الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فَصْلٌ لِزَوْجَةٍ مَنْعُ نَفْسِهَا مِنْ زَوْجٍ حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرًا]
فَصْلٌ
(وَلِزَوْجَةٍ قَبْلَ دُخُولٍ بِهَا أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ الدُّخُولِ لَوْ كَانَتْ (مُكْرَهَةً) عَلَيْهِ (مَنْعُ نَفْسِهَا) مِنْ زَوْجٍ (حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرًا حَالًّا) كُلَّهُ أَوْ الْحَالُّ مِنْهُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسَمَّى لَهَا (بِالْعَقْدِ) وَالْمُفَوِّضَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ دُخُولِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا مَهْرَهَا، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا تَتْلَفُ بِالِاسْتِيفَاءِ فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَهْرِ عَلَيْهَا لَمْ يُمْكِنْهَا اسْتِرْجَاعُ عِوَضِهَا، بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَ (لَا) تَمْنَعُ نَفْسَهَا حَتَّى تَقْبِضَ (مُؤَجَّلًا) لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الطَّلَبَ بِهِ وَلَوْ (حَلَّ) لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِهِ، فَلَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا، فَاسْتَقَرَّ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ.
(وَ) لِوَلِيِّ غَيْرِ رَشِيدَةٍ (أَنْ يُطَالِبَ بِهِ) أَيْ: بِحَالِّ مَهْرِهَا وَلَوْ لَمْ تَصْلُحْ لِاسْتِمْتَاعٍ لِصِغَرٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ (وَلَهَا زَمَنُ مَنْعِهَا) نَفْسَهَا مِنْ أَجْلِ قَبْضِ مَهْرِهَا الْحَالِّ نَفَقَةٌ (إنْ صَلَحَتْ لِاسْتِمْتَاعٍ) وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا بِالصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ مِنْ قِبَلِهِ، عَلَّلَ بِهِ أَحْمَدُ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَكَذَا صَاحِبُ " الْمُنْتَهَى " إنَّمَا لَهَا النَّفَقَةُ فِي الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَذَلَ لَهَا الصَّدَاقَ وَهِيَ غَائِبَةٌ لَمْ يُمْكِنْهُ تَسْلِيمُهَا، وَبِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، (وَ) لَهَا زَمَنُ مَنْعِ نَفْسِهَا لِقَبْضِ مَهْرٍ حَالٍّ (سَفَرٌ بِلَا إذْنِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عَلَيْهَا حَقُّ الْحَبْسِ، فَصَارَتْ كَمَنْ لَا زَوْجَ لَهَا، وَبَقَاءُ دِرْهَمٍ مِنْهُ كَبَقَاءِ جَمِيعِهِ؛ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَمَتَى سَافَرَتْ بِلَا إذْنِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا كَمَا بَعْدَ الدُّخُولِ (وَلَوْ قَبَضَتْهُ) أَيْ: الْمَهْرَ الْحَالَّ (وَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ بَانَ)
الْمَقْبُوضُ (مَعِيبًا؛ فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا) حَتَّى تَقْبِضَ بَدَلَهُ أَوْ أَرْشَهُ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا ظَنًّا مِنْهَا أَنَّهَا قَبَضَتْ صَدَاقَهَا، فَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ.
(وَلَوْ أَبَى كُلٌّ) مِنْ الزَّوْجَيْنِ (تَسْلِيمَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ) بِأَنْ قَالَ الزَّوْجُ: لَا أُسَلِّمْ الْمَهْرَ حَتَّى أَتَسَلَّمَهَا، وَقَالَتْ: لَا أُسَلِّمُ نَفْسِي حَتَّى أَقْبِضَ حَالَّ مَهْرِي (أُجْبِرَ زَوْجٌ) أَوَّلًا عَلَى تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ (ثُمَّ) أُجْبِرَتْ (زَوْجَةٌ) عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ فِي إجْبَارِهَا عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا أَوَّلًا خَطَرُ إتْلَافِ الْبُضْعِ وَالِامْتِنَاعُ مِنْ بَذْلِ الصَّدَاقِ، وَلَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِي الْبُضْعِ.
(وَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ (بِهِ) أَيْ: بِبَذْلِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِلْآخَرِ (أُجْبِرَ الْآخَرُ) لِانْتِفَاءِ عُذْرِهِ فِي التَّأْخِيرِ.
(وَلَوْ أَبَتْ) زَوْجَةٌ (التَّسْلِيمَ) أَيْ: تَسْلِيمَ نَفْسِهَا (بِلَا عُذْرٍ) لَهَا (فَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (اسْتِرْجَاعُ مَهْرٍ قُبِضَ) مِنْهُ؛ لِعَدَمِ تَسْلِيمِهَا الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ (وَ) إنْ كَانَ إبَاؤُهَا (لِعُذْرٍ) يَمْنَعُ تَسْلِيمَهَا نَفْسَهَا كَكَوْنِهَا مَحْبُوسَةً وَنَحْوَهُ (فَعَلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (تَسْلِيمَهُ) أَيْ: الصَّدَاقَ كَمَهْرِ الصَّغِيرَةِ، وَلِوُجُوبِهِ بِالْعَقْدِ، لِخِلَافِ النَّفَقَةِ (وَإِنْ دَخَلَ) الزَّوْجُ بِهَا مُطَاوِعَةً (أَوْ خَلَا بِهَا مُطَاوِعَةً) ثُمَّ أَرَادَتْ الِامْتِنَاعَ لَمْ تَمْلِكْ (مَنْعَ نَفْسِهَا) مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِاسْتِقْرَارِ الْعِوَضِ بِالتَّسْلِيمِ بِرِضَاهَا، فَإِنْ وَطِئَهَا مُكْرَهَةً لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا مِنْ الِامْتِنَاعِ بَعْدُ؛ لِحُصُولِهِ بِغَيْرِ رِضَاهَا كَالْمَبِيعِ إذَا أَخَذَهُ الْبَائِعُ كُرْهًا.
(وَإِنْ أَعْسَرَ) زَوْجٌ (بِمَهْرٍ حَالٍّ وَلَوْ بَعْدَ وَطْءٍ) فَلِزَوْجَةٍ (حُرَّةٍ مُكَلَّفَةٍ الْفَسْخَ) لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَى الْعِوَضِ: أَشْبَهَ مَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهَا لَوْ رَضِيَتْ صَرِيحًا بِالْمُقَامِ مَعَهُ مَعَ عُسْرَتِهِ امْتَنَعَ عَلَيْهَا الْفَسْخُ؛ وَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِذَلِكَ؛ فَلَهَا الْفَسْخُ (وَلَا يَسْقُطُ) مَهْرُهَا (لِاسْتِقْرَارِهِ) بِالدُّخُولِ وَهَذَا الِاتِّجَاهُ عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ.