الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليبعثه إلى قريش؛ ليعلمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأت لحرب، فقال عمر: إني أخاف قريشًا؛ لغلظتي عليهم، وعداوتي فيهم، فبعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عثمانَ بنَ عفان رضي الله عنه إلى أبي سفيان وأشرافِ قريش: أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرًا، ومعظِّمًا لهذا البيت.
فلما وصل إليهم عثمان بن عفان، وعرّفهم بذلك، فقالوا له: إن أحببتَ أنك تطوفُ بالبيت، فطفْ، فقال: ما كنتُ لأفعلَه، حتى يطوفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فأمسَكوه، وحَبَسوه، وبلغَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قُتِل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ القَوْمَ"، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان الناس يقولون: بايعهم رسولُ الله على الموت، وكان جابرٌ يقول: لم يبايعْنا إلا على أننا لا نفرُّ، فبايع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الناسَ، ولم يتخلف أحدٌ من المسلمين، إلا الحُرُّ بنُ قيسٍ، استترَ بناقته، وبايع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لعثمانَ في غيبته، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الخبرُ أن عثمان لم يُقتَل.
*
ذكر الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش:
ثم إن قريشًا بعثوا سُهيلَ بنَ عمرٍو في الصلح، وتكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فلما أجابَ إلى الصلح، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله! ألستَ برسول الله؟ أَوَلسنا بالمسلمين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بلى"، قال: فعلامَ نعُطي الدَّنِيَّةَ في ديننا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَنا عبدُ الله
ورسولُه، ولَنْ أُخالِفَ أَمْرَهُ، ولَنْ يُضَيِّعَني" (1).
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب، فقال:"اكتبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فقال سُهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتبْ: باسمك اللهمَّ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"اكتبْ: باسمك اللهمَّ"، ثم قال:"اكتبْ: هذا ما صالح عليه محمدٌ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "، فقال سهيل: لو شهدتُ أنك رسولُ الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمَك واسمَ أبيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اكتبْ: هذا ما صالح عليه محمدُ بنُ عبدِ الله سُهيلَ بنَ عَمْرٍو على: وَضْعِ الحَرْبِ عن الناسِ عَشْرَ سِنينَ، وأنه مَنْ أَحَبَّ أن يدخُلَ في عقدِ محمدٍ وعهدِه، دخلَ فيه، ومن أحبَّ أن يدخُلَ في عقدِ قريشٍ وعهدِهم، دخلَ فيه"، وأشهدوا في الكتاب على الصلح رجالًا من المسلمين والمشركين.
وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرجوا من المدينة، لا يشكُّون في فتح مكة؛ لرؤيا رآها النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، داخلَ الناسَ من ذلك أمرٌ عظيم، حتى كادوا يهلكون.
ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، نحر هَدْيَه، وحلقَ رأسه، وقام الناس - أيضًا -، فنحروا وحلقوا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ:"يرحَمُ الله المحلِّقين"، قالوا: والمقصِّرينَ يا رسول الله، قال:"يرحُم اللهُ المحلِّقين" حتى أعادوا، وأعاد ذلك ثلاث مرات، ثم قال:"والمقصِّرينَ"(2).
(1) رواه البخاري (3011)، ومسلم (1785)، عن سهل بن حنيف رضي الله عنه.
(2)
رواه البخاري (1640)، ومسلم (1301)، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.