الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ الْقَضَاءِ
عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1).
قَالَ أَحْمَدُ رحمه الله: "لا بُدَّ للنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أتذْهَبُ (2) حُقُوقُ النَّاسِ؟! ".
وَهذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الإِنْسَانِ الدُّخُولُ فيهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ.
رُوِيَ عَنْهُ: سُئِلَ: هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ؟ قَالَ: لا يَأْثَمُ بِذَلِكَ، وَهذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لا تَجِبُ.
(1) رواه البخاري (6919)، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطا، ومسلم (1716)، كتاب: الأقضية، باب: بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ.
(2)
في "ط": "لئلا تذهب".
وَلا خِلافَ في أَنَّهُ يُكْرَهُ طَلَبُهُ إذَا كَانَ هُنَاكَ غَيْرُهُ، وَإِنْ طُلِبَ، فَالأَفْضَلُ أَلَّا يَدْخُلَ فيه.
وَلا تَصِحُّ وِلايَةُ الْقَضَاءِ إِلَّا بِتَوْليَةِ الإمَامِ، أَوْ مَنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الإمَامُ؛ فَإِنْ وَلَاّهُ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ تَحَاكَمَ اثْنَانِ إِلَى رَجُلٍ يَصْلُحُ للْقَضاءِ، فَحَكَّمَاهُ في مَالٍ، فَمَا قَضَى بِهِ في حَقِّهِمَا لَزِمَهُمَا.
وَلا يَنْفُذُ حُكْمُهُ في الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَالنِّكاحِ وَاللِّعَانِ، عَلَى ظَاهِرِ كَلامِهِ.
وقال الْقَاضِي: يَنْفُذُ.
وَيَلْزَمُ الإمَامَ أَنْ يَخْتَارَ لِلْقَضَاءِ أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُ، وَأَورَعَهُمْ، وَيأْمُرَهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَالْعَدْلِ، وأن يَسْتَخْلِفَ في كُلِّ صُقْعٍ أَصْلَحَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَهُمْ.
وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْوِلَايَةِ مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّي لِلْمُوَلَّى، وَأَنَّهُ عَلَى صِفَةٍ تَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، وَيُعَيِّنُ مَا يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ فيهِ مِنَ الْبُلْدَانِ والأَعْمَالِ، وَيُشَافِهُهُ، وَمُشَافَهَتُهُ بِالْوِلَايَةِ إِنْ كَانَ حَاضِرًا، أَوْ يُكَاتِبُهُ إِنْ كَانَ غِائِبًا، وَيُشْهِدُ عَلَى تَوْليتهِ بِشَاهِدَيْنِ.
وَقِيلَ: تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ بِالِاسْتِفَاضَةِ إذَا كَانَ الْبَلَدُ قَرِيباً.
وَألْفَاظُ الْوِلَايَةِ الصَّرِيحَةُ سَبْعَةٌ: وَلَّيْتُكَ الْحُكْمَ، وَقَلَّدْتُكَ،
وَاسْتَنَبْتُكَ، وَاستَخْلَفْتُكَ، وَرَدَدْتُ إِلَيْكَ الْحُكْمَ، وَفَوَّضْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ إِلَيْكَ.
وَالْكِنَايَةُ أَرْبَعَةٌ: اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ، وَعَوَّلْتُ عَلَيْكَ، وَوَكَلْتُ إِلَيْكَ، وَأَسْنَدتُ إِلَيْكَ.
فَلا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ بِهَا حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ، نَحْوَ قَوْلهِ: فَاحْكُمْ، أَوْ: فَانْظُرْ، وَتَوَلَّ.
وَيُعْتَبَرُ الْقَبُولُ مِنَ الْمُوَلَّى.
فَإنْ قَالَ: مَن نَظَرَ في الْحُكْمِ مِنْ فُلانٍ وَفُلانٍ، فَهُوَ خَلِيفَتِي، لَمْ تَنْعَقَدِ الْوِلَايَةُ.
وَإِنْ قَالَ: قَدْ وَلَّيْتُ فُلاناً وَفُلاناً، فَأَيُّهُمَا نَظَرَ، فَهُوَ خَلِيفَتِي، انْعَقَدَتِ الْوِلَايَةُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ جَمِيعَ الأَحْكَامِ في بَلَدٍ يُعَيِّنُهُ، فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيمَنْ سَكَنَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، أَوْ قَدِمَ إِلَيْهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَهُ خُصُوصَ النَّظَرِ في عُمُومِ الْعَمَلِ، فَيَقُولَ: جَعَلْتُ إِلَيْكَ الْحُكْمَ في الْمُدايَنَاتِ خَاصَّةً.
وَيجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ حُكْمَهُ في قَدْرٍ مِنَ المَالِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيَيْنِ في بَلَدٍ يَجْعَلُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَلاً؛ فَإِنْ قَلَّدَ قَاضِيَيْنِ عَمَلاً وَاحِداً، لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي الخَطَّابِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ.
وَإذَا صَحَّتِ الْوِلَايَةُ، وَكَانَتْ عَامَّةً، اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ في عَشَرَةِ أشْيَاءَ: فَصْلِ (1) الْخُصُومَاتِ، وَاسْتيفَاءِ الْحَقِّ مِمَّنْ عَلَيْهِ، وَدَفْعِهِ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَالنَّظَرِ في أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَجَانِينِ، وَالْحَجْرِ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ، وَالنَّظَرِ في الْوُقُوفِ في عَمَلِهِ عَلَى مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ، وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا، وَتَزْوِيجِ مَنْ لا وَلِيَّ لَهَا، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَالنَّظَرِ في مَصَالِح عَمَلِهِ بِكَفِّ الأَذَى عَنْ طُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتِهِمْ، وَتَصَفُّحِ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ، وَالِاسْتِبْدَالِ بِهِمْ (2)، وَالإِمَامَةِ في صَلاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ.
فَأَمَّا جِبَايَةُ الْخَرَاجِ وَالصَّدَقَةِ، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَلَهُ طَلَبُ الرِّزقِ لِنَفْسِهِ وَلخُلَفَائِهِ وَأُمَنَائِهِ مَعَ الْحَاجَةِ، فَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا، فَهَلْ لَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
* * *
(1) في "ط": "فض".
(2)
"بهم": ساقطة من "ط".