الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السادس في استحباب كثرة الخطا في الذهاب للصلاة
الفرع الأول في اختيار المسجد الأبعد طلبَا لكثرة الخطا
المدخل إلى المسألة:
• المشي إن كان إلى العبادة كان وسيلة، وإن كان فيها فهو مقصود كالمشي في الطواف والسعي، وهذا أفضل من الركوب بالاتفاق، وقيل: المشي واجب.
• إقامة الصلاة جماعة في المسجد غاية مقصودة، والمشي والركوب وسيلة إلى ذلك.
• الوسائل نوعان: وسيلة لغيرها، وهي مقصود بنفسها كالوضوء، ووسيلة ليست مقصودة بذاتها، كإمرار المُحْرِم الأقرع الموسى على رأسه للتحلل، والمشي إلى الصلاة أشبه بالنوع الثاني؛ لأن المشي وحده ليس قربة.
• الأصل في المشي الإباحة، فإن كان إلى عبادة كان مطلوبًا، وإن كان إلى مباح كان مباحًا، وإن كان إلى حرام كان حرامًا، فليس المشي مقصودًا في نفسه.
• مقاصد التشريع تحقيق المصالح ودفع المفاسد، فإن تبع ذلك مشقة فهي ليست مقصودة؛ وإن أثيب عليها؛ لأن المشقة من أسباب الترخص، لا التكليف.
• التفاوت في الأجر مبني على تفاوت المصالح، لا على تفاوت المشاق.
• ليس للمكلف أن يقصد المشقة في التكليف نظرًا إلى عظم الأجر، فلا يتقصد الحج ماشيًا، وكذا سائر العبادات، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل، فإن قصد المشقة فقد خالف قصد الشارع؛ لأن الشارع لم يقصد بالتكليف المشقة.
• لما كان بعد الدار عن المسجد مظنة لترك الجماعة كانت كتابة الخطا ترغيبًا في تحصيلها، ولا يعني هذا أن بُعْدَ الدار مقصودٌ لذاته من أجل تكثير الخطا.
[م-443] اختلف العلماء في قصد المسجد الأبعد
فقيل: لا يقصد في سكناه المكان الأبعد عن المسجد من أجل الخطا، ولا أبعد الطريقين إلى المسجد، ولا طلب المسجد الأبعد إذا كان في الحي مسجد أقرب، فإن وقع ذلك اتفاقًا كتب للمصلي خطواته، وهذا مذهب المالكية، واختيار جماعة من المحققين كالشاطبي والعز بن عبد السلام وابن تيمية وغيرهم
(1)
.
وكره الحسن البصري قصد الأبعد، وسئل أبو عبد الله بن أبي لبابة فيما حكاه ابن بطال عن الذي يدع مسجده، ويصلي في المسجد الجامع للفضل، وكثرة الناس، فقال: لا يدع مسجده، وإنما فضل الجامع في صلاة الجمعة فقط»
(2)
.
وإذا كان هذا في تطلب أمر مقصود، وهو كثرة الجماعة، فكيف يقال: في فيمن تطلب كثرة الخطا، وهو غير مقصود لذاته، ولا يعد قربة في نفسه.
وقال ابن رجب: واعلم أن الدار القريبة من المسجد أفضل من الدار البعيدة، لكن المشي من الدار البعيدة أفضل
(3)
.
وجاء في مرقاة المفاتيح: لا دلالة في الحديث على فضل الدار البعيدة عن المسجد على القريبة منه، كما ذكره ابن حجر، فإنه لا فضيلة للبعد في ذاته، بل في تحمل المشقة المترتبة عليه، ولذا لو كان للدار طريقان إلى المسجد، ويأتي من الأبعد ليس له ثواب على قدر الزيادة، وإنما رغب في الحديث على كثرة الخطا تسلية لمن بعدت داره»
(4)
.
وقيل: المسجد الأبعد أفضل من القريب، وصرح به ابن العماد من الحنفية واختاره ابن سيد الناس، قال بعضهم: إلا أن تتعطل الصلاة أو الجماعة بذهابه إلى البعيد
(5)
.
(1)
. إكمال المعلم (2/ 643)، شرح البخاري لابن بطال (2/ 282)، شرح الزرقاني على الموطأ (1/ 556)، مرقاة المفاتيح (1/ 344)، فتح الباري لابن رجب (6/ 32).
(2)
. إكمال المعلم (2/ 643)، شرح البخاري لابن بطال (2/ 282)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (6/ 437).
(3)
. فتح الباري لابن رجب (6/ 32).
(4)
. مرقاة المفاتيح (1/ 344).
(5)
. مرقاة المفاتيح (2/ 593)، فيض القدير (3/ 109)، التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 482)،
العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (1/ 347)، الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (2/ 306).
• دليل من يستحب قصد المسجد الأبعد تكثيرًا للخُطَا:
الدليل الأول:
كثرة الخطا إلى المساجد سبب لزيادة الأجر، قال ابن رجب: دلت الأحاديث على أن المشي إلى المساجد يكتب لصاحبه أجره، وهذا مما تواترت به السنن
(1)
.
وفيه أحاديث كثيرة، وبعضها في الصحيحين، من ذلك:
(ح-1055) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة،
عن أبي موسى، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم، فأبعدهم ممشى
…
الحديث
(2)
.
(ح-1056) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه،
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم،
…
وفيه: وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة
(3)
.
(ح-1057) ومنها ما رواه مسلم من طريق زكرياء بن إسحاق، حدثنا أبو الزبير، قال:
سمعت جابر بن عبد الله، قال: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا، فنقترب من المسجد، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن لكم بكل خطوة درجة
(4)
.
ومنها ما رواه مسلم من طريق عبد الوارث، قال: حدثني الجريري، عن أبي نضرة،
عن جابر بن عبد الله قال: خَلَتْ البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة
(1)
. فتح الباري لابن رجب (6/ 30).
(2)
. صحيح البخاري (651)، وصحيح مسلم (662).
(3)
. صحيح البخاري (2891)، وصحيح مسلم (1009).
(4)
. صحيح مسلم (664).
أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد! قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك. فقال: يا بني سلمة، دِيَارَكم تكتب آثاركم، دِيَارَكم تكتب آثاركم
(1)
.
فقوله: (دياركم) أي الزموا دياركم، منصوبة على الإغراء.
• وأجيب عن هذه الأحاديث:
قال الشاطبي: لا دليل فيها على قصد نفس المشقة
…
ففي البخاري ما يفسره، فإنه زاد فيه: وكره أن تُعْرَى المدينة قبل ذلك، لئلا تَخْلُوَ ناحيتهم من حراستها»
(2)
.
(ح-1058) فقد روى البخاري من طريق الفزاري، عن حميد الطويل،
عن أنس رضي الله عنه، قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن تعرى المدينة وقال: يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم، فأقاموا
(3)
.
وقوله: (تُعْرَى المدينة) قال ابن رجب: والعراء: الفضاء الخالي من الأرض، ومنه قوله تعالى {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ} [الصافات: 145]
(4)
.
• ورد هذا الجواب:
بأنه لا يمنع أن تكون هذه علة أخرى في الأمر بإبقائهم في ديارهم، ولا تعارض العلة السابقة، والحكم قد يركب من أكثر من علة.
• ويجاب عن هذا الرد:
هذا القول لا يغني شيئًا؛ لأن الكلام على اعتبار البعد عن المسجد مقصودًا لذاته، فإذا كان تابعًا فلا إشكال، فالقرب من المسجد والبعد عنه بحسب المصالح المتعلقة بذلك، لا يقصد من أجل الخُطَا، فبقاء بني سلمة بعيدًا عن المسجد كان أفضل لما يترتب عليه من مصالح، وقد يتحقق لأحد من الناس من القرب من المسجد مصالح أعظم من فوات كثرة الخطا، كيسر المحافظة على التكبيرة
(1)
. صحيح مسلم (665).
(2)
. الموافقات (2/ 225).
(3)
. صحيح البخاري (1887).
(4)
. فتح الباري لابن رجب (6/ 30).
الأولى، ومحافظة الصغار والشباب على صلاة الجماعة، والتزامهم بحلقات التحفيظ، وكل هذه من المقاصد بخلاف الخطا التي هي من الوسائل، وعلى كل حال لا يقصد البعد إذا تيسر القرب من أجل الخُطَا، فمن وقع بيته بعيدًا عن المسجد، فاحتسب خُطَاه كان له بكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة ترغيبًا له في تحصيل الجماعة؛ لأن البعد مظنة الترك، فإذا أحب النبي صلى الله عليه وسلم بقاء بني سلمة في أماكنهم لئلا تعرى المدينة، كانت آثارهم إلى المسجد مكتوبة تبعًا، لا قصدًا.
الدليل الثاني:
(ح-1059) ما رواه مسلم من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي،
عن أُبَيِّ بن كعب، قال: كان رجل لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة، قال: فقيل له: أو قلت له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء، وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد جمع الله لك ذلك كله
(1)
.
وجه الاستدلال:
فهذا الصحابي قد تقصد المشقة، وكان بإمكانه تخفيف ذلك بشراء دابة تحمله، وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم.
• ويجاب:
كون الرجل أبعد رجلًا إلى المسجد لا يعني أن بيته بعيد جدًّا، فالمدينة كلها على وقت النبي صلى الله عليه وسلم كانت حول المسجد، فالقرب والبعد نسبي، ولهذا كان التكليف بوجوب الجماعة على من سمع النداء، وهو حينئذٍ بلا مكبر، ووجوب السعي إليها بسماع الإقامة، وكان كثير من الصحابة يسمع الإقامة وهو في بيته وإذا كان هذا غالب المصلين لم يكن أبعد رجل منهم في حاجة شديدة إلى الركوب، ولهذا السبب كانت النصوص دائمًا تأتي بالمشي إلى الصلاة، وليس بالركوب إليها، لعلاقة المسافة بين المنادِي والمنادَى، وبين المصلي وموضع صلاته.
(1)
. صحيح مسلم (663).
كحديث الصحيحين إذا سمعتم الإقامة فامشوا.
وإذا كان لا يشرع التعرض للرمضاء طلبًا للأجر، ولا قصد الظلمة في المشي إذا تيسرت الإضاءة، فكذلك إذا دعت حاجة إلى الركوب وتيسر فإنه لا يترك طلبًا للأجر، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يذهب إلى قباء ماشيًا وراكبًا؛ لأن الركوب إلى قباء حاجة، فلو كان المشي مقصودًا لفضله النبي صلى الله عليه وسلم على الركوب.
الجواب الثاني:
أن الصحابي رضي الله عنه لم يترك ركوب الحمار طلبًا للأجر، وإنما قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد
…
فلو كان عند الصحابي رضي الله عنه دابة، ثم ترك ركوبها طلبًا للمشقة ليعظم الأجر لأمكن الاستدلال فيه على مسألتنا، فالوسائل التي يتوصل بها إلى العبادة لا يقصد المكلف الأشق منها مع إمكان تحصيل المقصود بلا مشقة، وإلا لقيل: يستحب الوضوء بالماء البارد مع وجود الماء الساخن، لفضل إسباغ الوضوء على المكاره، ولقيل: يستحب ترك وسائل التكييف إذا صام؛ ليزداد مشقة بسبب الحر، فيثاب عليها، فالمشقة ليست مصلحة حتى تكون مقصودة.
الجواب الثالث:
تفضيل المشي على الركوب يجعل المشي في نفسه عبادة مقصودة، والمشي في نفسه لا يشرف إلا لكونه يتوصل به إلى مطلوب، والأصل في المشي الإباحة فإن كان المشي إلى عبادة أثيب عليه؛ لا لكونه عبادة في نفسه، وإنما لشرف العبادة نفسها، وإن كان المشي إلى مباح كان مباحًا، أو إلى مكروه كان مكروهًا، وإن كان إلى محرم حرم تبعًا، ولا يتعبد بالمشي وحده؛ لأنه ليس عبادة، وإنما يتوصل به إلى غيره، فيأخذ حكم ما يتوصل به.
ولهذا ورد الثواب بمطلق الذهاب بصرف النظر عن الوسيلة.
(ح-1060) فقد روى البخاري ومسلم من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار.
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله
له نزله من الجنة كلما غدا أو راح
(1)
.
وكونه يثاب على المشي لا يجعله عبادة مقصودة.
(ح-1061) فقد روى البخاري من طريق عبد الله (بن المبارك)، أخبرنا حميد.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة، فقال: إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة، قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر
(2)
.
فهل السير للجهاد مقصود لذاته، لكون المجاهد يثاب على سعيه إليه.
الجواب الرابع:
أن إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم على فعله هذا جاء بعد أن سأله عن الباعث إلى ذلك، كما في المسند، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما أردت بقولك ما يسرني أن منزلي أو داري إلى جنب المسجد؟ قال: أردت أن يكتب إقبالي إذا أقبلت، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعطاك الله ذلك كله.
فإذا كان المباح إذا قصد به قربة تحول إلى قربة وأثيب على نيته، فما ظنك في وسائل الطاعة إذا نوى بها القربة، ولا يعني هذا تفضيل البعد على القرب، ولا كون المشي يتحول إلى عبادة مقصودة في ذاته، فالثواب أوسع من كون الفعل مطلوبًا أم لا.
(ح-1062) فقد روى البخاري من حديث عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال: أخبروه أن الله يحبه
(3)
.
فأثيب على هذه النية، وإن كانت فعله من قبيل المباح، لا من قبيل المطلوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل هذه الصفة، ولم يرغب في فعلها مع كمال محبته لصفة الرحمن.
الدليل الثالث:
(ح-1063) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، قال: سمعت
(1)
. صحيح البخاري (662)، وصحيح مسلم (669).
(2)
. صحيح البخاري (4423).
(3)
. صحيح البخاري (7375).
أبا صالح، يقول:
سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه، خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه: إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يَخْطُ خطوة، إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صَلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة. هذا لفظ البخاري
(1)
.
وفي رواية للبخاري: لم يَخْطُ خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحَطَّ عنه خطيئة حتى يدخل المسجد
(2)
.
(ث-253) وروى مالك، عن نعيم بن عبد الله المدني المجمر،
أنه سمع أبا هريرة يقول: من توضأ فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى الصلاة، فإنه في صلاة مادام يعمد إلى الصلاة. وإنه يكتب له بإحدى خطوتيه حسنة، ويمحى عنه بالأخرى سيئة، فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا يَسْعَ؛ فإن أعظمكم أجرًا أبعدكم دارًا، قالوا: لم يا أبا هريرة؟ قال: من أجل كثرة الخطا
(3)
.
[صحيح موقوف]
ومثله لا يقال بالرأي؛ لأن الفضائل لا تدرك بالقياس.
• ويجاب بجوابين:
الجواب الأول:
بأن هذا الأجر مقيد بأمرين: أن يخرج من بيته على طهر قد أحسنه، وأكمله، وأن لايخرج إلا إلى الصلاة في المسجد، فلو خرج لحاجة له، وكان المسجد في طريقه فدخل المسجد، فصلى، ولم يكن خروجه لذلك لم يحصل له هذا الأجر الخاص، فلم يكن هذا مرتبًا على مطلق المشي إلى الصلاة
(4)
.
(1)
. صحيح البخاري (647)، وصحيح مسلم (272 - 649).
(2)
. البخاري (477) ..
(3)
. الموطأ (1/ 33).
(4)
. انظر فتح الباري (6/ 32).
الجواب الثاني:
ليس الخلاف في أن كثرة الخطا سبب في زيادة الأجر، ولكن البحث في كثرة الخطا، أهي مقصودة للشارع بحيث يتجاوز المسجد الأقرب إلى الأبعد طلبًا في كثرة الخُطَا، ويسلك أبعد الطريقين إلى المسجد، أم المقصود هو الصلاة جماعةً؟ فإن اتفق وكان المكان بعيدًا أُجِرَ على ذلك، ولكن لا يطلب الأبعد مع وجود الأقرب؛ لأن المشي ليس مقصودًا في نفسه، ولا هو قربة في ذاته.
فالمقطوع به من نصوص الشريعة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى أن المشقة ليست مقصودة في التكاليف.
الدليل الرابع:
قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلَاّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: 120].
• ويجاب:
بأن الغاية من الجهاد إعلاء كلمة الله، والنَّصَبُ والمخمصةُ والظمأُ ليس مقصودًا، فإذا وقع ذلك تبعًا أُجِر عليها المجاهد، فليس في الآية ما يدل على أن المشقة مقصودة بالتكليف، ولكن من الطبيعي أن الجهاد لا يتأتى إلا بالمشقة.
قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلَاّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [البقرة: 126].
فليس الخير المقصود من فرض القتال هو طلب المشقة.
قال تعالى: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7].
فإحقاق الحق وقطع دابر الكفر هو المقصود من الجهاد، وليس طلب الشوكة لذاتها.
الدليل الخامس:
(ح-1064) ما رواه مسلم من طريق ابن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، عن أم المؤمنين، ح وعن القاسم،
عن أم المؤمنين، قالت: قلت: يا رسول الله، يصدر الناس بنسكين وأُصْدِرُ بنسكٍ واحدٍ؟ قال: انتظري، فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم، فأَهِلِّي منه، ثم ألقينا عند كذا وكذا -قال: أظنه قال: غدًا- ولكنها على قدر نصبك أو قال: نفقتك
(1)
.
ورواه البخاري من طريق يزيد بن زريع، قال: حدثنا ابن عون، عن القاسم بن محمد (ح).
وعن ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، قالا: قالت عائشة
…
وذكراه مرسلًا
(2)
.
وجه الاستدلال:
أن الشارع جعل الأجر على قدر النصب، مما يدل على أن المشقة مقصودة.
• ويجاب بجوابين:
أحدهما: أن المراد به على قدر النصب الذي لا تتأتى العبادة إلا به، وليس معنى هذا أن يتقصد المكلف المشقة ليعظم له الأجر، فالمشقة ليست مقصودة.
الجواب الثاني:
أن قوله: (ولكنها على قدر نصبك أو قال: نفقتك).
قوله: على قدر نصبك أو نفقتك يحتمل أن (أو) للشك هل قال هذا، أو قال ذاك، ويحتمل أنها التنويع، كما في قوله تعالى:{إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} [النساء: 135].
فإن كانت للشك هل قال الرسول صلى الله عليه وسلم: على قدر نصبك أو على قدر نفقتك، فليس الحديث نصًّا لاحتمال أن يكون الراجح فيه أنه قال: أو على قدر نفقتك، والنفقة معتبرة في الأجر.
وقد رواه الطبراني في الأوسط، والدارقطني في السنن، والحاكم في المستدرك من طريق مهران بن أبي عمر، عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في عمرتها: إنما أجرك في عمرتك على قدر نفقتك.
إلا أن هذا الإسناد ضعيف، تفرد به مهران بن أبي عمر، وقد تكلم في
(1)
. صحيح مسلم (1211).
(2)
. صحيح البخاري (1787).
روايته، عن الثوري
(1)
.
الدليل السادس:
تفضيل المشي على الركوب، وما ذلك إلا لأن الخطا مقصودة في ذاتها.
من ذلك ما رواه مسلم من حديث أبي بن كعب، وقد تقدم إسناده وتمام لفظه، وقد ترك شراء الدابة، وعلل ذلك بقوله، (إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد جمع الله لك ذلك كله).
فهذا الصحابي كان مُسْتَقِرًّاعنده أن مشيه إلى المسجد أعظم لأجره من ركوبه إليه وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
(ح-1065) ومن ذلك روى أحمد من طريق ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي الأشعث الصنعاني،
عن أوس بن أوس الثقفي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى، ولم يركب، فدنا من الإمام، فاستمع، ولم يَلْغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها
(2)
.
[اختلف على أبي الأشعث بذكر (ومشى ولم يركب)، والأكثر على عدم ذكرها].
(ح-1066) ومنها ما رواه عبد الرزاق في المصنف عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث،
عن علي قال: من السنة أن تأتي المصلى يوم العيد ماشيًا
(3)
.
(1)
. رواه الطبراني في الأوسط (828)، والدارقطني (2731) وعنه الحاكم (1734) من طريق أبي علي الحسين ابن إدريس الحلواني، حدثنا مهران بن أبي عمر به.
ومهران قال فيه أبو حاتم الرازي: ثقة صالح الحديث.
وقال يحيى بن معين: كان شيخًا مسلمًا، كتبت عنه، وكان عنده غلط كثير في حديث سفيان.
وقال العقيلي: روى عن الثوري أحاديث لا يتابع عليها.
وقال البخاري: في حديثه اضطراب.
(2)
. المسند (4/ 9).
(3)
. المصنف (5667).
[ضعيف جدًّا]
(1)
.
(1)
. الحديث رواه عبد الرزاق في المصنف (5667، 5707) عن الثوري، رواه ابن أبي شيبة في المصنف (5606)، والترمذي (530)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 254)، والبيهقي في السنن (3/ 398)، عن شريك.
وابن ماجه (1296) من طريق زهير بن معاوية، ثلاثتهم عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور به.
قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن. اهـ والحسن عند الترمذي الضعيف إذا روي من غير وجه.
والحارث الأعور مجروح، ورواياته المرفوعة عن علي رضي الله عنه عامتها غير محفوظة، ولم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث.
وله شواهد ضعيفة، منها:
الشاهد الأول: حديث سعد القَرَظ.
رواه ابن ماجه (1294).
والبيهقي في السنن الكبرى (3/ 398) من طريق أبي يحيى الحراني، كلاهما (ابن ماجه والحراني) عن هشام بن عمار،
ورواه الحاكم في المستدرك (6554) من طريق عبد الله بن الزبير الحميدي، كلاهما (هشام بن عمار، والحميدي) عن عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد، حدثني أبي عن أبيه، عن جده (وقال البيهقي: حدثني أبي عن آبائه) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيد ماشيًا، ويرجع ماشيًا.
وهذا إسناد ضعيف، عبد الرحمن بن سعد ضعيف، وأبوه مجهول.
الشاهد الثاني: حديث ابن عمر.
أخرجه ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن عبد الله العمري، عن أبيه وعبيد الله (عمه)، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ص يخرج إلى العيد ماشيًا، ويرجع ماشيًا.
وهذا ضعيف جدًّا، عبد الرحمن بن عبد الله العمري متروك، قال أحمد: ليس يسوى حديثه شيئًا، خرقنا حديثه، سمعت منه، ثم تركناه. العلل (1508).
ورواه البيهقي في السنن الكبرى (3/ 398) من طريق حسان بن حسان البصري (قال الدارقطني: ليس بالقوي، وفي التقريب صدوق يخطئ، وقال أبو حاتم: شيخ منكر الحديث) حدثنا عبد الله بن جعفر (فيه جهالة)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به.
قال البيهقي: قوله: «ماشيًا غريب، لم أكتبه من حديث ابن عمر إلا بهذا الإسناد، وليس بالقوي» .
الشاهد الثالث: حديث أبي رافع.
رواه ابن ماجه (1297، 1300)، والبزار في مسنده (3880)، والطبراني في الكبير (1/ 318)، رقم: 943، من طريق مندل، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي العيد ماشيًا، ويرجع في غير الطريق الذي ابتدأ فيه.
في إسناده مندل ضعفه أحمد وأبو زرعة والنسائي وغيرهم، وشيخه محمد بن عبيد الله بن
…
أبي رافع، قال عنه البخاري: منكر الحديث، وقال البرقاني عن الدارقطني: متروك، وله معضلات، وقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث جدًّا ذاهب.
الشاهد الرابع: عن سعيد بن المسيب، قال: سنة الفطر ثلاث: المشي إلى المصلى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال.
رواه سحنون في المدونة (1/ 248) عن ابن وهب.
والفريابي في أحكام العيدين (18، 26) عن قتيبة بن سعيد، كلاهما عن الليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، وسنده صحيح.
قال الترمذي: هذا حديث حسن والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشيًا.
والحسن عند الترمذي هو الضعيف إذا روي من أكثر من وجه.
ولا يمكن الجزم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الركوب في الذهاب إلى العيد مع داعي الحاجة إليه، فالمدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت صغيرة، بقدر مساحة مسجده عليه الصلاة والسلام في وقتنا الحاضر، حتى لو صاح أحد بأعلى المدينة لسمعه من كان في أقصاها، وقد كان البقيع خارج المدينة ومساكنها والذي هو اليوم أصبح ملاصقًا لساحات المسجد من جهته الشرقية.
وعلى التنزل أن هناك حاجة إلى الركوب وأن النبي صلى الله عليه وسلم آثر المشي فلم يتعين أن ذلك من أجل الخطا، فقد يكون لمعنى آخر، لأن ذهاب الناس بدوابهم وسياراتهم إلى مصلياتهم منافٍ للخشوع والتذلل، وله عناء ومؤونة أكثر من الذهاب ماشيًا مع قرب المصلى.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى قباء يوم السبت ليصلي فيه ماشيًا وراكبًا، مما يدل على عدم تفضيل أحدهما على الآخر من أجل الخطا
(1)
.
(ح-1067) وقد روى أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا حبيب المعلم، عن عطاء،
عن جابر، أن رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: صَلِّ هاهنا، فسأله، فقال: «صَلِّ
(1)
. صحيح البخاري (1193)، وصحيح مسلم (1399).
هاهنا»، فسأله، فقال: شأنك
(1)
.
[حسن]
(2)
.
فلو كان الذهاب إلى الصلاة مقصودًا بالعبادة لوجب الوفاء بالنذر، فلما سقط دل على أن المشي والركوب كلاهما في الفضل سواء، وإن كتب أجر المشي فلأنه أشق، والمشقة إذا عرضت للعبادة كتبت، ولا يقصدها المكلف بالفعل طلبًا للمشقة.
يقول ابن تيمية: «مما ينبغي أن يُعْرَف أن الله ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس وحَمْلِها على المشاق حتى يكون العمل كلما كان أشقَّ كان أفضل كما يحسب كثير من الجهال أن الأجر على قدر المشقة في كل شيء، لا، ولكن الأجر على قدر منفعة العمل، ومصلحته وفائدته
…
إلى أن قال: هذا في كل عبادة لا تقصد لذاتها، مثل الجوع، والسهر، والمشي»
(3)
.
(1)
. المسند (3/ 363).
(2)
. الحديث أخرجه أحمد (3/ 363) حدثنا عفان.
وابن أبي شيبة في المصنف (12439) وأبو يعلى (2224)، وابن الجارود في المنتقى (945)، عن يزيد بن هارون،
وعبد بن حميد (1009) حدثنا محمد بن الفضل.
والدارمي (2384) والحاكم في المستدرك (7839) عن حجاج بن منهال.
وأبو داود (3305)، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل.
وأبو يعلى (2116) حدثنا إبراهيم بن الحجاج بن زيد،
وأبو عوانة في مستخرجه (5883)، من طريق سليمان بن حرب.
والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/ 125) من طريق الخصيب بن ناصح،
والحاكم في المستدرك (7839) من طريق مسلم بن إبراهيم، تسعتهم عن حماد بن سلمة به.
وتوبع حماد بن سلمة، فقد رواه البيهقي في السنن (10/ 141) من طريق أبي الأزهر، حدثنا قريش بن أنس. (ح)
وأخرجه أيضًا (10/ 141) من طريق بكار بن الحصيب، كلاهما (قريش بن أنس، وبكار) عن حبيب، به. والإسناد إلى حبيب صحيح، فخرج حماد بن سلمة من عهدته.
وخالفهم إبراهيم بن يزيد (متروك) فرواه عن عطاء، قال: جاء الشريد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك أن أصلي في بيت المقدس
…
وذكر الحديث مرسلًا. وهذا إسناد منكر، والمعروف رواية حماد بن سلمة، ومن تابعه.
(3)
. مجموع الفتاوى (25/ 281، 283).
فاعتبر ابن تيمية أن المشي ليس مقصودًا لذاته حتى يذهب إلى الأبعد مع تيسر الأقرب.
• حجة من قال: لا يقصد الأبعد مع وجود الأقرب لكثرة الخطا:
الدليل الأول:
(ح-1068) روى البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه
…
(1)
.
فما يقع من المشاق في العبادة سواء أكان في الغايات أم في الوسائل لا يقصدها المكلف من حيث كونها مشقة، بل يقصدها لجلب المصالح في الأوامر، ودفع المفاسد في النواهي، فإن وقعت المشقة عرضًا، أو كانت العبادة لا تتأتى إلا بها أثيب عليها، فإذا تحققت المصلحة بلا مشقة كان ذلك أحب للشارع.
يقول العز بن عبد السلام: «لا يصح التقرب بالمشاق؛ لأن القرب كلها تعظيم للرب سبحانه وتعالى، وليس عين المشاق تعظيمًا، ولا توقيرًا»
(2)
.
واستدل الشاطبي بأن الشارع لا يقصد المشقة بالتكليف بأدلة منها:
أحدها: النصوص الدالة على إرادة التخفيف والتيسير،
قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ} [النساء: 28].
وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
وقال تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].
ولو كان الشارع يقصد المشقة بالتكليف ما كان اليسر والتخفيف من مقاصد الشريعة.
الثاني: ما ثبت أيضًا من مشروعية الرخص، وهو أمر مقطوع به، ومما علم من دين الأمة ضرورة، كرخص القصر، والفطر والجمع، كل ذلك دليل على أن المشقة من أسباب التخفيف، وليست من أسباب التكليف
(3)
.
(1)
. صحيح البخاري (3560)، وصحيح مسلم (77 - 2327).
(2)
. قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 36).
(3)
. انظر الموافقات (2/ 211، 212).
فإذا تبين أن المشقة ليست مطلوبة لذاتها، فإنه لا يصح قصدها بالتقرب بها إلى الله فالمقصود من المشي إلى الصلاة تحصيل الجماعة في المسجد، والمشي وسيلة إلى ذلك، فإن كان يحصل على مقصوده من طريق أقرب لم يقصد الطريق الأبعد، وإن كان المشي يشق عليه، ويمكنه الركوب لم يترك الركوب طلبًا لكثرة الخطا، فقصد المسجد الأبعد مع تيسر الأقرب من أجل كثرة الخطا تكلف لا يأمر به الشرع.
(1)
.
فإذا كان لا يقصد الماء البارد طلبًا للأجر، لم يقصد المسجد الأبعد تكثيرًا للخُطَا طلبًا للأجر.
الدليل الثاني:
(ح-1069) روى البخاري في صحيحه من طريق وهيب (بن خالد)، حدثنا أيوب، عن عكرمة،
عن ابن عباس، قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه
(2)
.
(1)
. شرح رياض الصالحين (5/ 262).
(2)
. صحيح البخاري (6704).
فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالوفاء بالصوم؛ لأنه عبادة مقصودة، ونهاه عن قصد المشقة مما ليس مقصودًا بذاته، ولا وسيلة يتوصل بها إلى المقصود، فأمره بالكلام، وبترك القيام في الشمس.
• الراجح:
أنه لا يشرع تَقَصُّدُ الأبعد من أجل الخطا، ذلك أن المشي بنفسه ليس عبادة، فلم نتعبد بالمشي مجردًا، لكن لما كان يتوصل به إلى عبادة كان مطلوبًا لا لذاته، والغاية هو الصلاة جماعة، فإن قصد الأبعد لأمر مقصود، كإحسان الصلاة بزيادة الطمأنينة وتجويد القراءة، وكثرة الجماعة، أو وجود حلق التعليم، والوعظ أجر على خطاه بذهابه إلى المسجد.
* * *