الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المُلَّا الثاني ابن سيف:
وسمي على اسم المُلَّا ابن حفيد له، وهو عبد الله بن ناصر بن عبد الله بن عبد العبد المحسن السيف سماه الناس المُلَّا وإن لم يكن قارئا كاتبا مثل جَده عبد المحسن ولكن كان يسمي ابن المُلَّا، ثم سمي المُلَّا.
واشتهر كذلك بنكته العذبة وأخباره الطريفة، وتعبيراته الفكهة، وله مع حمد الصقعبي أخبار ذكرتها في كتاب:(أخبار حمد الصقعبي).
ولد المُلَّا الثاني ابن الحفيد عبد الله بن ناصر بن عبد الله بن المُلَّا (الأول) عبد المحسن السيف في مدينة بريدة، عام 1306 هـ وتوفي في عام 1397 هـ على أثر حادث سيارة صدمته ومات بسبب ذلك وعمره (91) عامًا وكان قبل ذلك حاضر الذهن مكتمل الحواس.
ومن أخباره أنه اشتهر في منتصف القرن الرابع بمداواة الجرب الذي يصيب الإبل بدواء عجيب جديد لا يعرف سِرَّه غيره، يتألف من سعوط للإبل مع أنوفها خلاف ما كان الناس قد اعتادوا عليه على تطاول القرون في الجزيرة العربية من مداواة الجرب بطلاء الإبل الجربي بالنورة حتى تزيل وبر البعير ثم يطلى بالزرنيخ أو السم ليقضي على الجرب.
وهذه طريقة متعبة وطويلة، وتكلف مالًا كثيرًا أيضًا.
وكان المُلَّا ابن سيف يسكن في قرية قبة التي تقع شرق الأسياح مثله مثل عدد من أهل بريدة الذين خرجوا إلى قبة من بريدة، وأقاموا فيها للمتاجرة مع الأعراب.
فبلغ خبره الأمير عبد العزيز بن مساعد أمير حائل فعالج إبلًا له بطريقته الجديدة الفريدة فبرأت من الجرب.
وأخبر الملك عبد العزيز آل سعود بأمره فأمر أمير قبة أن يرسل إليه ابن
سيف في الرياض ليداوي إبلا وخيلا للحكومة أصابها الجرب وهي ترعي بالقرب من الرياض.
حدثني المُلَّا ابن سيف قال: لما دخلت مجلس الملك عبد العزيز وكان غاصا بالناس سلمت عليه وقدمني إليه ابن جميعة فتركني قليلًا ثم قال لي:
وشو الدوا اللي يقولون: انه عندك للجرب ولا هوب عند غيرك؟ حنا ما خبرنا دوا الجرب إلَّا النورة والزرنيخ؟
قال ابن سيف: فاسقط في يدي فأنا لا أستطيع أن أخبر بسر الدوا أمام الناس، ولا أستطيع أن أقول لابن سعود: ما اناب مخبرك عنه.
قال فهداني تفكيري إلى أن قلت مسرعا: يا طويل العمر، ها الدواء سبب ضعيف، لكنه وافق نية صالحة!
قال: فعرف الملك عبد العزيز سر جوابي هذا المجمل وضحك ضحكًا خفيفًا وهو يوجه يده إلي ويضم أصابعها إلى جهة الأرض وهو يقول بلهجة تنم عن الاستحقار: النية الصالحة ما لقت إلَّا أنت يا ابن سيف؟
قال: وكان هذا هو ما أردته.
وقلت أنا للملا عبد الله بن سيف عندما حدثني بقصته مع الملك عبد العزيز: إنني أريد أن تخبرني بكيفية معرفتك بدواء الجرب هذا وليس بتركيبه لأنني أفهم سبب كتمانك لتركيبه الذي جلب لك ثروة طيبة.
فقال: سببه النية الصالحة!
فقلت له: أتريد أن ترجع إلى ما قاله لك الملك عبد العزيز آل سعود عن نيتك الصالحة؟
فضحك، وقال: سوف أخبرك.
كنت في قرية قبة، وكان الوقت شتاء، في ليلة باردة فرأيت رجلًا أعجميًا ولكنه يعرف العربية يئن في المسجد وقد انفض الناس إلى بيوتهم وتركوه في المسجد وليس معه أغطية.
ومن العادة أن يكون هذا وأمثاله من الحجاج الذي يحجون سيرًا على الأقدام، احتسابا للأجر من الله أو عجزا عن نفقة الركوب.
قال: وبعد أن عدت إلى بيتي من صلاة المغرب قدمت زوجتي لي العشاء وكان حارًا فيه لحم وإبزار ومعه مرق طيب، وقد أشعلت نارًا بحطب جزل فذكرت هذا الرجل الغريب المريض الذي لا شك في أنه جائع أيضًا وعدت إلى المسجد وأنا أرجو أن أجده في مكانه.
قال: فوجدته، وأخذته معي إلى البيت وأطعمته من هذا العشاء الجيد، وقدمت إليه عند وقت الصلاة ماء ساخنًا فتوضأ ثم غطيته بغطاء جيد.
وبقي عندي بعد ذلك فترة أظنه قال بلغت أسبوعين ثم بدأت العافية تدب في جسمه، وفي مرة من المرات رآني أطلي بعيرا لي أجرب كنت قد أدخلته حوش البيت.
فقال لي: إنني أعرف دواء لمرض الجرب غير هذا هو أسهل وأرخص وأضمن في الشفاء من النورة والزرنيخ، وأسلم عاقبة، وأكثر راحة للبعير من الدواء بالسم.
ثم خرج معي إلى الخلاء وأراني شجرة من شجر البرية التي كنت أعرفها ولكنني لم ألق لها بالا، وقال: خذ من هذه أوراقها وجففها في الشمس ثم أحضر من العطار الدواء الفلاني فأخلطه بها ثم اسحق الجميع حتى يصبح المسحوق ناعمًا، ثم خذ لكل بعير مقدار ما يملأ فنجال القهوة تضع عليه مثله من سمن الغنم الجيد وسعطه البعير أي أجعله له سعوطا، وهو الذي يلقى في الأنف حتى تضمن أنه قد وصل إلى جوفه، فهذا دواء للجرب، لا تخبر به أحدًا إذا كان غير معروف عندكم وأنا لن أخبر به أحدًا وأرجو أن أكون قد كافيتك على ما صنعته بي من معروف.