الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
ذكر رسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك:
في هذه السنة - أعني: سنة سبع - بعث النبي صلى الله عليه وسلم كُتُبَه ورُسُله إلى الملوك، يدعوهم إلى الإسلام:
- بعث إلى كسرى برويز بن هرمز: عبدَ الله بنَ حُذافة، فمزّق كسرى كتابَ النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يُكاتبني بهذا وهو عبدي؟ ! ولما بلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذلك، قال:"مَزَّقَ الله مُلْكَهُ"(1).
- ثم بعث كسرى إلى باذان عامِله باليمن: أن ابعثْ إلى هذا الرجل الذي بالحجاز، فبعث باذان إلى النبي صلى الله عليه وسلم اثنين، أحدُهما يقال له: خرخسرة، وكتب معهما، يأمر النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالمسير إلى كسرى، فدخلا على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حلقا لحاهما وشواربهما، فكرِه النبي صلى الله عليه وسلم النظرَ إليهما، وقال:"وَيْلَكُمَا! مَنْ أَمَرَكُما بِذَلِكَ؟ "، قالا: ربنا - يعنيان: كسرى -، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لَكِنَّ رَبِّي أَمَرَني أَنْ أَعِفَّ عِنْ لِحْيَتي، وَقَصِّ شَارِبي"، فأعلماه بما قَدِما له، وقالا: إن فعلت، كتب فيك باذانُ إلى كسرى، وإن أَبيتَ، فهو يهلكك، فأخر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغد، وأتى الخبرُ من السماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله قد سلَّط على كسرى ابنَه شيرويه، فقتله، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرهما بذلك، وقال لهما:"إِنَّ دِيني وسُلْطاني سيبلُغُ مُلْكَ كِسْرَى، فَقُولا لباذانَ أَنْ أَسْلِمْ"، فرجعا إلى باذان، وأخبراه بذلك، ثم ورد مكاتبه شيرويه إلى باذان بقتل أبيه كسرى، وأن لا يتعرض
(1) رواه البخاري (4424)، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
للنبي صلى الله عليه وسلم، فأسلمَ باذانُ، وأسلم معه ناسٌ من فارس (1).
- وبعث دِحْيَةَ بنَ خَليفةَ الكلبيَّ إلى قيصرَ ملكِ الروم، وهو هِرَقْلُ، فأكرمَ دحيةَ، ووضع كتابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على فخذه.
وكتب إلى رجل برومية، وكان يقرأ الكتب، يخبره بشأنه، فكتب إليه صاحب روميةَ أنه النبي الذي كنا ننتظر، لا شك فيه، فاتّبِعه وصدِّقه، فجمع هرقلُ بطارقته في دسكرةٍ، وغُلِّقت أبوابها، ثم اطلع عليهم من عُلِّيَّةٍ، وخافهم على نفسه، وقال لهم: قد أتاني كتابُ هذا الرجل، يدعوني إلى دينه، وإنه - والله - النبيُّ الذي نجده في كتبنا، فهلُمُّوا نتبعه، ونصدقه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتُنا، قال: فنخروا نخرة رجلٍ واحدٍ، ثم ابتدروا الأبوابَ، ليخرجوا، فقال: رُدُّوهم عليَّ، وخافهم على نفسه، وقال لهم: إنما قلتُ لكم ما قلتُ؛ لأنظرَ كيف صلابتُكم في دينكم، وقد رأيتُ منكم ما سَرَّني، فسجدوا له (2)، وانطلقوا.
فقال لدحية: إني لأعلمُ أن صاحبك نبيٌّ مرسَل، ولكن أخاف الرومَ على نفسي، ولولا ذلك، لاتبعته (3)، وردَّ دحية رَدًّا جميلًا.
- وبعث حاطبَ بنَ أبي بَلْتَعَةَ إلى صاحب مصرَ، وهو المقوقِسُ جريجُ بنُ مَتَّى، فأكرم حاطبًا، وقبَّل كتابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهدى إليه
(1) رواه الطبري في "تاريخه"(2/ 133)، عن يزيد بن حبيب رضي الله عنه.
(2)
رواه البخاري (7)، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(3)
رواه الطبري في "تاريخه"(2/ 130).
أربعَ جوارٍ، إحداهن: مارية، ولدَتْ من النبي صلى الله عليه وسلم ابنَه إبراهيمَ، والأخرى سيرين، وهبها رسولُ صلى الله عليه وسلم لحسانَ بنِ ثابت، وأهدى إليه - أيضًا - بغلته دُلْدُل، وحمارَه يعفور، وكِسْوةً.
- وبعث عَمْرَو بنَ أُميةَ الضَّمريَّ إلى النجاشي بالحبشة، فلما جاءه كتابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَبَّله، وآمنَ به، واتَّبعه، وأسلمَ على يدِ جعفرِ بنِ أبي طالب رضي الله عنه، حين كان عنده في الهجرة، واسمُ النجاشي أَصْحَمَةُ، ومعناه بالعربيِّ: عَطِيَّة.
- وأرسل شجاعَ بنَ وهبٍ الأسديَّ إلى الحارثِ بنِ أبي شمرٍ الغساني بدمشق، فلما قرأ كتابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ها أنا سائرٌ إليه، فلما بلغَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قولُه، قال:"بَادَ مُلْكُهُ"(1).
- وأرسل سليطَ بنَ عمرٍو العامريَّ إلى هَوْذَةَ بنِ عليٍّ الحنفي، ملكِ اليمامة، وكان نصرانيًا، فقال هوذةُ: إن جعلَ الأمرَ لي من بعدهِ، سرتُ إليه، وأسلمتُ، ونصرته، وإلا، قصدت حربه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا حُبًّا ولا كرامَة، اللهمَّ اكْفِنِيهِ"، فمات بعد قليل (2).
وكان قد أرسل هوذةُ رجُلًا يقال له: الرحال - بالحاء وقيل: بالجيم - إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم، وقرأ سورةَ البقرة، ورجع إلى اليمامة، فارتدَّ، وشهدَ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أشركَ معه مُسَيْلِمَةَ الكذابَ في النبوة،
(1) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(2/ 262).
(2)
رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(1/ 262).