المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفرع الثاني في استحباب مقاربة الخطا - الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان - جـ ١

[دبيان الدبيان]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الكتاب

- ‌الباب الأول في صفة الصلاة

- ‌الفصل الأول في الأحكام المرتبطة بالخروج إلى الصلاة

- ‌المبحث الأول في استحباب الخروج متطهرًا بنية الصلاة

- ‌المبحث الثاني لا يستحب دعاء خاص للخروج إلى الصلاة

- ‌المبحث الثالث في الوقت الذي يجب الذهاب فيه للصلاة

- ‌المبحث الرابع في الخروج إلى الصلاة بسكينة ووقار

- ‌المبحث الخامس في كراهة التشبيك بين الأصابع إذا خرج إلى الصلاة

- ‌المبحث السادس في استحباب كثرة الخطا في الذهاب للصلاة

- ‌الفرع الأول في اختيار المسجد الأبعد طلبَا لكثرة الخطا

- ‌الفرع الثاني في استحباب مقاربة الخطا

- ‌الباب الثاني في الأحكام المرتبطة بدخول المسجد

- ‌الفصل الأول في استحباب تقديم اليمنى في الدخول واليسرى في الخروج

- ‌الفصل الثاني في استحباب الذكر الوارد لدخول المسجد

- ‌المبحث الأول في استحباب الاستعاذه

- ‌المبحث الثاني في استحباب التسمية والدعاء بالمغفرة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لدخول المسجد

- ‌المبحث الثالث في صلاة ركعتين قبل الجلوس

- ‌المبحث الرابع لا تشرع التحية لمن أدخل يده أو رأسه فقط

- ‌المبحث الخامس في تكرار تحية المسجد بتكرار الدخول

- ‌المبحث السادس في مشروعية تحية المسجد للمرور بلا مكث

- ‌المبحث السابع في فوات تحية المسجد بالجلوس

- ‌المبحث الثامن في حكم تحية المسجد

- ‌المبحث التاسع في منزلة تحية المسجد من السنن

- ‌المبحث العاشر تحية المسجد لمن صلى ركعتي الفجر في البيت

- ‌المبحث الحادي عشر اختصاص التحية بالمسجد

- ‌المبحث الثاني عشر صلاة تحية المسجد في وقت النهي

- ‌المبحث الثالث عشر في اشتراط النية لتحية المسجد

- ‌المبحث الرابع عشر في حصول تحية المسجد في أقل من ركعتين

- ‌المبحث الخامس عشر في صلاة تحية المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب

- ‌المبحث السادس عشر في تحية المسجد إذا أقيمت الصلاة

- ‌الفرع الأول في ابتداء النافلة بعد إقامة الصلاة

- ‌الفرع الثاني إذا أقيمت الصلاة وهو يصلي النافلة

- ‌الباب الثالث في الأحكام التي تسبق تكبيرة الإحرام

- ‌الفصل الأول في قيام المأموم والإمام ليس في المسجد

- ‌الفصل الثاني في وقت قيام المأموم للصلاة والإمام في المسجد

- ‌الفصل الثالث في وقت تكبير الإمام بالصلاة

- ‌الفصل الرابع في تسوية الصفوف

- ‌الباب الرابع في أحكام تكبيرة الإحرام

- ‌توطئه

- ‌الفصل الأول في حكم تكبيرة الإحرام

- ‌الفصل الثاني في شروط تكبيرة الإحرام

- ‌الشرط الأول أن تقع تكبيرة الإحرام مقارنة للنية حقيقة أو حكمًا

- ‌الشرط الثاني أن يأتي بتكبيرة الإحرام قائمَا فيما يشترط فيه القيام

- ‌المبحث الأول في انقلاب الصلاة نفلَا إذا بطلت فرضًا

- ‌المبحث الثاني إذا كبر المسبوق تكبيرة واحدة ولم يكبر للركوع

- ‌الشرط الثالث أن تكون التحية بلفظ الله أكبر لا يجزئ غيرها

- ‌مبحث في تنكيس التكبير

- ‌الشرط الرابع أن يكون التكبير متواليًا

- ‌الشرط الخامس في اشتراط إسماع المصلي نفسه تكبيرة الإحرام والذكر الواجب

- ‌الشرط السادس أن تكون التحريمة بالعربية من القادر عليها

- ‌الشرط السابع سلامة التكبير من اللحن المغير للمعنى

- ‌الشرط الثامن في اشتراط القدرة على التكبير

- ‌الباب الخامس أحكام القيام في الصلاة

- ‌الفصل الأول حكم القيام

- ‌الفصل الثاني في منزلة القيام بالصلاة

- ‌الفصل الثالث في قدر القيام

- ‌الفصل الرابع في صفة القيام

- ‌الفصل الخامس في استناد المصلي في القيام

- ‌الفصل السادس في سقوط القيام عن المصلي

- ‌المبحث الأول لا يجب القيام في صلاة النافلة

- ‌المبحث الثاني افتتح النافلة قائمَا فأراد الجلوس من غير عذر

- ‌المبحث الثالث يسقط القيام بالعجز

- ‌المبحث الرابع ضابط العجز المسقط للقيام

- ‌المبحث الخامس سقوط القيام بالخوف

- ‌المبحث السادس في سقوط القيام من أجل المحافظة على الطهارة

- ‌المبحث السابع في المراوحة بين القدمين في الصلاة

- ‌المبحث الثامن في الصاق إحدى القدمين بالأخرى حال القيام

- ‌الفصل السابع في موضع النظر أثناء الصلاة

- ‌المبحث الأول في النظر إلى السماء أثناء الصلاة

- ‌المبحث الثاني في موضوع نظر المصلي في اثناء الصلاة

- ‌المبحث الثالث في موضوع نظر المصلي حال الركوع والسجود والجلوس

- ‌الفصل الثامن في رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام

- ‌المبحث الأول في مشروعية رفع اليدين

- ‌المبحث الثاني في صفة رفع اليدين

- ‌الفرع الأول في صفة رفع الأصابع

- ‌الفرع الثاني في صفة رفع الكفين

- ‌الفرع الثالث في منتهى الرفع

- ‌الفرع الرابع في رفع المرأة يديها في الصلاة

- ‌الفرع الخامس في ابتداء وقت الرفع وانتهائه

- ‌الفرع السادس في وضع اليدين بعد الفراغ من تكبيرة الإحرام

- ‌مسألة في حكم وضع اليد اليمنى على اليسرى

- ‌الفرع السابع في مكان وضع اليدين

- ‌الفرع الثامن في وقت القبض

- ‌الفرع التاسع في صفة وضع اليدين

الفصل: ‌الفرع الثاني في استحباب مقاربة الخطا

‌الفرع الثاني في استحباب مقاربة الخطا

المدخل إلى المسألة:

• النصوص تأمر بالمشي إلى الصلاة عند سماع الإقامة، وتنهى عن السرعة.

• الأمر بالمشي إلى الصلاة لا يفهم منه إلا المشي المعتاد، بأن يمشي على طبيعته دون أن يتكلف هيئة معينة.

• لم يَأْتِ حديث صحيح مرفوع في مقاربة الخطا، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} ، والأصل عدم المشروعية.

• الوعد بالثواب على الخُطَا إذا مشى إلى الصلاة ترغيب للبعيد في تحصيل الجماعة، ولا يفهم منه الأمر بمقاربة الخطا؛ لأن الخُطَا ليس مقصودًا في ذاته حتى يتقصد المصلي صفة فيه لم تأتِ بها النصوص.

• استحباب صفة في المشي يحتاج إلى توقيف، ولو كان مشروعًا لظهر وانتشر بين الصحابة لتكراره في اليوم خمس مرات.

[م-444] خلصنا في المبحث السابق عند الكلام على مسألة اختيار المسجد الأبعد من أجل كثرة الخُطَا، أن الأرجح للمصلي ألا يقصد المسجد الأبعد من أجل كثرة الخطا، ولا يختار أبعد الطريقين إلى المسجد طلبًا لكثرة الخطا.

وأن المشي إلى المسجد لا فضيلة في نفسه، ولا يفضل على الركوب؛ ولا يتقصد المشي؛ لكونه أشق، فطلب المشقة في العبادة ليس مطلوبًا، والثواب على الخطا في الذهاب إلى الصلاة جاء بناء على الغالب، فغالب المسلمين مساجدهم قريبة من بيوتهم، فلا يحتاجون بالذهاب إلى المسجد إلى الركوب، كما

ص: 80

أن كتابة الخطا يقصد منها ترغيب البعيد عن المسجد في تحصيل صلاة الجماعة، لا أن المشي مقصود في نفسه، ولا أن المسجد الأبعد مقصود من أجل كثرة الخُطَا.

[م-445] إذا كان ذلك واضحًا من خلال البحث السابق، فهنا مسألة تعرض لها بعض المذاهب، في مشروعية مقاربة الخطا من أجل تكثير الخطا.

فإذا كان لا يشرع على الصحيح قصد المكان الأبعد لتكثير الخطا، فهل يشرع مقاربة الخطا بقصد تكثير الخطا؟

فمن نظر إلى أن المسافة هي المسافة، وأنه لن يدخله مشقة زائدة في مقاربة الخطا لم يمنع من مقاربة الخطا، خاصة أن مقاربة الخطا تحول بين المصلي وبين الإسراع في السعي إلى الصلاة، وهو من السنن المؤكدة.

ومن نظر إلى أن الصفة المأمور بها في الذهاب إلى الصلاة جاءت مفصلة بالسنة، فالنصوص تأمر بالمشي عند سماع الإقامة بسكينة ووقار، وتنهى عن السرعة، والأمر بالمشي إلى الصلاة لا يفهم منه إلا المشي المعتاد، بأن يمشي على طبيعته دون أن يتكلف هيئة معينة، ولم يَأْتِ حديث صحيح مرفوع في مقاربة الخطا، وما كان ربك نسيًّا، والأصل عدم المشروعية، والوعد بالثواب على الخُطَا إذا مشى إلى الصلاة لا يفهم منه الأمر بمقاربة الخطا، لأن المشيَ ليس مقصودًا في ذاته حتى يتقصد المصلي صفة فيه لم تَأْتِ بها النصوص.

من فهم هذا من النصوص لم يَرْ مشروعية مقاربة الخطا، وكونه قد ثبت عن زيد بن ثابت مقاربته لخطاه، فهذا فهم من الصحابي لم يثبت عن غيره، وهو اجتهاد يدخله الخطأ والصواب، فلو كان مثل هذا مشروعًا لعرف هذا إما في النصوص المرفوعة، ولم يثبت منها شيء، وإما في ظهوره وانتشاره من عمل الصحابة، خاصة أنه يتكرر في اليوم خمس مرات، ولم يَصحَّ إلا عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، إذا عرفت هذا نأتي إلى ذكر من قال بالاستحباب، ومناقشة أدلته.

استحب الحنابلة مقاربة الخطا في المشي إلى الصلاة؛ لتكثر حسناته، وقال به بعض أهل العلم

(1)

.

(1)

. طرح التثريب (2/ 358)، المغني (1/ 328)، الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري

(2/ 306)، فتح الباري لابن رجب (2/ 358)، الكافي لابن قدامة (1/ 334)، المغني (1/ 328).

ص: 81

قال الطبري: «تفضل المقاربة بين الخطا في المشي إلى الصلاة على الإسراع إليها»

(1)

.

وقال ابن خزيمة في صحيحه: «باب فضل المشي إلى الجمعة، وترك الركوب، واستحباب مقاربة الخطا لتكثر الخطا، فيكثر الأجر»

(2)

.

ولم يستحب الجمهور المقاربة بين الخطا، فلم يتعرضوا لها في كتبهم، مع نص بعضهم على استحباب المشي إلى الصلاة وتفضيله على الركوب.

واختاره شيخنا ابن عثيمين، قال في تعليقه على الكافي لابن قدامة:«أما قوله رحمه الله: (ويقارب بين خطاه) ففي هذا نظر؛ لأن المقاربة بين الخطا أمر يقصد، ولو كان من الأمور المشروعة لبينه النبي صلى الله عليه وسلم»

(3)

.

• أدلة الحنابلة على استحباب مقاربة الخطا:

الدليل الأول:

(ح-1070) ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه،

عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟، قالوا بلى يا رسول الله قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط.

وجه الاستدلال:

فرتب الأجر على كثرة الخطا، كثرة الخطا تحصل بأمور منها مقاربة الخطا، فإذا قَلَّت الخطا قَلَّ الأجر.

•ونوقش:

كثرة الخطا الذي رتب عليها هذا الفضل، أهو كناية عن بعد الدار، وكثرة التردد

(1)

. شرح البخاري لابن بطال (2/ 282).

(2)

. صحيح ابن خزيمة (3/ 135).

(3)

. الكافي لابن قدامة (2/ 222).

ص: 82

على المسجد حتى حصل له كثرة الخطا، أم المعنى أن يَدِبَّ إلى المسجد دبيبًا ولو خرج عن المشي المعتاد؛ ليحصل على كثرة الخطا؟

لا أظن الحديث سيق حَثًّا على مقاربة الخطا لتكثر الحسنات، فالخطا وسيلة غير مقصودة، وإنما كسب المشي فضيلته لكونه وسيلة إلى الصلاة، وكذا كل وسيلة توصلك إلى الصلاة فقد حصل المقصود، وتؤجر عليها، وحين كان المشي هو الغالب؛ لأن المساجد تقع عادة قريبة من البيوت جاء الأمر بالسعي إلى الصلاة بلفظ المشي، والحديث لا يفهم منه على أنه يعطي المشي مزية على غيره، لأننا لم نتعبد بالمشي المجرد، فالمشي ليس كالوضوء وسيلة لغيره وعبادة في نفسه، فلو تعبد المسلم بمجرد المشي لعُدَّ مبتدعًا، والوضوء مع أنه وسيلة يطلب وحده، ولو دون صلاة، هذا هو الفرق بين المشي والوضوء، بين الوسيلة إذا كانت مقصودة، وبين الوسيلة إذا كانت لا تقصد لذاتها، فالأجر المرتب على المشي إنما هو ترغيب للبعيد في تحصيل الجماعة باحتساب آثاره، وترغيب للقريب بكثرة التردد على المسجد في سائر الأوقات؛ لتكثر خطاه إلى الصلاة، وما خرج مخرج الغالب لا يعتبر قيدًا، فلو ركب الرجل إلى مسجده لكتبت آثاره في الطريق إلى المسجد.

وقد نقل الأبي عن العز بن عبد السلام قوله: «لا يمر إلى المسجد من أبعد طريقيه ليكثر الخطا؛ لأن الغرض الحصول في المسجد، وهو يحصل بالقريبة، قال: والحديث إنما هو تنشيط لمن بعدت داره ألا يكسل، ومن نحو ما ذكر ألا يؤثر أبعد المسجدين منه بالصلاة فيه»

(1)

.

الدليل الثاني:

(ح-1071) روى ابن أبي شيبة في مسنده، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا الضحاك بن نبراس، عن ثابت البناني،

عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت، قال: أقيمت الصلاة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، وأنا معه، فقارب في الخطا، وقال: أتعرف لم فعلت؟ لتكثر

(1)

. شرح الزرقاني على موطأ مالك (1/ 556).

ص: 83

عدد خطانا في طلب الصلاة

(1)

.

[منكر مرفوعًا، والصحيح أنه موقوف]

(2)

.

•ونوقش:

إذا لم يصح مرفوعًا فقد صح موقوفًا على زيد بن ثابت، وهذا كافٍ في الاستحباب.

(1)

. مسند ابن أبي شيبة (133).

(2)

. الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (133)، وعبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب (256)، والطبراني في الكبير (5/ 117) رقم: 4798، وابن عدي في الكامل (5/ 153)، وابن شاهين في الترغيب (52)، عن عبيد الله بن موسى.

والبخاري في الأدب المفرد (458) حدثنا موسى (بن إسماعيل)،

وأبو داود الطيالسي كما في مسنده (606)، ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (5/ 188) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (2919)، عن محمد بن ثابت البناني (ضعيف).

والعقيلي في الضعفاء (2/ 219)، من طريق مسلم بن إبراهيم، كلهم رووه عن الضحاك بن نبراس، عن ثابت، به مرفوعًا.

وهذا فيه علتان:

الأولى: الضحاك بن نبراس، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك، وقال أبو حاتم: لين الحديث.

وفي التقريب: لين الحديث.

العلة الثانية: مخالفة الضحاك لمن هوى أقوى منه،

فقد رواه الطبراني (5/ 117) رقم: 4796 من طريق السري بن يحيى (ثقة ثبت)،

وعبد الرزاق في المصنف (1983)، ومن طريقه الطبراني في الأوسط (3408) عن جعفر بن سليمان (صدوق يتشيع).

ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (7411) من طريق حميد الطويل (ثقة)،

ورواه أيضًا (7406) من طريق جعفر بن حيان أبي الأشهب (ثقة).

ورواه العقيلي في الضعفاء (2/ 219) من طريق حماد بن سلمة، خمستهم رووه عن ثابت به موقوفًا على زيد بن ثابت، وهو المعروف.

ورواه الحارث في مسنده كما في بغية الباحث (129) حدثنا داود بن المحبر، حدثنا محمد ابن سعيد، عن أبان، عن أنس قال: خرجت وأنا أريد المسجد فإذا أنا بزيد بن ثابت، فوضع يده على منكبي يتوكأ علي، قال: فذهبت أخطو خطو الشباب، فقال لي زيد يعني ابن ثابت: قارب بين خطوك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من مشى إلى المسجد كان له بكل خطوة عشر حسنات.

وهذا ضعيف جدًّا، في إسناده داود بن المحبر، وأبان بن أبي عياش، ومحمد بن سعيد.

ص: 84

•ويجاب:

من أراد الاستئناس برأي زيد بن ثابت فقد رشد، ومن اهتدى بفهم صحابي فقد خرج الفاعل بذلك من ضيق البدعة إلى فضاء الصواب والخطأ، وقد تلقى أنس هذا الفقه من زيد وعمل به، وألقاه أنس إلى تلميذه ثابت، وعمل الصحابي يمكن الاهتداء به إذا كانت السنة لم تبين صفة المشي إلى الصلاة كما سيأتي بيانه في أدلة القول الثاني، أما من يرى أن السنة قد جاءت مفصلة صفة المشي فلا يأخذ بفهم الصحابي إذا كان يراه مخالفًا للسنة، ومخالفًا للنظر، ولذلك حين أمرت السنة بالمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، ونهت عن السرعة لم يأخذ بعض المحققين باجتهادات بعض الصحابة بأنه لا بأس بالسرعة إذا لم تكن شديدة، سواء أَسْتُحْسِنَ هذا لإدراك التكبيرة الأولى، أم لإدراك الركعة، أُم لإدراك الجماعة، والله أعلم.

الدليل الثالث:

(ث-254) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا المسعودي، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص، قال:

قال عبد الله: لقد رأيتنا وإنَّا لنقارب الخطا إلى الصلاة

(1)

.

[صحيح واختلف في ذكر زيادة (وإنا لنقارب الخطا) والأثر في مسلم وليست فيه هذه الزيادة ويشبه أن تكون محفوظة]

(2)

.

(1)

. المصنف (7405).

(2)

. الأثر صحيح عن ابن مسعود، ويشبه أن يكون مقاربة الخطا محفوظًا في أثر ابن مسعود رضي الله عنه، والحديث مداره على أبي الأحوص، عن ابن مسعود رضي الله عنه.

وقد رواه خمسة عن أبي الأحوص: علي بن الأقمر، وعبد الملك بن عمير، وإبراهيم بن مسلم الهجري، وأبو إسحاق، وأبو بكر بن عياش.

أما عبد الملك بن عمير، فلم يختلف عليه في عدم ذكر مقاربة الخطا، وروايته في مسلم.

ورواه البقية على اختلاف عليهم:

ففي رواية علي بن الأقمر: رواها عنه أبو عميس، والمسعودي -على تقدير أن أبا عميس ليس هو المسعودي- وشريك.

فأما أبو عميس فلم يختلف عليه في عدم ذكرها، وروايته في مسلم. =

ص: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

=

وأما شريك فروي عنه على الوجهين.

وأما المسعودي على تقدير أنه ليس أبا عميس، فرواه عنه الطيالسي، وعاصم بن علي، وليس فيه مقاربة الخطا.

ورواه ابن المبارك عن المسعودي وقد ذكر مقاربة الخطا، وليس له إلا طريق واحد عند النسائي، لهذا لم يختلف عليه في ذكر هذا الحرف.

ورواه وكيع وأبو قطن عن المسعودي على اختلاف عليهم:

فرواه هارون بن عباد، وسلم بن جنادة، عن وكيع، دون ذكر هذا الحرف، وخالفهم ابن أبي شيبة، فرواه عن وكيع، وذكر مقاربة الخطا مقتصرًا عليه في روايته.

ورواه أحمد عن أبي قطن عن المسعودي دون ذكر هذا الحرف، ورواه ابن الأعرابي في معجمه من طريق أبي قطن بذكر الخطا.

وأما رواية إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي الأحوص، فاختلف فيه على الهجري في ذكرها.

فذكرها كل من الثوري وزائدة بن قدامة وروح بن القاسم، ولعل من لم يذكرها، وهم البقية تركوها إما اقتصارًا أو اختصارًا، والله أعلم.

وأما رواية أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، فرواها عنه مسعر عن أبي إسحاق وليس فيه (مقاربة الخطا).

ورواه يونس بن أبي إسحاق، وفيه ذكر مقاربة الخطا.

وأما رواية أبي بكر بن عياش، فلم أقف لها إلا على طريق واحد عند ابن أبي شيبة، وفيه مقاربة الخطا إلا أنه أخطأ في لفظها، فقد ساقها بلفظ:(وكان يؤمر بمقاربة الخطا) فظاهرها أن ذلك مرفوع، والله أعلم. وإليك بيان ما أجملته، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.

فالأثر كما ذكرت لك مداره على أبي الأحوص، عن عبد الله، ورواه عن أبي الأحوص جماعة.

الطريق الأول: علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص.

ورواه عن علي بن الأقمر اثنان: شريك بن عبد الله النخعي، والمسعودي وأحسبه (أبا عميس الثقة).

أما رواية المسعودي، عن علي بن الأقمر، فرواه عنه جماعة على النحو التالي:

أما رواية المسعودي عن علي بن الأقمر فرواه عنه جماعة على النحو التالي:

(1)

: أبو نعيم الفضل بن دكين، عن أبي عميس المسعودي.

رواه مسلم (257 - 654)، وابن أبي شيبة في المسند (353)، وأحمد (1/ 414، 415)، والطبراني في المعجم الكبير (9/ 118) رقم: 8603، وأبو عوانة في مستخرجه (1262)، والبيهقي في السنن الكبرى (3/ 83)، وفي الشعب (2605)، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن أبي عميس، عن علي بن الأقمر به، بطوله وليس فيه ذكر مقاربة الخطا، ولفظه:

عن عبد الله، قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من =

ص: 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف.

وفي جميع طرق أبي نعيم، يرويه عن أبي عميس بكنيته، لم يقل في طريق واحد منها (المسعودي).

(2)

عبد الله بن المبارك، عن المسعودي.

رواه النسائي في المجتبى (849)، وفي الكبرى (924) من طريق ابن المبارك بذكر هذه الزيادة.

(3)

أبو داود الطيالسي، عن المسعودي.

رواه أبو داود في مسنده (311) حدثنا المسعودي به، وذكره بتمامه، وليس فيه (نقارب الخطا).

(4)

: عاصم بن علي، عن المسعودي.

أخرجه الطبراني في الكبير (9/ 119) رقم: 8604، وليس فيه (نقارب الخطا).

(5)

أبو قطن عمرو بن الهيثم، عن المسعودي، واختلف على أبي قطن:

فرواه ابن الأعرابي في المعجم (80) أخبرنا أبو يحيى، أخبرنا أبو قطن عن المسعودي به، وفيه (حتى لقد كنا نقارب في الخطا).

ورواه أحمد (1/ 455) حدثنا أبو قطن، عن المسعودي به، ولم يذكر هذا الحرف مع أنه ذكر الأثر بطوله. وفي الطريقين قال:(عن المسعودي).

(6)

وكيع، عن المسعودي، واختلف عليه في ذكر هذا الحرف.

فرواه أبو داود (550) عن هارون بن عباد الأزدي، عن وكيع، عن المسعودي وذكره بطوله دون هذه الزيادة.

وتابعه سلم بن جنادة في صحيح ابن خزيمة (1483) عن وكيع به، دون ذكر هذه الزيادة.

ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (7405) عن وكيع عن المسعودي مختصرًا بالاقتصار على قوله: (لقد رأيتنا وإن كنا لنقارب الخطا إلى الصلاة).

هذا ما وفقت عليه من طريق المسعودي، والكلام عليه في مسألتين:

المسألة الأولى: من المراد بالمسعودي؟ أهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، فهذا الرجل صدوق، وقد تغير بآخرة، وعاصم بن علي والطيالسي ممن سمع منه بعد اختلاطه، ووكيع ممن سمع منه قبل اختلاطه، أم هو أخوه أبو عميس الثقة: عتبة بن عبد الله؟

فأبو نعيم الفضل بن دكين وحده قال: عن أبي عميس.

وقال ابن المبارك، ووكيع، وعاصم بن علي، وأبو داود الطيالسي، وعمرو بن الهيثم كلهم قالوا عن المسعودي، والمشهور إطلاق المسعودي على عبد الرحمن، وأما أخوه فهو مشهور بكنيته، وكلاهما يقال له المسعودي.

قال صاحب فضل الرحيم الودود «اختلف صنيع المزي، فصنيعه في التهذيب على أنه الأول، =

ص: 87

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

=

وفي الأطراف (7/ 124/9502) على أنه الثاني؛ حيث ذكر طرف الحديث عند مسلم من طريق الفضل بن دكين، وعند أبي داود من طريق وكيع، وعند النسائي من طريق ابن المبارك، ثم قال:(ثلاثتهم عن أبي عميس، عنه به)، ولم يتعقبه العراقي في الإطراف بأوهام الأطراف، ولا ابن حجر في النكت الظراف».

ووكيع وأبو نعيم يرويان عن الأخوين جميعًا عن عبد الرحمن، وعن عتبة.

ورواية ابن المبارك وعاصم بن علي وعمرو بن الهيثم معروفة عن عبد الرحمن، وينظر هل لهم رواية عن أبي عميس؟ فإن كان لهم رواية فيحتمل أنهم شخص واحد، كناه أبو نعيم، ونسبه البقية بلا كنية، وإن لم يكن لهم رواية فيعتبر الحديث من رواية الأخوين عن أبي الأحوص، ويتنبه للاختلاف بينهما في لفظه: فأبو عميس يرويه دون ذكر مقاربة الخطا، بخلاف عبد الرحمن، وأبو عميس أوثق من أخيه، وقد عدهما الألباني شخصين في تخريجه لسنن أبي داود الأم.

المسألة الثانية: الاختلاف في ذكر مقاربة الخطا، فرواه ثلاثة من الرواة دون ذكر هذا الحرف: أبو نعيم، والطيالسي، وعاصم بن علي عن المسعودي، ورواية أبي نعيم في مسلم.

ورواه ثلاثة من الرواة بذكر هذا الحرف، على اختلاف عليهم في ذكر هذا الحرف.

فرواه ابن المبارك عن المسعودي بتمامه وطوله بذكر مقاربة الخطا، وروايته عند النسائي.

ورواه وكيع وأبو قطن عن المسعودي على اختلاف عليهم:

فرواه هارون بن عباد، وسلم بن جنادة، عن وكيع، عن المسعودي به، دون ذكر هذا الحرف، وخالفهم ابن أبي شيبة، فرواه عن وكيع به، وذكر مقاربة الخطا مقتصرًا عليه في روايته.

ورواه أحمد عن أبي قطن عن المسعودي دون ذكر هذا الحرف، ورواه ابن الأعرابي في معجمه من طريق أبي قطن بذكر الخطا.

هذا ملخص تخريج طريق المسعودي، والإشكال الذي فيه.

وأما رواية شريك بن عبد الله النخعي، عن علي بن الأقمر.

فرواها أحمد (1/ 419) حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، حدثنا علي بن الأقمر به، بلفظ:

لقد رأيتنا، وما تقام الصلاة حتى تكامل بنا الصفوف، فمن سره أن يلقى الله عز وجل غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات حيث ينادى بهن، فإنهن من سنن الهدى، وإن الله عز وجل قد شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى.

وليس فيه زيادة (وإن كنا لنقارب بين الخطا)، ولعل يحيى بن آدم اختصره.

ورواه الطبراني في المعجم (9/ 119)، والشاشي في مسنده (707)، حدثنا علي بن عبد العزيز، أخبرنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، أخبرنا شريك به، بلفظ: عن ابن مسعود قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حين ينادى بهن؛ فإنهن من سنن الهدى، وإن الله قد شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، ولو أن هذا المصلي في المسجد يخلف في بيته كما يخلف هذا المصلي في بيته لتركتم سنة نبيكم عليه السلام، =

ص: 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

=

ولو تركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم لضللتم، ولقد أتى علينا زمان، وما يتخلف عنها إلا منافق، ولقد رأيت الرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، ولقد رأيتنا وإن الصفوف لتتكامل بنا قبل أن تقام الصلاة، وما من رجل يتوضأ فيحسن الوضوء، يأتي المسجد لا ينهزه إلا ذلك، فيصلي فيه إلا كتب الله له بكل خطوة حسنة، وحط عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة، حتى إن كنا لنقارب بين الخطا. هذا لفظ الشاشي، ولفظ الطبراني نحوه.

وإسناده صحيح إلى شريك، وأما شريك فإنه سَيِّئُ الحفظ، إلا أن هذا الأثر لم يتفرد به، وقد ذكر في روايته زيادة:(حتى إن كنا لنقارب بين الخطا)، وهذه متابعة أخرى لرواية الأقمر من رواية ابن المبارك، ومن تابعه عنه.

ورواه الشاشي أيضًا (706) قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن مطر، أخبرنا طلق بن غنام، أخبرنا شريك به بلفظ محمد بن سعيد الأصبهاني.

وشيخ الشاشي أحمد بن إبراهيم بن مطر لم يَرْوِ عنه إلا الشاشي، ولم أقف له على ترجمة، ففيه جهالة، ويغني عنه الطريق السابق.

هذا ما يخص تخريج طريق علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص، ولم ينفرد به، فقد توبع كما سنراه من استكمال التخريج.

الطريق الثاني: عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص.

رواه مسلم (256 - 654)، وابن أبي شيبة في المسند (429)، وأبو يعلى مختصرًا ومطولًا، (5003، 5023)، وأبو عوانة (1263)، والطبراني في الكبير مختصرًا (9/ 120) رقم: 8608، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (1461). وابن حبان (2100) من طريق زكريا ابن أبي زائدة، حدثنا عبد الملك به مطولًا ومختصرًا وليس فيه مقاربة الخطا.

الطريق الثالث: إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي الأحوص.

رواه ابن ماجه (777) والنسوي في الأربعين (23)، من طريق محمد بن جعفر.

والطبراني في الكبير (9/ 116) رقم: 8597، من طريق محمد بن منهال.

والطبراني في الكبير (9/ 116) رقم: 8597، والشاشي في مسنده (708)، من طريق عمرو بن حكام.

وأبو بكر القطيعي في جزء الألف دينار (60) من طريق أبي داود الطيالسي، ثلاثتهم، عن شعبة، عن إبراهيم بن مسلم به.

وفي لفظ عمرو بن حكام (حتى إن كنا لنقارب بين الخطا)، وقد قرن الطبراني رواية عمرو بن حكام برواية حجاج بن منهال، وفيه ذكر مقارنة الخطا، فهل كان هذا هو لفظ عمرو بن حكام؟ خاصة أن محمد بن جعفر من أوثق أصحاب شعبة ولم يذكر هذا اللفظ في رواية شعبة، كما لم يذكره الطيالسي، أم أن هذا أيضًا لفظ حجاج، الله أعلم.

ورواه عبد الرزاق (1979) ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (9/ 116)، رقم: 8596، =

ص: 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

=

والعدني في الإيمان (25)، كلاهما (عبد الرزاق والعدني)، عن الثوري.

وفي رواية عبد الرزاق (حتى إن كنا لنقارب في الخطا).

ورواه الطبراني في المعجم الكبير (9/ 118) رقم: 8601، من طريق زهير بن معاوية (ثقة)، وليس فيه مقاربة الخطا.

ورواه الطبراني في الكبير (9/ 118)، رقم: 8602، من طريق خلاد الصفار (ثقة).

ورواه الطبراني في الكبير (9/ 117) رقم: 8598، من طريق روح بن القاسم، وفيه:(وإن كنا لنقارب بين الخطا).

وإسناده ضعيف، فشيخ الطبراني إسحاق بن داود الصواف فيه جهالة، وعبد الله بن بزيع ضعيف، تكلم فيه ابن عدي والبيهقي والدارقطني.

ورواه الطبراني في الكبير (9/ 117)، رقم: 8599، من طريق يزيد بن عطاء (ضعيف).

ورواه البيهقي في شعب الإيمان (2606) من طريق زائدة بن قدامة (ثقة)، وفيه:(وإن كنا لنقارب بين الخطا).

ورواه ابن عبد البر في التمهيد مطولًا، (18/ 336)، وفي جامع بيان العلم وفضله مختصرًا (2/ 1207) من طريق جعفر بن عون (ثقة)، كلهم (شعبة، والثوري، وزهير، وروح، وزائدة، وابن عون، ويزيد بن عطاء) سبعتهم رووه من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي الأحوص به.

وخالفهم أبو معاوية، فرواه عن إبراهيم بن مهاجر، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، ولفظه:(من سره أن يلقى الله عز وجل غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات حيث ينادى بهن، فإنهن من سنن الهدى، وإن الله عز وجل شرع لنبيكم سنن الهدى، وما منكم إلا وله مسجد في بيته، ولو صليتم في بيوتكم، كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتني وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه، ولقد رأيت الرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من رجل يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يأتي مسجدًا من المساجد، فيخطو خطوة، إلا رفع بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة، أو كتبت له بها حسنة حتى إن كنا لنقارب بين الخطا، وإن فضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده، بخمس وعشرين درجة).

رواه أحمد (1/ 382) حدثنا أبو معاوية به.

ورواه ابن شاهين في فضائل الأعمال من طريق ابن أبي شيبة، أخبر نا أبو معاوية به، مقتصرًا على المرفوع بلفظ: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منكم من رجل يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يأتي مسجدًا من المساجد فيخطو خطوة، إلا كتب الله عز وجل له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة ورفع له بها درجة.

وانفرد أبو معاوية في روايته ابن مهاجر بأمرين: =

ص: 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

=

الأمر الأول: أنه رفع قوله: (ما من رجل يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يأتي مسجدًا من المساجد، فيخطو خطوة، إلا رفع بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة، أو كتبت له بها حسنة) ورواه غيره من قول ابن مسعود، وهو المحفوظ.

الأمر الثاني: أنه ألحق الحديث المرفوع في مضاعفة أجر صلاة الجماعة بالأثر الموقوف، (وإن فضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده، بخمس وعشرين درجة).

وهذا القدر محفوظ من حديث أبي الأحوص مرفوعًا، إلا أنه روي مفصولًا عن الأثر الموقوف، فألحق أبو معاوية الحديث المرفوع بالأثر الموقوف، وأبو معاوية في غير حديث الأعمش مضطرب الحديث. وقد يكون الوهم من شيخه إبراهيم ابن مسلم ففي حفظه شيء.

وقد فصله زائدة بن قدامة، فرواه عن إبراهيم، عن أبى الأحوص، عن عبد الله، عن النبي: إن صلاة الرجل فى جماعة تزيد على الصلاة وحده خمسًا وعشرين درجة.

أخرجه الهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (699).

وحديث ابن مسعود في فضل الجماعة على صلاة الفذ روي مرفوعًا وموقوفًا، والمرفوع محفوظ وسيأتينا إن شاء الله عند الكلام على فضل صلاة الجماعة، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.

وأما موضع الشاهد، وهو قوله:(وإن كنا لنقارب بين الخطا)، فقد اختلف فيه على الهجري في ذكرها.

فذكرها كل من الثوري وزائدة بن قدامة وروح بن القاسم، ولعل من لم يذكرها، وهم البقية تركوها إما اقتصارًا أو اختصارًا، والله أعلم.

الطريق الرابع: أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص.

رواه مسعر عن أبي إسحاق كما في مسند الشاشي (694)، وليس فيه (مقاربة الخطا).

ورواه يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه كما في المعجم الكبير (9/ 120) رقم: 8607، وفيه (حتى إن كنا لنقارب بين الخطا).

الطريق الخامس: أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين.

رواه ابن أبي شيبة في المصنف (8396) حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي الأحوص، قال: قال عبد الله: صلاة الرجل في جماعة أفضل من صلاته في سوقه، أو وحده بضعًا وعشرين درجة، قال: وكان يؤمر أن يقارب بين الخطا.

وفي طبعة دار القبلة ت عوامة (8482) أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين. وليس فيه (حدثنا).

وانفرد أبو بكر بن عياش في قوله: (وكان يؤمر أن يقارب بين الخطا) فظاهره الرفع، وكل من ذكر مقاربة الخطا ذكره بلفظ:(وإن كنا لنقارب بين الخطا).

وأبو بكر بن عياش يخطئ إذا حدث من حفظه، وقد تغير بآخرة، قال مهنا: سألت أحمد: أبو بكر بن عياش أحب إليك أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل، قلت: لم؟ قال: لأن أبا بكر كثير الخطأ جدًّا، قلت: كان في كتبه خطأ؟ قال: لا، كان إذا حدث من حفظه.

هذا ما وقفت عليه من طرق أثر ابن مسعود رضي الله عنه.

ص: 91

وجه الاستدلال:

ظاهر الأثر أن هذا عمل الصحابة، أو عمل كثير منهم، فيؤخذ منه استحباب مقاربة الخطا لتكثير الحسنات.

• دليل من قال: لا تستحب مقاربة الخطا:

(ح-1072) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة،

عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا

(1)

.

وجه الاستدلال:

اشتمل الحديث على الأمر بالمشي، وعلى بيان صفته، وذلك بالنهي عن السرعة، ولزوم السكينة والوقار، فأين مقاربة الخطا من هذا الحديث الذي سيق لبيان صفة المشي إلى الصلاة فلو كان مشروعًا لجاء التأكيد على لزومه.

والأجر على الخطا في الذهاب إلى الصلاة لم يُسَقْ في بيان صفة المشي حتى يفهم منه مشروعية مقاربة الخطا، وإنما ذكر الحديث في معرض ثواب الخطا إلى الصلاة، فمن أراد أن يأخذ صفة المشي إلى الصلاة فليأخذ ذلك من الأحاديث التي سيقت لبيان صفة المشي، وليس من أحاديث ثواب المشي، ولهذا أخطأ الحنفية عندما عارضوا الأحاديث الصريحة في ابتداء وقت العصر من القول بالمثل إلى القول بالمثلين استدلالًا بالحديث الذي ضرب فيه المثل في تفاوت الثواب بين اليهود، والنصارى والمسلمين برجل استأجر أجيرًا، فعمل اليهود إلى الظهر بقيراط، ثم انقطعوا، ثم عمل النصارى إلى العصر بقيراط، ثم انقطعوا، ثم عمل المسلمون إلى المغرب فأخذوا قيراطين، وأتموا العمل، فاحتج اليهود والنصارى فقالوا: عملوا أَقَلُّ، وأخذوا أكثر منا، فالحنفية التقطوا من الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم (عملوا أقل منا) على أن العصر أَقَلُّ وقتًا من الظهر، وتركوا صريح أحاديث التوقيت، والتي تنص على

(1)

. صحيح البخاري (636)،.

ص: 92

ابتداء وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثله، فكذلك هنا، لا تؤخذ صفة المشي إلى الصلاة من أحاديث ثواب المشي، وتترك السنة الواردة في صفة المشي، والله أعلم.

وإذا كان الحديث يأمر بالمشي إلى الصلاة فلا يفهم منه إلا المشي المعتاد، دون أن يتكلف هيئة معينة.

• الراجح:

أَحَبُّ إلى نفسي أن يذهب الإنسان على طريقته بالمشي إلى الصلاة، على ما جاء في حديث أبي هريرة (فامشوا، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا)، هذه صفة المشي مبينة في السنة المرفوعة، ولا أدفع أثر ابن مسعود في مقاربة الخطا إلى الصلاة لمن أحب هذا، إلا أن الأول مرفوع، والمقاربة لم تَأْتِ في نص مرفوع، واستفيدت من ثواب المشي، وليس من صفة المشي، والمشي بذاته ليس عبادة، والمقصود هو الصلاة جماعة في المسجد، والوسائل إذا لم تكن مقصودة لم يَتَحَرَّهَا العبد، وكيف وصل إلى المسجد فقد حصل المقصود، والحنابلة يفضلون المشي في العبادات كلها على الركوب مطلقًا حتى في الحج إلا الوقوف في عرفة، علمًا أن النبي صلى الله عليه وسلم حج راكبًا، وطاف ماشيًا وراكبًا، وكذلك سعى ماشيًا وراكبًا، وكان يذهب إلى قباء ماشيًا وراكبًا، ليصلي فيه، والله أعلم.

* * *

ص: 93