الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالضرب والتعنيف، والكلام السيء، والتوعد للناس، وتعيير الناس وعيبهم، والطعن عليهم، فحسَّن لهم الشيطان ذلك، وأدخل عليهم: أن ذلك من باب الأمر بالمعروف، وإنكار المنكر، وهذه الأفعال من أعظم المنكرات، واستحلالها واعتقاد أنها من الدين أكبر من فعلها.
وهؤلاء لم يفهموا إنكار المنكر، الذي جاءت به الشريعة، فإن إنكار المنكر، إزالة المنكر، لا ضرب فاعله، وأما إقامة الحدود، والتعزير بالضرب والتهديد، والتوعد، فهذا لولي الأمر، دون آحاد الناس، والذي علينا بيان الحق، ونصيحتكم وإرشادكم إلى ما جاءت به الشريعة.
ونسأل الله أن يمن علينا وعليكم بقبول الحق واتباعه، والثبات عليه، وأن يمنَّ علينا وعليكم بالتوبة إليه، مما يخالف شرعه ودينه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، صلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين" (1).
رسائل للشيخ عمر بن سليم:
المراد بالرسائل هنا ليس الرسائل العلمية كالمذكورة قبل هذا الكلام، إنما المقصود بها الرسائل التي يرسلها الشيخ في ورقة أو ورقتين وكان يرسل وسائل إلى الملك عبد العزيز وغيره، حاولت أن أحصل عليها، ولكن ورثته أخبروني أن أحد كبار الأشخاص من رجال الدولة زار بريدة فأهدوا إليه كل تلك الرسائل المتبادلة من دون أن يأخذوا لها صورة.
ولا أزال أتحرى اقتفاء تلك الرسائل عسى أن أعثر عليها لأتحف القراء الكرام بها.
وهذه رسالة من الشيخ عمر بن سليم إلى الملك عبد العزيز آل سعود:
(1)"الدرر السنية"(9/ 166 - 174).
بسم الله الرحمن الرحيم
من عمر بن محمد بن سليم، إلى جناب الأشيم الأحشم حميد المكارم والشيم الإمام المكرم المحترم عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل حفظه الله وتولاه وأسعده بنصره وهداه ومن كل شر حرسه وحماه، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد: موجب الكتاب هو إبلاغ جنابكم الشريف جزيل السلام ثم السؤال عن صحة أحوالكم لا زالت أحوالًا مرضية وإن سألت عنّا فنحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على سوابغ نعمه، أدام الله علينا وعليكم نعمة الإسلام، والخطوط المكرمة وصلت سرنا طيبكم وصحة حالكم الحمد لله على ذلك، وما عرف جنابكم كان معلومًا خصوصًا من جهة الدويش وأهل الأرطاوية ما يخفي جنابكم أننا ما لنا في الدخول في أمور الناس (1)، عامة ولا في الدخول في أمور أهل الأرطاوية خاصة قدم علينا ولد الدويش معه مكاتيبكم وأنا معي بعض الأثر والشيخ عبد الله معه أصخينه (2)، وهو مهوب يظهر (3)، ودفعنا ولد الدويش بوعد بعد صفر الموجب أني لا أستطيع السفر وقت قدومه. انتهى
وهذه رسالة من الشيخ عمر بن سليم إلى القاضي الشيخ محمد بن عبد العزيز بن رشيد من أهل الرس:
(1) كلفه الملك عبد العزيز أن يتوجه إلى الأرطاوية بلد الدرويش من أجل أن يبصرهم ..
(2)
أصخينه: تعني سخونة أي بعض المرض، والشيخ عبد الله: أخوه.
(3)
أي لا يخرج من بيته.
وهذه رسالة أخرى إلى المذكور تتعلق بمسألة فقهية كالأولى:
وحدثني أكثر من واحد منهم سليمان بن عبد الله العيد أن الشيخ عمر بن سليم جمع أهل بريدة في جامع بريدة في وقت الضحى في سنة مجدبة أصاب الناس فيها شدة، وقال لهم: تبرعوا الفقراء المسلمين، وكان هو أول المتبرعين فاكتتبوا بمبالغ طيبة في ذلك العصر.
وسبب ذلك أنه أصاب الناس جدب وتأخر في المطر فلحق الأعراب، وأهل القرى من ذلك ضرر.
وقيل: جاءت امرأة تخاصم زوجها لدى الشيخ عمر بن سليم رحمه الله، وادعت أنه عنين، وأنها تريد أن يطلقها، لأنها تريد أولادًا، فلم يحكم الشيخ عمر لها ولا عليها أول وهلة، وإنما وعظها وأمرها بالاحتساب والصبر، وأنها لا تدري أين الخيرة، غير أنها لم تقتنع بذلك، وصممت على دعواها، فأقامهما من عنده من عير حكم، وكان زوجها يعمل بمزرعة قرب البلد يروس الماء، أي يرسله إلى حياض الزرع، والشيخ يعرف محل عمله وأوقاته.
فأمر الشيخ اثنين من أصحابه، قال لهما: إذا كان بعد صلاة الصبح بقليل: أخرجا إلى فلان تجدانه بروس (يسقي) في نخل الشقيري خارج سور البلد، فسلما عليه، وانظرا في حاله إلا إذا أقر لكما بأنه عنين، فذهب الرجلان إليه ولمسا مقلتيه، من وراء ثوبه يعني (خصيتيه) لينظرا هل هي مرتفعة، أم منكمشة، أم سائلة بمعنى رخوة متدلية.
فلما كان بعد صلاة الفجر خرجا ووجدا الرجل يسقي زرعه فسلما عليه ودعيا له بالمعونة، وتحدثا معه، ثم قالا له: (لا حياء في الدين يا فلان، إن الشيخ أمرنا بسوالك ونحن نريد أن نلمس خصيتك من وراء ثوبك، فقال الرجل: لا مانع سمعًا وطاعة، فقربا منه ولمسا خصيته وهو لابس ثوبه أي اللمس غير مباشر، فوجداها رخوة سائلة رغم أن الوقت بارد: فسيلانها في هذا الوقت يدل على عدم فحولة الرجل، فيدل على صدق ما تدعيه المرأة، إضافة إلى قرائن
أخرى، فكتب الشيخ بيده ما معناه:(بسم الله الرحمن الرحيم، موجب تحريره هو أني أنا عمر بن سليم قاضي بريدة، قد طلقت فلانة من زوجها فلان بسبب ثبوت عنينته)، وختم عليه وأرسله لها، وهي في بيتها، رحمه الله.
كما يحكي عن الشيخ عمر أنه وهو إمام المسجد الجامع وكان الوقت شديد البرد والصف الأول فيه شيبان نظرهم ضعيف فتأخر الشيخ عن إقامة الصلاة، وكان من عادته أن يذهب مباشرة إلى المحراب، ولكنه صلى السنة خلف عمود من عمد المسجد، فقال أحد الشيبان: أين الشيخ؟ وراه صَيَّف؟ فقال: آخر: الشيخ تلقاه هالحين على (وريث) وحنا نتصكصك، فسمعها الشيخ، قال: هذاي بذا، بس ما بعد جا وقت الصلاة! ! !
والوريث هو الجمر الذي يبقى في الكانون أو الوجار الذي هو محل إيقاد النار يضع الناس عليه الرماد حتى لا يخبو، ولا يقوى الفقراء على ذلك، لأنه يحتاج إلى أن يكون من حطب جزل غالي الثمن نسبيًا ونتصكصك: أصابنا البرد.
قيل: إن أهل قرية طلبوا من إمامهم (المطوع) أن يقرأ عليهم كل يوم درسًا من العلم في المسجد قبل صلاة العشاء الآخرة، ودرسًا قصيرًا من الحديث بعد صلاة العصر مباشرة وكانت تلك عادة معروفة، ولكن المطوع يعرف أن الشيخ عمر بن سليم لا يسمح لكل أحد أن يتكلم بالعلم إلَّا من عَرِفَ أنه أهل لذلك، لذا قال المطوع: أنا لا أقرأ عليكم إلَّا أن تأتوا لي باذن من الشيخ عمر، فأتي جماعته إلى الشيخ وطلبوا منه إذنًا للمطوع بذلك، فكتب الشيخ معهم.
بسم الله الرحمن الرحيم، من عمر ابن سليم إلى الأخ .... فلان ....
أما بعد: فأنت إن شاء الله تحتسب وتقرا تفيد الجماعة من الكتب ولا تكلم على الحديث: بارك الله فيك والسلام عليكم.
ومن الطرائف التي حدثت في درس الشيخ عمر بن سليم رحمه الله مع
ترفعه عن إيراد الكلام الذي لا يتعلق بالأمور الشرعية، هذه التي مبعثها تصحيح قراءة نص شرعي.
وملخصها أن أحدهم قرأ عليه في كتاب أن المرأة يجب أن تستر وجهها إلا إذا كانت عجوزًا (لا تشتهى) قرأ تشتهي بفتح التاء واسكان الشين وكسر الهاء فرد عليه الشيخ بقوله: (لا تشْتَهَى) بضم التاء وإسكان الشين وفتح الهاء.
وقال الشيخ بصوت منخفض: هي تشتهي، لكن الأزواج لا يشتهونها!
ومن النكت المروية عن الشيخ عمر بن سليم رحمه الله أن الناس كانوا في آخر شهر رمضان، وقد صاروا يتشوفون بعد غروب الشمس مباشرة وقبيل صلاة المغرب هلال شوال.
فجاء إلى الشيخ عمر رجل يعرفه الشيخ بأنه ليس من يعتد بقوله، ولا يؤخذ بشهادته، وقال يخاطب الشيخ:
يا شيخ: أحسن الله إليك أنا شفت الهلال، فقال الشيخ عمر مداعبًا له: أخاف إن اللي شفته ذنب إبليس؟
فقال الرجل: لا، يا شيخ ذنب إبليس أعرفه.
فتبسم الشيخ وقال: ما دام إنك تعرف ذنب إبليس فحنا ما نأخذ بشوفك.
يشير إلى أنه ادعى شيئًا غير ممكن.
وأصل ذلك أن العوام يقولون: إن إبليس إذا رأى المسلمين يبحثون عن هلال شوال جعل من ذنبه ما يشبه الهلال، وتعرض لهم قالوا: يريد أن يجعلهم يظنون أنه الهلال فيفطروا يومًا من آخر رمضان بسبب ذلك.
قال الأستاذ ناصر العمري: