمحو): معطوفة على جملة سابقة. وجملة (تمحو): في محل رفع خبر أنّ. وجملة (تشاء): صلة الموصول لا محل لها من الإِعراب. وجملة (تثبت): معطوفة على سابقتها.
الشَّاهد: قوله: (بأن قد خط)؛ حيث أعمل (أنْ) المخففة من (أنَّ) الثّقيلة فنصب ضمير الشّأن اسمًا لها، والجملة الفعلية هي خبرها، وقد فصل بين أن وخبرها بالحرف قد.
وقولِ الآخرِ:
أَلَمْ تَعلَمِي أَنْ قَدْ تَفرَّق قَبلَنَا
…
خَلِيلَا صَفَاءٍ مَالِكٌ وَعَقِيلُ
(1)
(1)
التخريج: البيت في ديوان الهذليين 2/ 116: وهو لأبي خِراش، واسمه خُوَيلِد بنُ مُرُّة أحدُ بني قِرد بنِ عمرو بنِ معاوية بن تميم بن سعد بن هُذَيل، ومات في زمن عمر بنِ الخطاب -رضي اللَّه تعالى عنه- نهشته حيّة - وهو صحابيّ.
قال أبو حِراش - يرثي أخاه عمرو بنَ مُرّة وإخوَتَه فَرَطوا أمامَه. وأبو خراش وإخوتُه بنو لُبْنَى:
لَعَمْرِي لقد راعت أُمَيْمةَ طَلْعتي
…
وإنّ ثَوائي عندها لَقليلُ
تقول أَراه بعد عُرْوةَ لاهِيًا
…
وذلك رُزْءٌ لو عَلمتِ جليلُ
ولا تحسَبي أنِّي تناسَيتُ عهدَه
…
ولكنّ صبري يا أُمَيْمَ جميلُ
ألم تعلمي أن قد تَفرَّقَ قبلَنا
…
خليلَا صَفاءٍ مالكٌ وعَقيلُ
اللغة: ثَوائي: مُكْثي، والثَّواء: المُقام. يقول: راعَتْها رُؤْيتي. لاهيًا: لاعبًا، من اللَّهو. جليل: عظيم. مالك وعقيل: هما من بلقين، وهما ابنا فارج، ولهما قصة ذكرها الميداني في مجمع الأمثال 2/ 137: قَال عند ذكره للمثل القائل: (كبر عمرو على الطوق):
قال المفضل: أولُ من قَال ذلك جَذيمة الأبرش، وعمرو هذا: ابن أخْتِهِ، وهو عمرو بن عديِّ بن نصر وكان جَذيمة ملك الحيرةَ، وجَمَع غِلْمانا من أبناء الملوك يخدمونه منهم عديٌّ بن النصر، وكان له حظ من الجَمَال، فعشقته رَقَاشِ أخت جَذِيمة، فَقَالت له: إذا سقيت الملك فسَكِرَ فاخطبني إليه، فسقى عديٌّ جَذِيمَةَ ليلة وألطف له في الخدمة، فأسرعت الخمر فيه، فَقَال له: سَلْنِي ما أحبَبت، فَقَال: أسألُك أن تُزَوجْني رَقَاشِ أخْتَك، قَال: ما بِها عنك رغبة، قد فعَلْتُ، فعلمت رَقَاشِ أنه سينكر ذلك عند إفاقته، فَقَالت للغلام: أُدْخُل على أهلكَ الَليلةَ، فدخلَ بها وأصبح وقد لبث ثيابًا جُدُدًا، وتَطَيَّبَ، فلما رآه جَذيمة قَال: يا عَدِيُّ ما هذا الذي أرى؟ قَال: أنكحْتَنِي أخْتَكَ رَقَاشِ البَارِحَة، قَال: ما فعلتُ؟ ثم وضَعَ يَده في التراب وجعل يضرب بها وجهه ورأسَه، ثم أقبل على رَقاشِ فَقَال:
حدِّثيني وأنتِ غَيْرُ كَذُوبٍ
…
أبِحُرٍّ زنَيْتِ أم بِهَجِينِ
أمْ بِعَبْدٍ وأنت أهلٌ لِعَبْدِ
…
أم بِدُونٍ وأنتِ أهلٌ لِدُونِ
قَالت: بل زوجتني كُفُؤًا كريمًا من أبناء الملوك، فأطرقَ جذيمة، فلما رآه عدي قد فعل ذلك .. خافه على نفسه فهرب منه ولحقَ بقومه وبلاده، فمات هُناك، وعَلِقت منه رقاشِ فولدت غلامًا فسماه جذيمة عمرًا، وتبنَّاه، وأحبه حبًا شديدًا، وكان جذيمة لا يولد له، فلما بلغ الغلام ثمان سنين .. كان يخرج في عدةٍ من خدمِ الملك يجتنون له الكِمأة، فكانوا إذا وجدوا كمأة خيارًا أكلوها وراحوا بالباقي إلى الملك، وكان عمرو لا يأكل مما يجني، ويأتي به جذيمةَ فيضعه بين يديه، ويقول:
ولا يفصل الماضي إِلَّا بقد.
وهي مقدرة فِي: {لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} .
والثاني: كقولِهِ تعالَى: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} .
وقولِ الشّاعرِ:
وَاعْلَمْ فَعِلْمُ الْمَرْءِ يَنْفَعُهُ
…
أنْ سَوْفَ يَأتِي كُلُّ مَا قُدِرَا
(1)
هَذا جَنايَ وخِيَارُهُ فِيهِ
…
إذْ كَلُّ جَانٍ يَدُهُ إلى فيه
فذهبت مَثَلًا، ثم إنه خرج يومًا وعليه ثيابٌ وحُلي فاستطِيرَ، ففُقِدَ زَمانًا، فضرب في الآفاق فلم يوجد، وأتى على ذلك ما شاء الله، ثم وجده مالك وعقيل ابنا فارج، رجلان من بلْقَيْن كانا يتوجَّهان إلى الملك بهدايا وتحفٍ، فبينما هما نازلان في بعض أودِيةِ السَّمَاوة انتهى إليهما عمرو بن عدي، وقد عفَتْ أظْفَارَهُ وشعره، فَقَالا له: مَنْ أنت؟ قَال: ابنُ التَّنُوخية، فلَهَيَا عنه وقَالا لجارية معهما: أطعمينا، فأطعمتهما، فأشار عمرو إلى الجارية أن أطعميني، فأطعمته، ثم سقتهما، فَقَال عمرو: اسقِنِي، فَقَالت الجارية: لا تُطْعم العبدَ الكُرَاع فيطْمَع في الذِّراعِ، فأرسلتها مَثَلًا.
ثم إنهما حَمَلَاهُ إلى جذيمة فعرفه، ونظر إلى فتى ما شاء من فتى، فضمَّه وقَبِلَهُ وقَال لهما: حكَّمْتُكما، فسألاه منادمته، فلم يزالا نديميه حتى فرَّقَ الموت بينهم.
وبعث عمرًا إلى أمه، فأدخلته الحمام وألبسته ثيابه، وطوَّقته طَوْقًا كان له من ذهب، فلما رآه جذيمة .. قَال: كَبُرَ عمرو عن الطَّوقِ، فأرسلها مَثَلًا.
وفي مالك وعقيل يقولوا مُتَمِّمُ بن نُويرة يرثي أخاه مالك بن نُوَيرة:
وكُنَّا كَنَدْمانَيّ جَذِيمة حقْبَةً
…
مِنَ الدَّهرِ حتَّى قِيل لَنْ نَتَصَدَّعا
وعِشْنَا بِخَيْرٍ في الحَيَاةِ وَقَبْلَنَا
…
أصَابَ المنايَا رَهْطَ كِسْرَى وَتُبَّعا
فَلَّمَا تَفَرَّقْنَا كَأنِّي وَمَالِك
…
لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبَتْ لَيْلَةً معًا
قلت: اللام في (لطول اجتماع) يجوز أن تتعلقَ بـ (تفرقنا)؛ أي: تفرقنا لاجتماعنا، يشير إلى أن التفرقَ سببه الاجتماع.
ويجوز أن تكون اللام بمعنى (على).
ومالك وعقيل المذكوران قَال ابن الكلبي: يضرب المثل بهما للمُتُوَاخِيَين، فيقَال:(هما كنَدْمَانَيّ جَذِيمة).
قَالوا: دامت لهما رُتبة المنادمة أربعين سنة.
الشاهد: قوله: (أن قد تفرق)؛ حيث أعمل (أنْ) المخففة من (أنَّ) الثّقيلة فنصب ضمير الشّأن اسمًا لها، والجملة الفعلية هي خبرها، وقد فصل بين أن وخبرها بالحرف قد.
(1)
التخريج: البيت بِلَا نسبة في الدّرر 4/ 30، وشرح شواهد المغني 2/ 828، ومعاهد التّنصيص
ودخله الخبن.
والثّالث: لقوله تعالَى: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ} ، {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} ، {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} ، {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ}؛ أَي: أنه لم يره أحد.
والرّابع: كقولِهِ تعالَى: {أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ} ، {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} .
وقد جاء الفعل المتصرف بِلَا فاصل فِي قوله تعالَى: (لمن أراد أَن يتمُّ الرّضاعة) فِي قراءة الرّفع.
ونحو قولِ الشّاعرِ:
عَلِمُوا أَنْ يُؤَمِّلُونَ فَجَادُوْا
…
....................
(1)
1/ 377، ومغني اللّبيب 2/ 398، والمقاصد النّحوية 2/ 313، وهمع الهوامع 1/ 248.
الإِعراب: واعلم: الواو بحسب ما قبلها، اعلم: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر تقديره: أنت. فعِلمُ: الفاء حرف تعليل، علم: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. المرء: مضاف إِليه مجرور. ينفعه: فعل مضارع مرفوع، والهاء ضمير في محل نصب مفعول به، وفاعله ضمير مستتر تقديره: هو. أنْ: حرف مشبه بالفعل مخفف، واسمه ضمير الشّأن المحذوف وجوبًا. سوف: حرف تنفيس. يأتي: فعل مضارع مرفوع. كل: فاعل مرفوع بالضّمة، وهو مضاف. ما: اسم موصول مبني في محل جر بالإِضافة. قُدِرا: فعل ماض للمجهول، والألف للإِطلاق، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره: هو. والمصدر المؤول من أنْ وما بعدها سدّت مسد مفعولي اعلم.
وجملة: (اعلم): بحسب ما قبلها. وجملة (علم المرء ينفعه): تعليلية لا محل لها من الإِعراب. وجملة (ينفعه): في محل رفع خبر المبتدأ. وجملة (يأتي): في محل رفع خبر أنْ. وجملة (قُدِرا): صلة الموصول لا محل لها من الإِعراب.
الشَّاهد: قوله: (أن سوف يأتي)؛ حيث جاء خبر أنْ المخففة جملة فعلية، فعلها ليس بدعاء، وقد فصل بين أنْ وخبرها بحرف تنفيس سوف.
(1)
صدر بيت من الخفيف، وعجزه: قَبْلَ أَنْ يُسْألُوا بِأَعْظَمِ سُؤْلِ
التخريج: البيت بِلَا نسبة في أوضح المسالك 1/ 373، وتخليص الشّواهد ص 383، والجنى الدّاني ص 219، والدّرر 2/ 197، وشرح التّصريح 1/ 233، وشرح ابن عقيل ص 196، والمقاصد النّحوية 2/ 294، وهمع الهوامع 1/ 143.
اللغة: يؤملون: يرجى عطاؤهم. جادوا: أعطوا. السّؤل: السّؤال والطّلب.
المعنى: يقول: عرفوا أنهم يرجى عطاؤهم والنّاس ينتظرونه، فجادوا بعطائهم قبل أن يُسألوا.
الإِعراب: علموا: فعل ماض مبني على الضّمة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. أنْ:
وقولِ الآخرِ:
أَبَى عُلَماءُ النّاسِ أَنْ يُخبِرونَنِي
…
..................
(1)
وقولِ الآخرِ:
أنْ تَهْبِطِينَ بِلادَ قَوْمٍ
…
يَرْتَعُونَ مِنَ الطّلاحِ
(2)
مخففة من أنَّ، واسمها محذوف. يؤمّلون: فعل مضارع للمجهول مرفوع بثبوت النّون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع نائب فاعل. فجادوا: الفاء حرف عطف، وجادوا: فعل ماض مبني على الضّم، والواو: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. قبل: ظرف زمان منصوب متعلق بالفعل جادوا. أنْ: حرف نصب. يُسألوا: فعل مضارع للمجهول منصوب بحذف النّون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع نائب فاعل. بأعظم: الباء حرف جر، أعظم: اسم مجرور بالكسرة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل جادوا، وهو مضاف. سؤل: مضاف إِليه مجرور بالكسرة.
وجملة (علموا): ابتدائية لا محل لها من الإِعراب. وجملة (أن يؤملون): في محل نصب مفعول به. وجملة (يؤملون): في محل رفع خبر أَنْ. وجملة (جادوا): معطوفة على جملة (علموا) لا محل لها من الإِعراب. وجملة (أن يسألوا): في محل جر بالإِضافة.
الشَّاهد: قوله: (علموأ أن يؤملون)؛ حيث أعمل أنْ المخففة من أنَّ المشددة في الاسم المحذوف الذي هو ضمير الشّأن، وفي الخبر الذي هو جملة يؤملون، مع أن جملة الخبر يؤملون فعلية فعلها متصرف غير دعاء، وَلَم يأت بفاصل بين أنْ وجملة الخبر.
(1)
التخريج: صدر بيت من الطويل، وعجزه: بناطقةٍ خَرساءَ مُسْوَاكُها حَجَرْ
المعنى: هذا كما قال الزمخشري في ربيع الأبرار 3/ 465: سؤال، يسأل فيه عن الاست.
وهو في شواهد التوضيح والتصحيح بلا نسبة (236).
الشاهد: قوله: (أن يخبرونني)؛ حيث أعمل (أنْ) المخففة من أنَّ المشددة في الاسم المحذوف الذي هو ضمير الشّأن، وفي الخبر الذي هو جملة (يخبرونني)، مع أن جملة الخبر (يخبرونني) فعلية فعلها متصرف غير دعاء، وَلَم يأت بفاصل بين أنْ وجملة الخبر.
(2)
التخريج: البيت للقاسم بن معن في المقاصد النحوية 2/ 297، وخزانة الأدب 8/ 421، وبلا نسبة في الأزهية ص 65، ورصف المباني ص 113، وسرّ صناعة الإعراب 2/ 448، ولسان العرب 2/ 532 (طلح)، 9/ 198 (صلف)، 13/ 36 (أنن)، وقبل هذا البيت قوله:
إنّي زَعِيمٌ يَا نُوَيْـ
…
ـقَةُ إِنْ أمِنْتِ مِنَ الرَّزَاحِ
وَنَجَوْتِ مِنْ عَرَضِ المَنُو
…
نِ مِنَ الْعَشِيّ إلَى الصَّبَاحِ
أن تَهْبِطينَ بِلَادَ قَوْ
…
مٍ يَرْتَعُونَ مِنَ الطِّلَاحِ
اللغة: زعيم: كفيل. نويقة: تصغير ناقة، وهي أنثى الجمل. الرزاح: السقوط من الإعياء والهزال. المنون:
نوع من الشّجر.
ويحتمل أَن تكون (أَن): مصدرية فِي هذه المواضع وأهملت؛ لأنَّ بعض العرب لم تنصب بها المضارع كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالَى فِي محله.
واللّه الموفق
ص:
196 -
وَخُفِّفَتْ كَأَنَّ أَيْضًا فَنُوِي
…
مَنْصُوْبُهَا وَثَابِتًا أَيْضًا رُوِي
(1)
ش:
يجوز تخفيف (كأنَّ)، وتكون عاملة حملًا علَى (أَنَّ) المفتوحة.
وينوى اسمها غالبًا.
وقد يثبت فتعمل فيه مخففة؛ كما قال: (وثابتًا أيضًا رُوِي).
فتفارق (أَنَّ):
* فِي أنه لا يجب حذف اسمها.
* ولَا يجب أَن يكونَ خبرها جملة، بَلْ يجوز كونُه مفردًا محذوفًا أَو
الموت. الطلاح: شجر الموز.
الإعراب: أنْ: مخفّفة من أنّ الثقيلة، واسمها ضمير محذوف تقديره: أنّك أو ضمير شأن محذوف. تهبطين: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والياء: ضمير في محل رفع فاعل. بلاد: مفعول به منصوب، وهو مضاف. قوم: مضاف إليه مجرور بالكسرة. يرتعون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو: ضمير في محل رفع فاعل. من الطلاح: جار ومجرور متعلقان بيرتعون.
وجملة (تهبطين): في محلّ رفع خبر أن. وجملة (يرتعون): في محلّ جرّ نعت قوم.
الشاهد قوله: (أن تهبطين)؛ حيث أعمل أن المخفّفة عمل أنّ الثقيلة، فنصبت اسما لها وهو كاف الخطاب المحذوف، أو ضمير الشأن، ولم يفصل بين أنّ وخبرها أي فاصل.
(1)
وخففت: الواو عاطفة، خفف: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء تاء التأنيث. كأن: قصد لفظه: نائب فاعل لخفف. أيضًا: مفعول مطلق لفعل محذوف. فنوي: الفاء عاطفة، نوي: فعل ماض مبني للمجهول. منصوبها: منصوب: نائب فاعل نوي، ومنصوب: مضاف، والضمير مضاف إليه. وثابتًا: الواو عاطفة، وثابتًا: حال مقدم على صاحبه وهو الضمير المستتر في قوله: روي الآتي. و أيضًا: مفعول مطلق لفعل محذوف روي: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى منصوبها.
مذكورًا.
فإِن كَانَ جملة اسمية .. لم يحتج لفاصل؛ كقولِهِ:
وَصَدرٍ مُشرِقِ النّحْرِ
…
كَأنْ ثَديَاهُ حُقَّانِ
(1)
فاسمها: ضمير منوي، والجملة: خبر. أي: كأنه ثديان حقان.
ويروَى: (ثدييه) علَى أنه اسمها، و (حقان): خبرها.
كقولِ الآخرِ:
كأنْ وريديه رشاءُ خُلُبْ
(2)
(1)
التخريج: البيت بلا نسبة في الإنصاف 1/ 197، وأوضح المسالك 1/ 378، وتخليص الشواهد ص 389، والجنى الداني ص 575، وخزانة الأدب 10/ 392، 294، 398، 399، 400، 440، والدرر 2/ 199، وشرح التصريح 1/ 134، وشرح ابن عقيل ص 197، وشرح قطر الندى ص 158، وشرح المفصل 8/ 82، والكتاب 2/ 135، 140، ولسان العرب 13/ 30، 32 أنن، والمقاصد النحوية 2/ 305، والمنصف 3/ 128، وهمع الهوامع 1/ 143.
اللغة: النحر: أعلى الصدر. الحقان: مثنى الحق، وهو وعاء صغير يوضع فيه الطيب خصوصًا. وقيل: هو قطعة من خشب أو عاج تنحت أو تسوى.
المعنى: يقول: رب صدر متلألئ نحره، يزينه ثديان كأنهما حقان حجمًا وشكلًا.
الإعراب: وصدر: الواو: واو رب، حرف جر شبيه بالزائد. صدر: اسم مجرور لفظًا مرفوع محلًا على أنه مبتدأ. وعلى رواية الرفع: الواو: حرف عطف، صدر: معطوف على اسم سابق. مشرق: نعت صدر مجرور أو مرفوع، وهو مضاف، النحرِ: مضاف إليه مجرور. كأنْ: حرف مشبه بالفعل مخفف. واسمه ضمير الشأن المحذوف. ثدياه: مبتدأ مرفوع بالألف لأنه مثنى، وهو مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة. حقان: خبر المبتدأ مرفوع بالألف لأنه مثنى.
وجملة (صدر مشرق النحر): لا محل لها من الإعراب؛ لأنها استئنافية، أو معطوفة على جملة سابقة. وجملة (كأن ثدياه حقان): في محل رفع خبر المبتدأ صدر. وجملة (ثدياه حقان): في محل رفع خبر كأن المخففة.
الشاهد: قوله: (كأن ثدياه حقان)؛ حيث خففت (كأنْ) وأعملت وجعل اسمها ضمير الشأن، ويروى:(كأن ثدييه حقان) على أن (ثدييه) اسمها.
(2)
التخريج: البيت من الرجز، وهو من شواهد: التّصريح: 1/ 234، سيبويه: 1/ 480، والمقتضب: 1/ 50، وشرح المفصل: 8/ 72، 83، والمقرب: 20، والخزانة: 4/ 356، والعيني: 2/ 299،
فـ (وريديه): اسمها، وما بعده: خبر.
والرّشاء بالكسر: الحبل. والخلب بالمعجمة: اللّيف أَو البئر العميقة.
وقولِ الآخرِ:
.......................
…
كَأَنْ ظَبْيَةً تَعْطُو إِلَى وَارِقِ السّلَم
(1)
واللّسان خلب وملحقات ديوان رؤبة: 169، وقبله:
يَسُوقُها أَعْيَسُ هَدّارٌ بِبَبْ
…
إِذَا دَعاها أَقْبَلَتْ لا تَتَّئِب
اللغة: وريديه: عرقان في الرّقبة. رشاء: بَكسر الرّاء والمد، وهو مفرد، لا مثنى، وصحح الصّاغاني أنه مثنى. الرّشاء: الحبل. خلب: بضم الخاء: اللّيف، وقيل: هو البئر العميق القعر.
المعنى: كأن عرقي هذا الرّجل المعروفين بالوريدين حبل من اللّيف في الغلظ وخشونة الملمس.
الإعراب: كأن: حرف مشبه بالفعل مخفف من كأن المثقلة. وريديه: اسم كأن منصوب وعلامة نصبه الياء، لأنه مثنى، والهاء: مضاف إِليه. رشاء: خبر كأن مرفوع. خلبُ: صفة لرشاء مرفوعة وعلامة رفعها الضّمة المقدرة، منع من ظهورها سكون الوقف.
الشَّاهد قوله: (كأن وريديه رشاء)؛ حيث جاءت "كأنْ" مخففة من الثّقيلة، وأتى اسمها مذكورًا، وكذا خبرها جاء مفردًا غير جملة، وحكم ظهور اسمها، ومجيء خبرها مفردًا: الجواز من غير ضرورة ولَا شذوذ.
(1)
عجز بيت من الطويل، وصدره: وَيَوْمًا تُوَافِينَا بِوَجْهِ مُقَسَّمٍ
التخريج: البيت لعلباء بن أرقم في الأصمعيات ص 157، والدّرر 2/ 200 وشرح التّصريح 1/ 234، والمقاصد النّحوية 4/ 384، ولأرقم بن علباء في شرح أبيات سيبويه 1/ 525، ولزيد بن أرقم في الإنصاف 1/ 202، ولكعب بن أرقم في لسان العرب 12/ 482 قسم، ولباغت بن صريم اليشكري في تخليص الشّواهد ص 390، وشرح المفصل 8/ 83، والكتاب 2/ 134، ولهُ أو لعلباء بن أرقم في المقاصد النّحوية 2/ 301، ولأحدهما أو لأرقم بن علباء في شرح شواهد المغني 1/ 111، ولأحدهما أو لراشد بن شهاب اليشكري، أو لابن أصرم اليشكري في خزانة الأدب 10/ 411، وبلا نسبة في أوضح المسالك 1/ 377، وجواهر الأدب ص 197، والجنى الدّاني ص 222، 522، ورصف المباني ص 117، 211، وسر صناعة الإعراب 2/ 683، وسمط اللّآلي ص 829، وشرح عمدة الحافظ ص 241، 331، وشرح قطر النّدى ص 157، والكتاب 3/ 165، والمحتسب 1/ 308، ومغني اللّبيب 1/ 33، والمقرب 1/ 2، 111/ 204، والمنصف 3/ 128، وهمع الهوامع 1/ 143.
اللُّغة: توافينا: تأتينا. الوجه المقسم: أي الجميل. الظّبية: الغزالة. تعطو: تمد عنقها وترفع رأسها. السّلم: نوع من الشّجر يدبغ به.
بنصب (ظبيةً) اسمًا لها، والخبر محذوف؛ أَي:(كَأنَّ ظبيةً تعطو إلى كذا) هذه المرأة فشبه الظّبية بالمرأة علَى عكس التّشبيه.
كَقَولِ الشَّاعرِ:
وَمَهْمَهٍ مُغْبَرَّةٍ أرْجَاؤُهُ
…
كَأنَّ لوْنَ أرضِهِ سَمَاؤُهُ
(1)
المعنى: يقول: تأتينا الحبيبة يومًا بوجهها الجميل، وكأنها ظبية تمد عنقها إِلى شجر السّلم المورق.
الإِعراب: ويومًا: الواو: بحسب ما قبلها، أو استئنافية. يومًا: ظرف متعلق بتوافينا. توافينا: فعل مضارع مرفوع بالضّمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل: هي، ونا: في محل نصب مفعول به. بوجه: جار ومجرور متعلقان بتوافينا. مقسم: نعت وجه مجرور. كأن: حرف مشبه بالفعل مخفف، واسمه ضمير الشّأن المحذوف. ظبيةً: اسم كأنْ منصوب. ويجوز أن تعرب مبتدأ مرفوع وخبره جملة (تعطو) الفعلية: باعتبار (كأنْ) زائدة.
وتروى مجرورة والتّقدير كظبية. تعطو: فعل مضارع مرفوع بالضّمة المقدرة على الواو للثقل، والفاعل: هي. إِلى وارق: جار ومجرور متعلقان بتعطو، وهو مضاف. السّلمْ: مضاف إِليه مجرور، وسكن للضرورة.
وجملة (توافينا): في محل جر بالإِضافة. ويمكن اعتبارها استئنافية لا محل لها من الإِعراب. والتّقدير: وتوافينا يومًا. وجملة (كأن ظبية تعطو): في محل نصب حال، تقديره: وكأنها ظبية بحذف واو الحال. وجملة (تعطو): في محل رفع أو نصب أو جر نعت لظبية.
الشَّاهد: قوله: (كأن ظبيةً)؛ حيث روي بنصب ظبية، ورفعها، وجرها.
أما النّصب فعلى إِعمال كأن وهذا الإِعمال مع التّخفيف خاص بضرورة الشّعر.
وأما الرّفع فيحتمل أن تكون ظبية مبتدأ، وجملة تعطو خبره، وهذه الجملة الاسمية خبر كأن، واسمها ضمير شأن محذوف، ويحتمل أن تكون ظبية خبر كأن وتعطو صفتها، واسمها محذوف، وهو ضمير المرأة، لأن الخبر مفرد.
وأما الجر فعلى أنّ (أنْ) زائدة بين الجار والمجرور، والتّقدير: كظبية.
(1)
التخريج: بيت من الرّجز لرؤبة بن العجاج، أو بيتان من مشطور الرّجز.
اللُّغة: المَهْمَه: المفازة البعيدة الَّتي يشق السّير فيها، والبلد القفر، قيل: سميت بذلك؛ لأن سالكها يقول لرفقتة: مَه مَه، أي: كف عن الكلام، مغبرة: كثر فيها الغبار، وهو التّراب، أرجاؤه: نواحيه، جمع رجا بالقصر وهي النّاحية.
المعنى: أن هذا المهمَهَ قد عمه الغبار وانتشر فيه، وارتفع غباره كأن لون سمائه من الغبار لون أرضه، فحذف المضاف وقلب التّشبيه للمبالغة.
والأصل: (كَأنَّ سماءه لون أرضه).
وقيل: إن الخبر (تعطو)، وليس صفة لـ (ظبية)، ومعناه: تتناول.
ويروَى برفع ظبية وجرها.
فالرّفع: علَى حذف الاسم؛ أَي: (كأنه ظبية).
والجر: علَى أَن الأصل: كـ (ظبية) فالكاف: حرف جر، و (أن) زائدة بَينَ الجار والمجرور.
وقالَ آخرُ:
.....................
…
كَأنْ بَطْنُ حُبلَى ذَاتِ أُونَينِ مُتْئِمِ
(1)
الإِعراب: ومهمهٍ: الواو: واو رب، مهمهٍ: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة منع منها حرف الجر الشبيه بالزائد. مغبرة: نعت مجرور لفظًا مرفوع محلًا. أرجاؤه: فاعل بمغبرة ومضاف إِليه. كأنّ: حرف تشبيه ونصب. لونَ: اسم كأن. أرضِه: مضاف إِليه. سماؤه: خبر كأن ومضاف إِليه.
الشَّاهد: قوله: (كأن لون أرضه سماؤه)؛ حيث قلب التشبيه، والأصل:(كأن سماءه لون أرضه).
(1)
التخريج:
وخَيْفَاءَ أَلْقَى الليث فيها ذراعه
…
فَسَرَّتْ وساءت كلَّ ماشٍ ومُصْرِمِ
تُمَشِّي بها الدَّرْمَاءُ تَسْحَبُ قَصْبَهَا
…
كأنْ بطنُ حُبْلَى ذَاتِ أَوْنَيْنِ مَتْئمِ
هذان البيتان من كلام ذي الرمة غيلان بن عقبة، وقد أنشدهما ابن منظور (أون) ونسبهما إليه، وقال: إنهما من أبيات المعاني، قد أنشد رضي الدين في باب الحروف المشبهة بالفعل من شرح الكافية ثاني هذين البيتين، وشرحه البغدادي في الخزانة 4/ 363 ونسبهما لرجل من بني سعد بن زيد مناة.
اللغة: بداية هذا البيت على معتقدات الجاهلية؛ إذ كانوا يعتقدون أنهم يُمطَرون بالأنواء والنجوم، وذلك كفر روى الإمام مسلم في صحيحه 129، عن زيد بن خالد الجهني، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في إثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف .. أقبل على الناس فقال:"هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:"قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".
الخيفاء: الأرض المختلفة ألوان النبات. ألقى الليث: قد مطرت بنوء الأسد. ماشٍ: من له ماشية. ومصرم: من لا إبل له. والدرماء: الأرنب. متئم: حامل بتوأم.
بنصب (بطنَ) اسمًا لها.
وبالرفع: خبر؛ أَي: (كَأن بطنها بطنُ حبلَى).
وبالجر: علَى أَن الكاف حرف جر، و (أن) زائدة.
وأونين: تثنية أَون: أحد جانبي الخرج.
وإِذا كَانَ الخبر جملة فعلية .. فصل بينها وبينه بلم أَو قَدْ.
قال تعالَى: {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} ؛ أَي: كأنها.
وقول الشّاعر:
لَا يَهُولَنَّكَ اصطِلاءُ لَظَى الْحَرْ
…
بِ فَمَحْذُورُهَا كَأَنْ قد أَلَمَّا
(1)
الشاهد: قوله: (كأنْ بطنُ حبلى)؛ حيث خفف كأن الدالة على التشبيه، وجاء بعدها بالاسم منصوبًا على أنه اسمها.
وبالرفع: على أنه خبر، واسمها محذوف، والتقدير: كأن بطنها بطن حبلى.
وكلا الوجهين جائز.
(1)
التخريج: البيت من شواهد: التّصريح: 1/ 235، والأشموني: 288/ 1/ 148 والشّذور 142/ 286، والعيني: 2/ 306.
اللغة: يهولنك، الهول: الفزع، يقال: هاله الأمر يهوله إِذا أفزعه. اصطلاء: من اصطليت بالنّار وتصلَّيت بها؛ إِذا استدفأتُ بهَا. لظى الحرب: نارها، وأراد شدائدها ومكروهاتها. محذورها: ما يُحذَر من أمرها. ألمّا: من الإِلمام، وهو النّزول، يقال: ألمَّ به أمر: إِذا نزل به.
المعنى: لا يزعجنك اقتحام الحروب وويلاتها؛ فإِن الذي تخشاه منها وتحذره -وهو الموت- لا بد منه، وكأنه نزل بك، فَلَا فائدة من التّحرز عنه.
الإِعراب: لا: ناهية. يهولنك: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لِاتصاله بنون التّوكيد الثّقيلة في محل جزم بِلَا النّاهية، ونون التّوكيد؛ لا محل لها من الإِعراب، والكاف: مفعول به. اصطلاء: فاعل مرفوع. لظى: مضاف إِليه. الحرب: مضاف إِليه ثانٍ. فمحذورها: الفاء تعليلية، محذور، مبتدأ، وها: مضاف إِليه. كأنْ: مخففة من الثّقيلة، واسمها ضمير غيبة -يعود إِلى المحذور- محذوف، والتّقدير: كأنه. قد: حرف تحقيق. ألمّا: فعل ماضٍ، والفاعل: هو، يعود إِلى اسم كأن المحذوف، والألف: للإِطلاق، وجملة (ألما) في محل رفع خبر كأن المخففة، وجملة (كأن) وخبرها: في محل رفع خبر المبتدأ محذور، وجملة المبتدأ وخبره: تعليلية، لا محل لها.
الشَّاهد: قوله: (كأن قد ألما)؛ حيث جاءت كأن مخففة من الثّقيلة، واسمها ضمير الغيبة المحذوف، ومجيء خبرها جملة فعلية، فعلها ماضٍ، ولذا، فصل بينهما بـ (قد) على القياس.