الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رزينًا، سميدعًا، حليمًا عاقلا، له سعة إطلاع وفراسة، إذا أخذ يقرر التوحيد والفقه قلت لا نظير له في الناس، وإن أخذ في الوعظ والتذكير فإنه بغيره لا يقاس أخذ في التواضع والأدب فسبحان من خلع عليه أحسن اللباس، يصيح بالخلق إلى اتباع الرسول والتمسك بسنته ودموعه تسكب كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، وكان له وجد وذوق في المعارف الإلهية حتى إنه ليكاد يحبو من مكانه حبوًا إذا جعل يتكلم على معاني العقيدة السلفية لما له من الحظ الأوفر من تلك البضاعة.
وكان فقيهًا متواضعًا قويًّا في أمر الله، له مقدرة على حسم مواد الشر وينزل الناس منازلهم ويعاملهم على قدر عقولهم.
قال مرة لبعض إخوانه: يا فلان، تغافل عن شر الناس، إذا سمعت من يغتابك، فقل لنفسك مكذبًا لها هذا ليس يريدني ويعنيني، وإذا رميت بحجر فقل لعل ذلك يريد الطيور فأخطأ به إليَّ فإنك تستريح.
مرثية في الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم:
وهذه مرثية لتلميذه الشيخ صالح بن عبد العزيز العثيمين الآتية ترجمته في حرف العين، كنت كتبتها في عام 1364 هـ من خط الشيخ عبد المحسن بن عبيد، وظني أنه نقلها من خط الشيخ عبد الرحمن بن عويد، وقد رأيتها مذكورة، ولم أعد أحفل بمثل هذه المراثي، لأن معظمها من الشعر المتكلف العسير اللفظ والمعنى.
ولكن هذه بالذات رأيت إثباتها كاملة لأنها في مستوى أعلى من مستوى كثير من المراثي أمثالها، فناظمها شاعر معروف لنا، وكنت كتبتها بخطي من خط عالم فاضل.
وهذه هي كاملة:
إلى الله في كشف الملمات أفزع
…
فليس لما ارجو سواه واضرع
ففي كل يوم للعباد رزية
…
وفي كل عام في خيارنا يسرع
واعظم بهذا الرزء أي مصيبة
…
كهذا سوى أن قيل مات المشفع
لقد مات عبد الله نجل محمدٍ
…
فتي نحوه الأعلام للرأس ترفع
به فقد الناس الدعاة إلى الهدى
…
فمن بعده داع إذا قال يسمع
به فقدوا فوق المنابر واعظا
…
إذا يبد وعظًا في الخطابة مصقع
به فقدوا شيخًا فقيهًا مفقها
…
سيُهجر اقناع ومغن ومقنع (1)
به فقدوا من حين تقرا فروعهم
…
تقول له تصنيفها إذ يفرِّع
به فقدوا نحوًا فماضيه قد مضى
…
وفي قبره أضحى المضارع يضرع
به فقدوا شيخ الفرائض بعده
…
فمن ذا سهام الأنصبآء يوزع
إذا أشكلت طرق الصواب فقوله
…
لمسترشد الفتآء في الحق مقنع
به صار روض العلم والحق مزهرًا
…
وأرواحنا عن جهلها فيه ترتع
ربي في تقى فينا وحسن عبادة
…
وما صده مال وما ضم برقع
إذا جئته جنح الظلام وجدته
…
بمحرابه باب المهيمن يقرع
تلاوة آيات الكتاب شعاره
…
فما انفك عنها غير ما حين يركع
يلاقي بترحيب وبشر ورقة
…
فلم تلقه إلا لذي الذل يخضع
وما نفسه يومًا أراد انتصارها
…
ولا عن ذوي الفقر اعتراه الترقُّع
ويمنع أهل الظلم أخذ مظالم
…
وعن ظلمهم لله قد كان يمنع
وعن ما أتى عن ربنا ورسوله
…
مشاغب أهل الزيغ قد كان يدفع
فاسيافه في البحث فاطعة الظُّبا
…
وجوهرها حد الصياقل يقطع
ابان عويصات المسائل كلها
…
وأوضح منها ما يسن ويشرع
إذا قيل تفسير الكتاب فقوله
…
على كل مقبول وما رد يطلع
(1) يشير هنا إلى كتب الفقه في المذهب الحنبلي وهي الإقناع، والمغني، والمقنع.
تنزه عن دنيا فلم تستفزه
…
يزخرفها أو في خداعها يخدع
وما مَدَّ عينا نحوها إذ تبرجت
…
بلى انه في الهجر للكل مولع
لقد نال أسباب السماء بعلمه
…
ينادي لمن رام الصعود إلا ارجعوا
قفا أحمدًا قولًا وفعلا فلو رأى
…
شوافعهم ذا الشيخَ لم يتشفعوا (1)
حوى العلم والعلياء والجود والتقى
…
وسار بهاتيك الفضائل يسرع
وليدًا حوى تلك الخصال جميعها .... إلى يومنا من درها وهو يرضع
ختام نقول إن افاد نقولها
…
وان يعزها في صدقه أيضًا اجمعوا
لقد حل في ذا العام مفقد عأ لم
…
به الكرب للاسلام قد حل مُفظع
أتيناه قصد الدرس نجني فوائدًا
…
محرره في الدرس حين يفرع
فقيل لنا نجم الهداية قد هوى
…
من الأفق قوموا أيها القوم شيعوا
فبالحزن للاذقان خر جميعنا
…
وسالت لهذا الخطب في الخد أدمع
تَنَهَّد ابكار وصاح عجائزٌ
…
وحوقل اشياخ وأدهش رضع
حياري من الإدهاش جل مقالهم
…
الهي بهذا الشيخ لا الخلق يفجع
الهي قضيت الموت فادفع منية
…
ومن شوقنا في رد روحسه نطمع
فلما تيقنا الممات من الأسى
…
عليه قلوب الناس كادت تقطع
وقمت أنادي في الطلول وأدمعي
…
تروي الثرى إذ منه وأراه بلقع
سابكيه في نطقي ودمعي وانة
…
إذا زفرت منها تكسرَّ أضلعُ
أجاوب ورقاء الحمامة في الدجا
…
ويغلبها صوتي اسي حين تسجعُ
فلم أنس إذ حفت به جملة الوري
…
كبدر به حف الكواكب طلَّع
ترنمت في امداحه في حياته
…
فاطربت في انشادها إذْ أرَجِّع
فلهفي إذا حولت تلك مراثيًا
…
اطوف بها هل ذاك في الرزو ينفع؟
ولهفي على فقدان شيخ ذوي الهدى
…
فقد كنت حيرانًا فما ذاك أصنع
ولهفي فقد قال اصطباري وليتني
…
بردت غليلًا إن جزعت فاجزع
اعزي محاريب العلا بامامها
…
فناظرها من فقده اليوم يدمع
(1) لم يتمذهبوا بمذهب الإمام الشافعي في الفروع.
أعزي دروس الفقه بعد دروسها
…
فمقلتها من فقده اليوم تدمع
تنكرت الدنيا ولكن تعرفت
…
بطيب ثنا أبقاه في الخلق يسطع
كما لبست ثوب الحداد محابرٌ
…
الحبر غدا في سندس يتنجعُ
واقلامنا كشفت عليه تأسفأ
…
على فقد خد الطرس كم فيه ترصع
بريدة فابكي إن فخرك قد ثوى
…
بلحد، ولن يرجى البدرك مطلع
بريدة للحزن السواد ألا البسي
…
فعنك بذا أمر الملامة يرفع
به صرت في الأمصار تاجًا بمفرق
…
فعادت تعزيك إذ الثاج ينزع
جعلتي له الأحداق موضع رجله
…
فكيف سمحتي اليوم في الترب يوضع؟
قفوا أخبرونا هل بنا اليوم مثله
…
وهل صار في المآضي بمثله يُسْمَع
قفوا اخبرونا أي شيخ مهذبٍ
…
يقوم مقام الشيخ إن ذاك يدعوا
قفوا خبرونا من يشابه شيخنا
…
ومن كان من علم الهدي يتضلع
قفوا خبرونا من يَردُّ هدية
…
ويابي حلالا من هو المتورع
قفوا خبرونا من يمازح طفلنا
…
سواه وجلباب الحياء متدرع
أهلنا عليه التراب آهي ولوعتي
…
فهل فيكموا مثلي فتى يتوجع؟
اهالت عليه الترب في القبر راحتيّ
…
فما راحتي يدري لها اليوم موضع
تركنا علومًا في الثرى إذ ثوي به
…
وعدنا ببرق خلب حين يلمع
لأن نهبت ايدي المنون لجسمه
…
فذي سنة ما الموت في ذاك مبدع
فهذا طريق كلنا له صائر
…
فذاك مضى وذا ذاك يتبع
تسير قفول العالمين جميعهم
…
لذاك وللارواح في الخلد مجمع
واني لأرجو أن يكون مقامه
…
بعدن، إذا يبدو به يتشعشع
فيارب حقق ظن عبدك واقبلن
…
دعائي لذاك الشيخ فيها يمتع
والحق مُحبًّا قال ذاك بحبه
…
فعفوك من ذنبي وان جل أوسع
اتيتك في حب الخيار وسيلة
…
ليوم به كل الخلائق تفزع
لفقدان شيخي ليتني لم أكن به،
…
والا ففي لحد ثوى فيه أوضع
فيا نوم عين لا تُلِمَّ بمقلتي
…
فعينٌ كعيني بالكرى ليس تهجع
ويا صبر فارحل ليس قلبي فارغًا
…
أصيب بأحزان وحاشاه يقلع تلسع
ويا نار شوقي بالفراق تاججي
…
وعقربه قولي لها القلب تلسع
ويا نفس صبرًا فالتاسي لائقٌ
…
بموت الذي في كفه الماء ينبع
هو المصطفي زين النبيين أحمد
…
شفيع الورى يوم الصحائف ترفع
عليه صلاة الله ما هبت الصبا
…
وما هل ودق فيه رعد مقعقع
وقد ترجم له الأستاذ محمد بن عثمان القاضي بهذه الترجمة:
عبد الله بن محمد بن سليم: من بريدة، هو العالم الجليل الورع الزاهد النبيل الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حمد بن صالح بن سليم يلتقي مع عمه محمد بن عمر بن سليم بالجد الرابع صالح.
ولد هذا العالم في بريدة سنة 1287 هـ وتربي تربية أبوية كريمة، وذلك في بيت علم وتقى ودين وقرأ القرأن وحفظه عن ظهر قلب وشرع في طلب العلم بهمة ونشاط ومثابرة فقرأ على علماء بريدة، ومن أبرز مشائخه أبوه محمد العبد الله السليم العالم الجليل لازمه ملازمة تامة في الأصول والفروع والحديث والتفسير وعلوم العربية، كما قرأ على عمه محمد بن عمر بن سليم ولازمه حتى مات ثم رحل إلى الرياض فقرأ على علمائه، ومن أبرز مشائخه فيه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ وسعد بن حمد بن عتيق، وحمد بن فارس قرأ عليهم الأصول والفروع والحديث والتفسير، وعلى حمد ابن فارس في علوم العربية كلها وأجازه سعد بن عتيق بسند الرواية المتصلة ثم رجع إلى بريدة فلازم أباه في كل حلقاته، ولما انتهت الإمارة لآل رشيد ناله مع أبيه مضايقات وأذية وأخذ ابن رشيد وأعوانه يصارحونهما بكل سوء وبلغت بهم الحال بإجلائهما إلى النبهانية، ثم نزحوا منها إلى عنيزة، وكانوا يرتادونها من قبل مرارًا (1).
وكان محمد قد تزوج بها أم عبد الرحمن وبقوا في عنيزة مكرمين ومبجلين ولما استعادت حكومتنا الرشيدة مجدها السليب باستيلائها على القصيم استدعتهما إلى بريدة (1)، وعينت محمدًا على قضائها وابنه المترجم له قارئًا عليه ونائبًا عنه في غيابه.
وفي عام 1323 هـ توفي أبوه وخلفه على القضاء صالح القرناس (2)، وفي عام 1328 هـ ولاه الملك عبد العزيز قضاء البكيرية، وظل فيها قاضيًا محبوبًا بينهم مسددًا في أقضيته، أما بريدة فإنه تولى قضاءها بعد صالح القرناس إبراهيم بن حمد بن جاسر، ثم تولى بعده ابن بشر ثم استعفي وغادرها إلى الرياض وذلك عام 1331 هـ فنقل الملك عبد العزيز عبد الله بن سليم من البكيرية إلى قضاء بريدة واستمر قاضيًا فيها محبوبًا بين أهلها مسددًا في أقضيته وإمامًا وخطيبًا في جامعها، وكان يميل في أقضيته إلى الشدة وكثيرًا ما يثور غضبه رحمه الله فيخرج عنهم برهة ثم يعود ولحدادة طبعه كثيرًا ما يناله من الخصومة بعض الأذية، فربما ضرب الخصم وانتهره، إذا كان لدودًا وكثيرًا ما يجنح في قضاياه إلى الصلح ويحرص جاهدًا أن يقوم الخصمان راضيين مهما أمكنه.
وجلس للطلبة والتف إلى حلقته طلبة كثيرون، وكان تدريسه على عادة القدامى من أسلافه ومن أبرز تلامذته عبد العزيز العبادي ومحمد الصالح المطوع، وكان من رجال الدين والصلاح وسليمان المشعلي وعثمان بن حمد بن مضيَّان ومحمد العبد الله التويجري وسليمان العمري قاضي المدينة والأحساء، وكان صهرًا له، ومحمد بن رشيد قاضي الرس ثم رنية وعبد الله بن عبدان قاضي عنيزة وعبد الرحمن بن دخيل قاضي لينه وصالح بن عثيمين المقيم في مكة في آخرين.
(1) عودة الشيخ محمد بن سليم من عنيزة إلى بريدة كانت في زمن حكم آل مهنا قبل استعادة الملك عبد العزيز آل سعود للملك بسنوات كثيرة كما هو معروف.
(2)
الصحيح أن صالح القرناس تولى القضاء في بريدة قبل عودة الشيخ ابن سليم من النبهانية إليها.
وكان آية في الورع والزهد والاستقامة في الدين والخوف من الله، متواضعًا لا يحب المظهر ولا الشهرة، وكان يزورنا بعنيزة ويحضر جلسات الجد صالح، أما أوصافه فكان مربوع القامة كث اللحية أسمر اللون يخضب لحيته بالحناء ممتلئ الجسم ويصدع بكلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم، وصولًا للرحم يحنو على الفقراء ويواسيهم بما يقدر عليه وبينه وبين الجد صالح مراسلات في مناسبات كثيرة، ولم يزل على حالته المثلى حتى وافاه أجله المحتوم في بريدة بعد مرض طال معه، وكانت وفاته في 11 من شهر محرم سنة 1351 هـ وحزن الناس لفقده وصلينا عليه صلاة الغائب.
وله ابن مات في غضارة شبابه طالب علم جيّد وتوفي سنة 1367 هـ، رحمه الله واسمه محمد كان أمثل طلبته وبينما العيون إليه شارعة وفي إقبال على الطلب منقطع النظير اخترمته المنية (1).
(1) روضة الناظرين، ج 1، ص 389 - 391 (الطبعة الأولى).
الشيخ القاضي عمر بن محمد بن سليم