الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ الْغَصْبِ
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قُولُ: "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبعِ أَرَضِينَ"(1).
الْغَصْبُ هُوَ الِاسْتِيلاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ قَهْرًا بِغَيْرِ حَق.
وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا، لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَإِنْ غَرِمَ عَلَيْهِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ.
وَلَوْ بَنَى عَلَى الْمَغْصُوبِ، لَزِمَ رَدُّهُ، وَإِنِ انتقَضَ الْبِنَاءَ، فَإِنْ نَقَصَ لِمَعْنًى حَدَثَ فِيهِ، ضَمِنَ النَّقْصَ، وَإِنْ نَقَصَ (2) لِتَغَيُّرِ الأَسْعَارِ، لَمْ يَضْمَنْ.
فَإِنْ زَادَ في يَدِهِ، ثُمَّ نَقَصَ، ثُمَّ عَادَ مِثْلَ الزِّيَادَةِ، فَهَلْ يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ الأُولَى؛ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
(1) رواه البخاري (3026)، كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في سبع أرضين، ومسلم (1610)، كتاب: المساقاة والمزارعة، باب: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها.
(2)
"وإن نقص": ساقطة في "ط".
فَإِنْ غَصَبَ خَيْطًا، فَخَاطَ بِهِ جُرْحَهُ أَوْ جُرْحَ حَيَوانٍ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْحَيَوانُ مَأْكُولًا، رَدَّ الْخَيْطَ، فَإِنْ خَشِيَ تَلَفَ الْحَيَوَانِ، ذَكَّاهُ، فَإِنْ مَاتَ الْحَيَوَانُ، رَدَّ الْخَيْطَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا.
وَإِنْ غَصَبَ لَوْحًا، فَرَقَعَ بِهِ سَفِينَةً، فَحَمَلَ فِيهَا مَالَهُ أَوْ مَالَ الْغَيْرِ، لَمْ يُقْلَعْ حَتَّى تُرْسِيَ.
وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ تَالِفًا، وَهُوَ مَكِيل أَوْ مَوْزُونٌ، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْمِثْلُ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مِثْلِهِ يَوْمَ انْقِطَاعِهِ.
فَإِنْ كَانَ مَصُوغًا قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ وَزْنِهِ، وَكَانَتِ الصِّنَاعَةُ مُبَاحَةً، قُوِّمَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً، ضَمِنَ بِمِثْلِهِ وَزْنًا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَكِيلًا وَلا مَوْزُونًا، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ التَّلَفِ.
وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ، ضَمِنَهُ بِمَا نَقَصَ.
وَعَنْهُ: في الرَّقِيقِ: يَضْمَنُ بِما يَضْمَنُ بِهِ في الإِتْلافِ.
وَعَيْنُ الدَّابَّةِ تُضْمَنُ بِرُبع قِيمَتِها.
فَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ، فَنَقَصَ قِيمَةَ الْباقِي، رَدَّ الْبَاقِيَ وَقِيمَةَ التَّالِفِ وَأَرْشَ النَّقْصِ.
وَقِيلَ: لا يَلْزَمُهُ إِلَّا قِيمَةُ التَّالِفِ مَعَ الرَّدِّ.
فَإِنْ غَصَبَ حِنْطَةً قَبْلَهَا، فَصَاحِبُهَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مِثْلَ حِنْطَتِهِ (1)، أَوْ يَتْرُكَهَا حَتَّى يَسْتَقِرَّ فِيهَا الْفَسَادُ، وَيَأْخُذَ أَرْشَ النَّقْصِ.
(1) في "ط": "الحنطة".
فَإِنْ غَيَّرَ الْمَغْصُوبَ بِمَا يَنْتَقِلُ بِهِ عَنِ اسْمِهِ؛ مِثْلَ أَنْ ضَرَبَ النُّقْرَةَ دَرَاهِمَ، وَالْبيرَمَ إِبَرًا، وَالْخَشَبَةَ بَابًا، وَالْغَزْلَ ثَوْبًا، والشَّاةَ شِوَاءً، فَالصَّحِيحُ في الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إِنْ زَادَتِ الْقِيمَةُ، فَهُمَا شَرِيكَانِ في الزِّيَادَةِ، وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ، فَعَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ النَّقْصِ، وإِنْ زَادَتْ، أَوْ لَمْ تَزِدْ وَلَمْ تَنْقُصْ، فَهِيَ لِلْمَالِكِ، وَلا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ.
وَعَنْهُ: أَنَّ الْغَاصِبَ يَصيرُ شَرِيكًا في الزِّيَادَةِ.
وَإِنْ صَبَغَ الثَّوْبَ، فَلَمْ تَزِدْ قِيمَةُ الثَّوْبِ وَالصَّبغ وَلَمْ تَنْقُصْ، أَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُما، فَهُمَا شَرِيكَانِ، وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُمَا، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْغَاصِبِ، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا، فَالزِّيَادَةُ لِمالِكِ ذلِكَ، وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ قَلْعُ الصَّبغ، وَيَتَخَرَّجُ أَنَّ لَهُ ذلِكَ قِيَاسًا عَلَى الْغِرَاسِ.
وَهَلْ لِلْغَاصِبِ قَلع الصَّبغ وَيَضمَنُ النَّقْصَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ وَهَبَ الْغَاصِبُ الصَّبغ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لا يَلْزَمُهُ.
فَإِنْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِمَا يَتَمَيَّزُ، لَزِمَهُ تَخْلِيصُهُ وَردُّهُ، وَإِنْ خَلَطَهُ بِمَا لا يَتَمَيَّزُ؛ كَالْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَنَحْوِهِمَا، لَزِمَهُ مِثْلُهُ في قَوْلِ الْقَاضِيِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رحمه الله: أَنَّهُ (1) إذَا خَلَطَهُ بِأَجْوَدَ مِنْهُ أَوْ دُونَهُ، فَهُمَا شَرِيكانِ.
فَإِنْ حَفَرَ الْغَاصِبُ بِئْرًا في الدَّارِ، ثُمَّ أَرَادَ طَمَّهَا، فَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ
(1)"أنه": ساقطة في "ط".
ذلِكَ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَيْسَ لَهُ ذلِكَ إذَا أَبْرَأَهُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ فِيهَا.
فَإِنْ غَصَبَ أَثْمَانًا، واتَّجَرَ فِيهَا، فَالرِّيِحُ لِلْمَالِكِ، وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ في الذِّمَّةِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَذلِكَ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ رَدُّ مِثْلِ الدَّنَانِيرِ، أَوْ تَكُونَ السِّلْعَةُ وَرِبْحُهَا لَهُ.
فَإِنْ بَاعَ الْغَاصِبُ الْعَيْنَ، أَوْ وَهَبَهَا، وَقَبَضَهَا، فتلِفَتْ، فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ، و (1) الْمُتَّهِبَ، مَعَ عِلْمِهِمَا بِالْغَصْبِ، لَمْ يَرْجِعَا، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُمَا بِالْغَصْبِ، رَجَعَ الْمُتَّهِبُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ، وَبِمَا لَمْ يَكُنْ ضَمَانٌ يكثْرُ منْ ضَمَانِهِ (2) بِالْبَيْعِ، وَلَمْ ينتفِعْ بِهِ؛ كَنُقْصَانِ الْوِلادَةِ، وَقِيمَةِ الْوَلَدِ.
وَلا يَرْجِعُ بِمَا الْتَزَمَ ضَمَانَهُ، كَقِيمَةِ الْعَيْنِ وَالأَجْزَاءِ.
فَأَمَّا مَا جُعِلَتْ لَهُ بِهِ مَنْفَعَةٌ، وَلَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانَهُ، كَالأُجْرَةِ وَأَرْشِ الْبَكَارَةِ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ، رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا لا يَرْجِعُ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَا يَرْجِعُ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ، لا يَرْجِعُ بِهِ الْغَاصِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
(1) في "ط": "أو".
(2)
في "ط": "ضمان".
وَإِنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ مِنْهُ، فَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، وَالْعَبْدُ، لَمْ يُقْبَلْ، وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يُضَمِّنَهُ مَنْ شَاءَ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِقِيمَتِهِ (1) يَوْمَ الْعِتْقِ، فَإِنْ طَالَبَ الْبَائِعَ، رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ طَالَبَ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْبَائِعِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ الْعِتْقُ إذَا صَدَّقُوهُ كُلُّهُمْ، فَإِنْ صَدَّقَهُ بَعْضُهُمُ دُونَ بَعْضٍ (2)، لَمْ يُقْبَلْ في حَقِّ غَيْرِهِ.
وَإذَا أَطْعَمَ الْمَغْصُوبَ لإِنْسَانٍ يَعْلَمُ بِالْغَصْبِ، فَضَمَّنَ الْمالِكُ الْغَاصِبَ، رَجَعَ عَلَى الآكِلِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الآكِلَ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَاصِبِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ، فَضَمَّنَ الْغَاصِبَ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الآكِلِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الآكِلِ، رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ، في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، فَإِنْ أَطْعَمَ الْمَغْصُوبَ لِمالِكِهِ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ طَعَامُهُ، بَرِىَ الْغَاصِبُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، لَمْ يَبْرَأْ.
وَلَوْ رَهَنَ الْمَغْصُوبَ مِنْ مَالِكِهِ، أَوْ أَوْدَعَهُ عِنْدَهُ، أَوْ أَعَارَهُ إِيّاهُ، أَوِ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى قِصَارَتهِ أَوْ خِيَاطَتِهِ، بَرِىَ الْغَاصِبُ مِنَ الضَّمَانِ.
وَإذَا غَصَبَ أَرْضًا، فَزَرَعَهَا، فَصَاحِبُهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمِثْلِ، وَبَيْنَ أَخْذِ الزَّرْعِ بِقِيمَتِهِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَفِي الأُخْرَى: بِأَخْذِهِ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ.
(1) في "ط": "بقيمة".
(2)
في "ط": "البعض".