الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثامن في حكم تحية المسجد
المدخل إلى المسألة:
• قال النووي: أجمع المسلمون على جواز الجلوس في المسجد للمحدث»
(1)
،
ولو كانت التحية واجبة لوجب الوضوء؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
• قاعدة الأصل في الأمر الوجوب قاعدة أغلبية، وليست كلية.
• لا يعلم أحد قال بوجوب تحية المسجد، لا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعي التابعين قبل داود الظاهري، وكل حكم فقهي عَارٍ من اجتهاد القرون المفضلة فهو مدخول إلا أن تكون المسألة نازلة.
• عمل السلف له أثر قوي في فهم دلالة النص، وتخصيصه، أو حمله على أحد معانيه المشتركة.
• الأمر بوجوب الإنصات للخطبة عام، خص منه الداخل حتى يصلي تحية المسجد، وإذا خص من الوجوب لم يَبْقَ الاستماع واجبًا في حق الداخل.
[م-454] اختلف العلماء في حكم تحية المسجد
فقيل: ليست واجبة وهو قول الأئمة الأربعة، واختاره ابن حزم من الظاهرية
(2)
.
(1)
. شرح النووي على صحيح مسلم (3/ 192).
وقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (2/ 96): «وقد اختلف السلف في جلوس المُحدث في المسجد فروي عن أبى الدرداء أنه خرج من المسجد فبال، ثم دخل وتحدث مع أصحابه ولم يمس ماءً، وعن على بن أبى طالب مثله، وروى ذلك عن عطاء، والنخعي، وسعيد بن جبير. وكره أن يتعمد الجلوس في المسجد على غير وضوء سعيدُ بن المسيب، والحسن البصري وقالا: يمر مارًّا ولا يجلس فيه» . وانظر: التوضيح لابن الملقن (5/ 528)،
(2)
. تبيين الحقائق (1/ 173)، مراقي الفلاح (ص: 148)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح
(ص: 394)، الدر المختار (ص: 92)، حاشية ابن عابدين (2/ 18)، البحر الرائق (2/ 38) حاشية الدسوقي (1/ 313)، الخرشي (2/ 5)، منح الجليل (1/ 340)، شرح الزرقاني على خليل (1/ 493)، الذخيرة للقرافي (10/ 219)، المنتقى للباجي (1/ 285)، إكمال المعلم (3/ 49)، التمهيد (20/ 100)، التلقين (1/ 365)، شرح النووي على صحيح مسلم (5/ 226)، المجموع (4/ 52)، مغني المحتاج (1/ 456)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (5/ 524)، الإقناع (1/ 111)، المغني (2/ 99)، الكافي لابن قدامة (1/ 270)، الفروع (3/ 181)، كشاف القناع (1/ 327)، مطالب أولي النهى (1/ 414).
وقيل: تجب تحية المسجد، وهو قول داود الظاهري
(1)
.
• دليل من قال بالوجوب:
الدليل الأول:
(ح-1090) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله ابن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي،
عن أبي قتادة السلمي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس
(2)
.
ورواه البخاري من طريق عبد الله بن سعيد، عن عامر بن عبد الله بن الزبير به، بلفظ النهي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين
(3)
.
وجه الاستدلال:
دلالة الصيغة، حيث جاء الأمر بتحية المسجد، والأمر المطلق للوجوب في أصح أقوال أهل العلم، وجاء النهي عن الجلوس قبل ذلك، والأصل في النهي التحريم.
قال ابن دقيق العيد: «ولا شك أن ظاهر الأمر الوجوب، وظاهر النهي التحريم ومن أزالهما عن الظاهر فهو محتاج إلى الدليل»
(4)
.
(1)
. وقال ابن عبد البر في التمهيد (20/ 100): «وليس ذلك بواجب عند أحد على ما قال مالك رحمه الله إلا أهل الظاهر، فإنهم يوجبونها، والفقهاء بأجمعهم لا يوجبونها» . وانظر المعلم شرح مسلم (3/ 49).
(2)
. صحيح البخاري (444)، وصحيح مسلم (69 - 714).
(3)
. صحيح البخاري (2/ 57).
(4)
. إحكام الأحكام (1/ 288).
• أجاب الجمهور بأجوبة منها:
الجواب الأول:
اختلف أهل الأصول في دلالة الأمر المجرد عن القرائن، أتفيد الوجوب، أم الندب، أم تفيد القدر المشترك بينهما، وهو مطلق الطلب؟ والأكثر على أنه للوجوب، لحديث:(لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)
(1)
، على أن هذا الحديث وجدت فيه قرينة أنه قصد بالأمر الوجوب، وهو ترك الإلزام خوفًا من المشقة؛ إذ الندب لا مشقة فيه، وعلى التسليم بأن الصيغة للوجوب فإنه يتساهل في الصوارف فيصرف الأمر من الوجوب إلى الندب لأدنى صارف لأنك تجد أوامر في الشريعة قد صرفت عن الوجوب للندب ولا يعرف لها صارف إلا ما ينقدح في نظر المجتهد وفهمه، فحديث:(يا غلام سَمِّ الله وكل بيمينك)
(2)
، فالتسمية للأكل عند جمهور الفقهاء ليست للوجوب، والصارف ليست قرينة لفظية منعت القول بالوجوب، كما لو نقل ترك التسمية أحيانًا، أو أقر النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا على ترك التسمية، وإنما ظهر للمجتهد بأن هذا الأمر يتعلق بالآداب.
ومثله حديث: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه)
(3)
، فإن الأمر بالغمس ليس للوجوب، بل ولا للندب، وإنما هو للإرشاد، والصارف ليس قرينة لفظية، وإنما كون الأمر يتعلق بالصحة، وقل مثل ذلك لأحاديث كثيرة صرفت من الوجوب للندب لقرينة معنوية ظهرت لفهم المجتهد، وهذا ما جعل الشاطبي رحمه الله يقول: إن دلالة الأمر والنهي وُكِلَت إلى أنظار المكلفين ليجتهدوا فيها
(4)
.
كما أن هذه الأحاديث هي ما جعلت شيخنا ابن عثيمين رحمه الله وهو الذي يقرر في دروسه طيلة حياته التعليمية الممتدة لأكثر من أربعين سنة بأن الأمر للوجوب، ليرجع في آخر حياته، ويقول في شرحه لقواعد الأصول ومعاقد الفصول بأن الأمر
(1)
. صحيح البخاري (887)، وصحيح مسلم (252).
(2)
. صحيح البخاري (5376)، وصحيح مسلم (2022).
(3)
. صحيح البخاري (3320).
(4)
. الموافقات (3/ 401).
إذا لم يكن هناك قرينة تدل على الوجوب فهو للندب؛ لأن الأصل عدم التأثيم بتركه.
وإن كنت أميل إلى قول الجمهور، وأن الأصل في الأمر للوجوب إلا أن هذه القاعدة أغلبية، وليست كلية، فلا يعترض عليها بوجود بعض الأوامر خرجت عن هذه القاعدة، لأن هذا سبيل القواعد، وخروج بعض القواعد عن هذه القاعدة لا يسقطها، وعلى المجتهد ألا يتشدد في الصوارف، فكل قرينة لفظية أو معنوية صالحة لصرف الأمر عن الوجوب قد تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب إذا كان على ذلك فهم أكثر الأمة، خاصة المتقدمون منهم، ومن أقوى الصوارف تلمس عمل السلف وفهمهم لهذه الصيغة، فالاستدلال بمجرد صيغة الأمر والنهي لا يمكن الاستناد إليها مجردة من فهم السلف، وعملهم، إلا لو كانت صيغة الأمر لا تأتي إلا للوجوب، أما إذا كانت صيغة الأمر تأتي للوجوب وللندب، ولو كان الوجوب أرجح من الندب، فإن فهم السلف وأقوالهم إذا لم يجعلوها للوجوب فهي قرينة صارفة عن الوجوب إلى غيره، فالقول بالوجوب لا يعلم أحد قال به من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعي التابعين، بل لا يعلم القول به قبل داود الظاهري، فكان محجوجًا بالإجماع قبله، ولو جاز خرق الإجماع بالخلاف الحادث بعده لم يستقم للأمة إجماع، ولم يكن حجة.
فإن قيل: داود الظاهري معاصر للإمام أحمد، ومن تلاميذ إسحاق بن راهويه، وإذا قبلنا ما يتفرد به الإمام أحمد، فليقبل ما يتفرد به الإمام داود الظاهري، خاصة أن ظاهر الحديث، والقواعد لا تدفع قول الإمام داود.
فالجواب: المقارنة بين الإمام أحمد وداود ليست منصفة، فإن الإمام أحمد لا يقول بقول إلا له إمام، ومفرداته هي مفردات اصطلاحية من جهة مقارنتها بالأئمة الأربعة، ودائرة الفقه أوسع من الأئمة الأربعة، لهذا غالب مفردات الإمام أحمد تجدها متفقة مع أقوال كثير من أهل الحديث، بل قد تجد مفردات الإمام أحمد متفقة مع روايات غير مشهورة عن بعض الأئمة الأربعة، لأن الاصطلاح في التفرد: هو ما خالف فيه إمام من الأئمة الأربعة المعتمد في مذاهب بقية الأئمة الأربعة، حتى ولو اتفق مع روايات أخرى لهم غير مشهورة، ومشهور المذهب
هو فرز اصطلاحي لما نصره أصحاب ذلك المذهب، وقد يكون هو الراجح وقد لا يكون، كما أن للإمام أحمد عناية بآثار الصحابة والتابعين ما ليس للإمام داود، فكان الإمام داود عليه رحمة الله يتعامل مع النص في معزل عن فهم السابقين، وهذه سمة بارزة في منهج الظاهرية، والعمل له أثر قوي في فهم دلالة النص وتخصيصه، أو حمله على أحد معانيه المشتركة، وقد يكون للكلمة دلالة شرعية قدمها الفقهاء على دلالتها اللغوية، والنزعة الظاهرية هي ما جعلت بعض مشايخنا يتعامل مع حديث (أعفوا اللحى) في معزل عن فهم السابقين فوقع كثير منهم فيما يقع فيه بعض أهل الظاهر، ففهموا من النص تحريم الأخذ من اللحية مطلقًا، ولم يقل به أحد من السلف، وقد فهم الصحابة من حديث الإعفاء المنع من الحلق، وليس تحريم الأخذ، فآثرت فهم الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين على فهم علمائنا من أهل بلدتنا، وإن أساء فهمي بعض أصحابنا وتكلموا في حقي، وخرجوا من الخلاف الفقهي إلى الإفراط في الجرح، وقد عذرتهم لعلمي أن الباعث عند كثير منهم غيرتهم وإن أخطئوا الاجتهاد حسب فهمي، وبعد أن هدأت العاصفة، وأفاق بعضهم من الصدمة رجع كثير من أهل الفتوى من الأقران إلى القول بجواز الأخذ من اللحية، فالحمد لله على توفيقه، والله أعلم.
وقد يقال: بأن الإجماع لو انعقد لم يخرق بأي خلاف، لا من داود، ولا من غيره، ولكن أين حكاية الإجماع قبل داود، فالإجماع القطعي لا يمكن الجزم به، والظاهر لي أن الإجماع في هذه المسألة هو من قبيل الإجماع السكوتي، وهو حجة على الصحيح، إلا أنه ليس قطعيًّا، ولا يعتبر من يخالفه مخالفًا للإجماع؛ لأن دلالته على الإجماع ظنية، وهو حسبي في الاحتجاج على سنية تحية المسجد، والله أعلم.
الجواب الثاني:
الصارف عن الوجوب عند ابن حزم، قول النبي صلى الله عليه وسلم لضمام بن ثعلبة حين سأله عما يجب عليه من الصلاة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الصلوات الخمس، فقال: هل علي يرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع.
فنفى وجوب ما زاد على الخمس، وأثبته تطوعًا، وتحية المسجد زائدة على
الخمس، وقد استدل به الجمهور في الرد على قول أبي حنيفة بوجوب الوتر.
(1)
.
وسوف أسوق حديث طلحة بإسناده ولفظه في أدلة القول الثاني، ومناقشة سلامة الاستدلال به إن شاء الله تعالى.
الدليل الثاني على الوجوب:
(ح-1091) ما رواه البخاري ومسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار،
عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين
(2)
.
(ح-1092) وروى البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب،
أن أبا هريرة، أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت
(3)
.
فإذا منع المصلي لحرمة الخطبة عن الاشتغال عنها، ولو بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ثم أمر بتحية المسجد والإمام يخطب حتى قطع النبي صلى الله عليه وسلم خطبته لأجل سؤاله وأمره بالصلاة، فلا يترك واجب الاستماع والإنصات إلا لما هو أوجب منه.
• ويناقش هذا الاستدلال:
بأننا لا نسلم أن الإنصات كان واجبًا على الداخل لصلاة الجمعة قبل صلاته تحية المسجد، فالأمر بوجوب الإنصات للخطبة عام، خص منه الداخل حتى يصلي تحية المسجد، وإذا خص من الوجوب لم يَبْقَ واجبًا.
بيان ذلك أَنْ نسأل: متى يجب على المصلي سماع الخطبة، أيجب بمجرد
(1)
. المحلى (3/ 277).
(2)
. صحيح البخاري (930)، وصحيح مسلم (54 - 875).
(3)
. صحيح البخاري (934)، وصحيح مسلم (11 - 851).
الاستماع، ولو كان خارج المسجد، أم يجب الاستماع بمجرد دخوله المسجد قبل أن يجلس، أم لا يجب الاستماع حتى يصلي تحية المسجد؟
فحديث جابر في قصة سليك الغطفاني يبين أنه لا يجب الاستماع حتى يصلي تحية المسجد، وبالتالي لا يصح أن يقال: الواجب لا يترك إلا لواجب؛ لأن ذلك مقيد بما إذا شُرِعا في محل واحد، ونظير هذا الرجل يدرك الإمام قائمًا في الصلاة، ويغلب على ظنه أن القيام الباقي قد لا يسع إلا مقدار الفاتحة، ومع ذلك له أن يستفتح قبل الفاتحة، والاشتغال بالاستفتاح اشتغال بسنة عن ركن أو واجب، ولا تثريب عليه إذا فاتت في أحد قولي أهل العلم؛ لأن هذا هو الترتيب المأمور به في الصلاة، مع أنه لو ترك الاستفتاح متعمدًا لم تبطل صلاته في أصح قولي أهل العلم، والله أعلم.
• دليل الجمهور على سنية تحية المسجد:
الدليل الأول:
نقل بعض أهل العلم الإجماع على أن تحية المسجد ليست واجبة، فقد حكى الإجماع على سنيتها الحلبي من الحنفية
(1)
.
وقال ابن تيمية: «أجمع فقهاء المذاهب الأربعة والظاهرية وغيرهم على أن صلاة تحية المسجد ليست بفرض، ولا واجب، وأنها من النوافل، ولا يسن لها الجماعة»
(2)
.
يقصد ابن تيمية بالظاهرية ابن حزم، وأما إمام المذهب داود، فقد قال بوجوبها.
وقال النووي: «هي سنة بإجماع المسلمين»
(3)
.
وقال ابن حجر: «اتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب»
(4)
.
(1)
. البحر الرائق (2/ 38).
(2)
. نقل ذلك صاحب كتاب الأقوال المرضية في صلاة التحية (ص: 16)، وأحال على مجموع الفتاوى (23/ 413)، وقد أعياني الوقوف على هذا الكلام لابن تيمية في كتبه، واستعنت ببعض الأصدقاء، وبالحاسب، وفي كتاب موسوعة الإجماع لشيخ الإسلام ابن تيمية ولم أقف على هذا النص، فلعل في المسألة خطأ ما في أثناء تبييض مسودة الكتاب، فالله أعلم.
(3)
. شرح النووي على صحيح مسلم (5/ 226).
(4)
. فتح الباري (1/ 537).
• ويناقش:
قد بينت في المناقشة السابقة بأن داود الظاهري قد قال بالوجوب، ولم أقف على أحد حكى الإجماع في المسألة قبل خلاف داود، فيحمل الإجماع المنقول على أن المراد به الإجماع السكوتي، وذلك بأن يقول عالم أو أكثر قولًا ثم ينتشر، ويمر عليه وقت طويل لا يعلم له مخالف، فإذا انقرض عصر أولئك كان حجة في حق من بعدهم، ودلالته ظنية، لأن الساكت لا ينسب له قول، وسكوته يحتمل أنه كان راضيًا موافقًا، ويحتمل أنه نظر، ولم يظهر له شيء، ويحتمل أنه يريد وقتًا لاستفراغ الوسع، ولم يَتَسَنَّ له، ويحتمل أنه سكت غير موافق لكونه يرى المسألة من مسائل الاجتهاد، فلم ينشط لإعلان المخالفة، لهذا لم يعتبر السكوت دليلًا على الإجماع القطعي.
فإذا تتبعنا من كان يأذن في الجلوس في المسجد بلا صلاة قبل الإمام داود قولًا أو فعلًا وجدنا هذا منقولًا في طبقة الصحابة، فقد نقل عن ابن عمر وغيره أنه كان يجلس دون أن يصلي.
(ث-256) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، عن عبد الله ابن سعيد بن أبي هند، عن نافع،
أن ابن عمر كان يمر في المسجد، ولا يصلي فيه
(1)
.
[صحيح].
فإن قيل: هذا في المار، فالجواب:
(ح-1093) أن ابن أبي شيبة قد روى في المصنف، قال: حدثنا عبد العزيز ابن محمد الدراوردي،
عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يدخلون المسجد، ثم يخرجون ولا يصلون، ورأيت ابن عمر يفعله
(2)
.
(1)
. المصنف ت الدكتور عوامة (3448).
(2)
. المصنف ت الدكتور عوامة (3447).
[إسناد حسن، والحديث صحيح]
(1)
.
فهذا ظاهره أن الخروج لم يكن عقب الدخول، وإلا لعطف بالفاء.
(ث-257) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، عن وكيع، عن هشام بن سعد،
عن زيد بن أسلم قال: كان الرجل منهم يجنب، ثم يتوضأ، ثم يدخل
(1)
. اختلف فيه على الدراوردي:
فرواه سعيد بن منصور في التفسير من سننه (646)، عن الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد، وهم مجنبون، إذا توضئوا وضوء الصلاة.
ورواه ابن أبي شيبة كما في المصنف ت الدكتور عوامة (3447)، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يدخلون المسجد، ثم يخرجون، ولا يصلون، قال: ورأيت ابن عمر يفعله.
وهنا الدراوردي رواه مباشرة عن زيد بن أسلم، دون ذكر هشام بن سعد، ولم يذكر عطاء بن يسار في إسناده.
والدراوردي معروف بالرواية عن زيد بن أسلم، وقد أخرج مسلم في صحيحه من روايته عن زيد بن أسلم، وأما رواية الدراوردي عن هشام بن سعد فلم أجدها إلا في سنن سعيد بن منصور، حيث ذكر له هذا الأثر، وأثرًا آخر عن سعيد بن المسيب، فهل هذا الاختلاف في الأثر بسبب الدراوردي؟ فقد تفرد بذكر عطاء بن يسار، وأما ذكر هشام بن سعد فهو محفوظ من رواية غير الدراوردي، فالأقرب أن الأثر من رواية هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، ليس فيه عطاء،
فقد رواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة تحقيق عوامة (1567) عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: كان الرجل منهم يجنب، ثم يتوضأ، ثم يدخل المسجد فيجلس فيه. اهـ
فهنا سقط من الإسناد عطاء بن يسار.
ووكيع أثبت من الدراوردي ولا مقارنة، وقد ذكره عن زيد ولم يذكر فيه عطاء بن يسار، وقد توبع وكيع، ولم يتابع الدراوردي على ذكر عطاء بن يسار.
قال ابن كثير في تفسيره (2/ 313) روى حنبل بن إسحاق صاحب أحمد، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون في المسجد وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنبًا فيتوضأ، ثم يدخل المسجد فيتحدث.
وهنا تابع أبو نعيم وكيعًا في عدم ذكر عطاء.
قال ابن كثير: إسناده على شرط مسلم. يقصد أن مسلمًا أخرج في صحيحه روااة هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، وقد قال الحاكم في هشام بن سعد: روى له مسلم في الشواهد.
وقد قال أبو داود: هو أثبت الناس في زيد بن أسلم، فيكون الإسناد صحيحًا، والمحفوظ فيه هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، ليس فيه عطاء بن يسار.
المسجد فيجلس فيه
(1)
.
[صحيح]
(2)
.
والوضوء لتخفيف الحدث، وليس شرطًا للجلوس على الصحيح، ولو كانت تحية المسجد واجبة لوجب لذلك رفع الحدث؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا يخرجون من ذلك بالقول بأن تحية المسجد لا تجب إلا على المتطهر فقط دون المحدث، فإنه لا يعلم أن تكون الصلاة واجبة ثم تسقط لتعمد ترك الطهارة مع القدرة عليها، فإنها لو وجبت الصلاة لوجبت لها الطهارة كسائر الصلوات الواجبة، فقولكم هذا دليل على ضعف مأخذ الوجوب.
جاء في شرح البخاري لابن رجب: «قال أحمد: قد يدخل الرجل على غير وضوء، ويدخل في الأوقات التي لا يُصَلَّى فيها، قال ابن رجب: يشير إلى أنه لو وجبت الصلاة عند دخول المسجد لوجب على الداخل إليه أن يتوضأ، وهذا مما لم يوجبه أحد من المسلمين»
(3)
. والله أعلم.
وأما بعد الصحابة، فقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد، قال: روى حماد بن زيد، عن الجريري، عن جابر بن زيد قال إذا دخلت مسجدًا فَصَلِّ فيه، فإن لم تُصَلِّ فيه فاذكر الله، فكأنك صليت فيه
(4)
.
ونقل ابن عبد البر في التمهيد عن ابن أبي ذئب أنه دخل المسجد، فجلس، ولم يُصَلِّ
(5)
.
(6)
.
(1)
. المصنف ت عوامة (1567).
(2)
. سبق تخريجه في الأثر الذي قبله.
(3)
. فتح الباري لابن رجب (3/ 271، 272).
(4)
. التمهيد (20/ 106).
(5)
. التمهيد (20/ 106)، فتح الباري لابن رجب (3/ 271).
(6)
. التمهيد (20/ 105، 106)، الاستذكار (2/ 305)، فتح الباري لابن رجب (3/ 271).
والعمري المكبر، وإن كان في حفظه شيء، إلا أنه ينقل كلامًا عن أخيه بما شاهده، فأظن تطرق الوهم لمثله بعيد، وليس من عادة الناس رد ما ينقله الأخ عن أخيه بحجة ضعف حفظه، والله أعلم.
وصرح الإمام مالك في الموطأ بأن تحية المسجد فعل حسن، وهذا التقدير يشعر بأنها أقل رتبة من السنن، قال مالك بعد أن روى حديث الأمر بالصلاة قبل الجلوس، قال: وذلك حسن، وليس بواجب
(1)
.
وقال المروذي: «رأيت أبا عبد الله -يعني الإمام أحمد- كثيرًا يدخل المسجد، يقعد، ولا يصلي، ثم يخرج، ولا يصلي في أوقات الصلوات»
(2)
.
وقال حرب: «وسئل إسحاق عن الرجل يدخل المسجد، فيجلس، ولا يصلي ركعتين قال: لا بأس»
(3)
.
ولا يعلم لابن عمر رضي الله عنهما، ومن ذكر معه كجابر بن زيد، والقاسم بن محمد، ومالك، وابن أبي ذئب، وأحمد، وإسحاق، لا يعلم لهؤلاء مخالف، وهو مذهب الحنفية والمالكية، والشافعية، والحنابلة، فكان إجماعًا سكوتيًّا، ثم جاء بعد ذلك الإمام داود الظاهري فاجتهد رأيه في المسألة، فقال قولًا مخالفًا لمن سبقه معتمدًا على دلالة الصيغة، فخالف داود الإجماع السكوتي، فأما أن يكون هناك من نقل الإجماع القطعي قبل مخالفة داود فيصعب الجزم به، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-1094) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية يعني ابن صالح، عن أبي الزاهرية، قال:
كنت جالسًا مع عبد الله بن بسر يوم الجمعة، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: اجلس، فقد آذيت، وآنيت
(4)
.
(1)
. الموطأ (1/ 162)، وانظر: التمهيد لابن عبد البر (20/ 100)، المسالك في شرح موطأ مالك (3/ 135).
(2)
. فتح الباري لابن رجب (3/ 273).
(3)
. مسائل حرب نَقلًا من الجامع لعلوم الإمام أحمد (21/ 204)، فتح الباري لابن رجب (3/ 271).
(4)
. المسند (4/ 190).
[إسناده جيد إن كان حفظه معاوية بن صالح، فقد تفرد به عن أبي الزاهرية]
(1)
.
وجه الاستدلال:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره بالجلوس، ولم يسأله هل صلى تحية المسجد، ولم يأمره بها، فدل على أنها ليست واجبة.
• ونوقش هذا الدليل من وجهين:
الوجه الأول:
لدينا حديث جابر في قصة سليك الغطفاني، حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة بعد
(1)
. الحديث مداره على معاوية بن صالح (الحضرمي الحمصي)، عن أبي الزاهرية (حدير بن كريب الحضرمي الحمصي)، عن بسر بن عبد الله.
وقد رواه عن معاوية بن صالح جماعة، منهم:
عبد الرحمن بن مهدي، كما في مسند أحمد (4/ 190)، وصحيح ابن خزيمة (1811)، وصحيح ابن حبان (2790)، ومستدرك الحاكم (1061)، والمعرفة للبيهقي (4/ 402).
وعبد الله بن وهب، كما في المجتبى من سنن النسائي (1399)، والمنتقى لابن الجارود (294)، وشرح معاني الآثار (1/ 366)، والسنن الكبرى للبيهقي (3/ 326)،
وأسد بن موسى كما في مسند الشاميين للطبراني (1953)، والأوسط لابن المنذر (4/ 84)،
وزيد بن الحباب، كما في مسند أحمد (4/ 188)، ومسند البزار (3506)،
وبشر بن السري، كما في سنن أبي داود (118)، كلهم رووه عن معاوية بن صالح به.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وقال النووي في الخلاصة: رواه أبو داود والنسائي بإسنادين صحيحين، وإسناد أبي داود على شرط مسلم.
وليس له علة إلا تفرد معاوية بن صالح، وقد قال عنه ابن عدي: .... ما أرى بحديثه بأسًا، وهو عندي صدوق؛ إلا أنه يقع في أحاديثه إفرادات. اهـ
وقد تكلم فيه بعضهم، وله غرائب وأوهام خاصة فيما يتفرد به عن غير أهل الشام، وهذا حديثه من أهل بلده، وروى له مسلم، وأكثرها في المتابعات.
ورواه الحسن البصري، واختلف على الحسن فيه:
فأخرجه ابن ماجه (1115) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جابر به، بمثله.
وأخرجه أبو عبيد في الغريب (1/ 74، 75)، ومن طريقه البيهقي في المعرفة (4/ 403) عن هشيم، حدثنا منصور ويونس، عن الحسن مرسلًا، ليس فيه جابر، وهو أصح، ومراسيل الحسن، قال فيها الأئمة: شبه الريح؛ لأنه كان يأخذ عن كل أحد.
أن جلس، ودلالته نصية.
ولدينا حديث عبد الله بن بسر، ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم أمره بالجلوس دون أن يصلي تحية المسجد لقوله:(اجلس فقد آذيت)، وإنما جعلت دلالته من قبيل الظاهر؛ لأن ظاهره يحتمل: أنه أمره بالجلوس، ولم يأمره بتحية المسجد؛، ويحتمل أنه أراد من قوله:(اجلس): أي لا تتخَطَّ، أو أن المراد: اجلس بشرط الجلوس المفهوم من قوله: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، ولم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم من أمره بالجلوس ترك التحية، وإذا تعارضت دلالتان: إحداهما نصية، والأخرى ظاهرة، قدم النص على الظاهر إذا لم يمكن الجمع؛ لأن النص لا يحتمل إلا معنى واحدًا، بخلاف الظاهر، فإنه يفيد معنى مع احتمال غيره، فإذا كان أحد المعنيين للظاهر يتفق مع دلالة نص حديث جابر، وجب صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر إلى المعنى الآخر المتفق مع دلالة النص؛ لأننا بذلك نكون أعملنا كلا الدليلين، بخلاف الترجيح فإنه إعمال لأحدهما، وإهمال للآخر، وهو ما يسميه أهل الأصول بالتأويل الصحيح بخلاف التأويل الفاسد الذي يظنه المؤول دليلًا، وليس بدليل في نفس الأمر.
الوجه الثاني:
حديث أبي قتادة: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)
يفيد وجوب تحية المسجد مطلقًا على كل داخل للمسجد، من غير فرق بين الجمعة وغيرها.
وحديث عبد الله بن بسر: (اجلس فقد آذيت) يفيد ظاهره سقوط تحية المسجد عن الرجل إذا دخل والإمام يخطب، فيبقى وجوب حديث أبي قتادة على عمومه لا يخص منه إلا الداخل يوم الجمعة، والإمام يخطب.
فإذا تعاملنا مع النصوص من حيث العموم والخصوص، وقلنا: الخاص مقدم على العام، فهو يقتضي تخصيصه، لا إبطال العام بالخاص، فلم يصح نقض دلالة الوجوب بهذا الخاص.
فيبقى علينا الجواب عن معارضة الخاص من حديث عبد الله بن بسر بالخاص من حديث جابر في قصة سليك الغطفاني، ولا شك أن حديث جابر مقدم على حديث
عبد الله بن بسر لثلاثة أمور:
الأمر الأول:
أن حديث جابر الخاص يتفق مع دلالة العام من حديث أبي قتادة، بخلاف حديث عبد الله بن بسر، والخاص المتفق مع دلالة العام مقدم على الخاص المخالف للعام.
الأمر الثاني:
أن حديث جابر جاء في الصحيحين من طريق عمرو بن دينار، عن جابر، وهذا إسناد كالشمس.
وجاء عند مسلم من طريق أبي الزبير وأبي سفيان عن جابر، فلا يقوى حديث عبد الله بن بسر على معارضته، وهو حديث غريب تفرد به معاوية بن صالح، وهو خفيف الضبط، وجاء من خارج الصحيحين.
وبهذه المناقشة الأصولية ظهر لنا أنه لا يصح الاستدلال بحديث عبد الله بن بسر على معارضة دلالة الوجوب في حديث أبي قتادة؛ لكونه خَاصًّا بالجمعة، وحديث أبي قتادة عام في الجمعة وغيرها، ولا على تخصيصه بسقوط التحية يوم الجمعة من الوجوب لمعارضته حديث جابر، والله أعلم
الأمر الثالث:
أن حديث عبد الله بن بسر على البراءة الأصلية، وحديث جابر ناقل عنها، وشاغل للذمة، وعند التعارض يقدم الناقل عن البراءة الأصلية؛ لاحتمال تأخره؛ لأن الشريعة كانت تنزل شيئًا فشيئًا حتى أكمل الله لنا دينه، وأتم علينا نعمته، والله أعلم.
الدليل الثالث على استحباب تحية المسجد:
(ح-1095) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك بن أنس، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه،
أنه سمع طلحة بن عبيد الله، يقول: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة. فقال: هل
عَلَيَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«وصيام رمضان» . قال: هل علي غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» . قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع. قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق
(1)
.
وجه الاستدلال:
قوله: (هل علي غيرها، قال: لا إلا أن تطوع) نص في أن الزيادة على الخمس لا يكون إلا تطوعًا، وقوله:(أفلح إن صدق) صريح أنه لا يأثم إذا ترك غير الخمس.
• ونوقش هذا الجواب من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
لا يصح الاحتجاج بالحديث على سقوط ما وجب بأدلة أخرى؛ لأنه يلزم من ذلك حصر جميع الواجبات الشرعية بالخمس المذكورة في الحديث، واللازم باطل؛ للإجماع بأن واجبات الشريعة أضعاف ما ورد في جواب الأعرابي، فالشريعة كانت تنزل تكاليفها متدرجة بما تقتضيه الحكمة الإلهية، وبحسب حاجات الناس.
• ويناقش:
بأن إيجاب صلاة أخرى غير الصلوات الخمس، ممكن عقلًا، ولا يوجد ما يمنع منه شرعًا، ولكن لا نسلم أن هناك صلاة وجبت زيادة على الخمس بعد ذلك، لا تحية المسجد، ولا صلاة الوتر، ولا غيرهما، فقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن بوجوب الصلوات الخمس، لا غير، وكان ذلك في آخر حياته، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم، ومعاذ في اليمن، وقدم منها في خلافة أبي بكر رضي الله عنه
(2)
.
(1)
. صحيح البخاري (46)، ورواه مسلم (11).
(2)
. انظر ترجمته في السير (1/ 443 - 468)، والإصابة (6/ 136 - 138).
وقد روى مالك في الموطأ من رواية أبي مصعب الزهري (681)، عن طاوس اليماني أن معاذ ابن جبل الأنصاري أخذ من ثلاثين بَقَرَةً تبيعًا ومن أربعين بقرة مسنة
…
قال في آخره: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم معاذ بن جبل، وطاوس لم يسمع من معاذ. ورواه أبو داود في المراسيل (108)، وانظر علل الدارقطني (984)، والمسند المصنف المعلل (24/ 466).
(ح-1096) فقد روى البخاري ومسلم من طريق إسماعيل بن أمية، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد،
عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا رضي الله عنه على اليمن، قال: إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أوَّل ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم
(1)
.
(2)
.
وكلام ابن حبان يتوجه أيضًا لمن ادعى وجوب تحية المسجد زيادة على الخمس صلوات.
الوجه الثاني:
أن الجواب من النبي صلى الله عليه وسلم كان متوجهًا للصلوات الخمس اليومية الدائمة، وهذا لا ينافي وجوب غيرها، مما لا يدور يوميًّا كصلاة الجنازة مثلًا، ووجوب ركعتي الطواف والعيد على القول بوجوبهما.
• ونوقش:
بأن صلاة الجنازة لا يأثم بتركها، ولا تجب عليه إن قام بها غيره، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبره بما يجب عليه على الأعيان، وأما القول بوجوب ركعتي الطواف فهو قول مرجوح، ومثله القول بوجوب صلاة العيد، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى الخلاف في وجوبهما في موضعه من البحث، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
الوجه الثالث:
الحديث ينفي وجوب الواجبات ابتداء، لا الواجبات التي وجبت بسبب من
(1)
. صحيح البخاري (1458)، وصحيح مسلم (31 - 19).
(2)
. صحيح ابن حبان (6/ 177).
فعل المكلف كتحية المسجد والصلاة المنذورة، وركعتي الطواف، فالداخل هو الذي أوجب على نفسه تحية المسجد بالدخول.
• ويناقش:
القول بأن الداخل هو الذي تسبب في مخاطبته بالصلاة مُسَلَّم، وأما الذي لا يسلَّم، ويعتبر دعوى في محل النزاع القول بأن الداخل هو الذي أوجب على نفسه تحية المسجد، فهل كان الخلاف إلا في دعوى الوجوب، فأين الدليل على وجوبها؟
الدليل الرابع:
(ح-1097) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب، أخبره،
عن أبي واقد الليثي، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد، فأما أحدهما، فرأى فرجة في الحلقة، فجلس وأما الآخر فجلس خلفهم، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم: فأوى إلى الله، فآواه الله، وأما الآخر: فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر: فأعرض فأعرض الله عنه
(1)
.
وجه الاستدلال:
ظاهر الحديث أن من جلس في الحلقة لم يُصَلِّ تحية المسجد، فدل على عدم وجوبها.
فإن قيل: إن الحديث لم يتعرض لتحية المسجد لا في نفي ولا إثبات، وسكوت الراوي لا يمنع من احتمال الفعل، وعدم النقل ليس نقلًا للعدم.
• ورد هذا:
أن احتمال صلاة النفر الثلاثة لتحية المسجد مجرد احتمال، والأصل عدمه حتى ينقل.
• وأجيب على هذا الرد:
كون النفر الثلاثة لم يصلوا تحية المسجد هذا جاء على وفق البراءة الأصلية، وخبر أبي قتادة المتفق على صحته بالأمر بالصلاة إذا دخل المسجد ناقل عنها، وأكثر أهل الأصول يرجحون الخبر الناقل عن البراءة على الخبر المقرر لها، ولأن الأخذ بالناقل
(1)
. صحيح البخاري (474)، ورواه مسلم (2176).
فيه احتياط وخروج من عهدة الطلب، والله أعلم.
الدليل الخامس:
قال النووي: «يجوز للمحدث الجلوس في المسجد بإجماع المسلمين، وسواء أَقَعَدَ لغرض شرعي كانتظار الصلاة، أو اعتكاف
…
أم لغير غرض، ولا كراهة في ذلك، وقال المتولي: إن كان لغير غرض كره»
(1)
.
وقال أيضًا: «أجمع المسلمون على جواز الجلوس في المسجد للمحدث»
(2)
.
وإطلاق الجواز أي المقابل للتحريم، وإلا فالكراهة قد قيل بها من بعض السلف، فلو كانت تحية المسجد واجبة لاشترطت الطهارة لدخول المسجد؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، واختلفوا في دخول الجنب، فمنهم من منعه كالحنفية، والمالكية، ومنهم من أجاز المرور دون المكث كالشافعية، ومنهم من أجاز اللبث فيه إذا توضأ كالحنابلة، قال في الإنصاف: وهو من المفردات
(3)
.
قال الكوسج في مسائله لأحمد: يقعد في المسجد على غير طهارة؟
قال: أما غير طهارة فلا بأس، وأما الجنب فإذا توضأ، قال إسحاق: كما قال
…
(4)
.
• الراجح من الخلاف:
أرى أن القول باستحباب تحية المسجد أقوى من القول بوجوبها، وكون بعض الأدلة التي استدل بها الجمهور لا تسلم من المعارضة القوية، لا يعني ضعف القول بالاستحباب، فإنه يكفي أن يَسْلم للقول الراجح دليل واحد لا معارض له، وليس
(1)
. المجموع (2/ 173).
(2)
. شرح النووي على صحيح مسلم (3/ 192).
وقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (2/ 96): «وقد اختلف السلف في جلوس المُحدث في المسجد فروي عن أبى الدرداء أنه خرج من المسجد فبال، ثم دخل وتحدث مع أصحابه ولم يمس ماءً، وعن على بن أبى طالب مثله، وروي ذلك عن عطاء، والنخعي، وسعيد بن جبير. وكره أن يتعمد الجلوس في المسجد على غير وضوء سعيدُ بن المسيب، والحسن البصري وقالا: يمر مَارًّا ولا يجلس فيه» . وانظر: التوضيح لابن الملقن (5/ 528)،
(3)
. فتح القدير لابن الهمام (1/ 165)، الفتاوى الهندية (1/ 38)، التاج والإكليل (1/ 463)، شرح الخرشي (1/ 174)، الإنصاف (1/ 246)، شرح منتهى الإرادات (1/ 82)، كشاف القناع (2/ 368).
(4)
. مسائل أحمد وإسحاق (2/ 740).
من شرط القول الراجح أن تكون جميع أدلته سالمة من الاعتراض، وحسبي لضعف القول بالوجوب أن هذا الفقه عارٍ عن فقه الصحابة، وفقه التابعين، وفقه تابعيهم بإحسان، ولا يعرف هذا إلا بعد إدبار القرون الثلاثة المفضلة، فلو كانت واجبة لكان أولى من يقول بهذا الحكم من كان تعلقهم في المسجد أكثر من تعلقهم في بيوتهم، وأسواقهم، ولا تنزع الحكم من دليله حتى يكون محاطًا بنور من فهم الأئمة، ولا ترع سمعك لمن يقول لك: أقول لك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: قال فلان وفلان، فإنما هذا رجل يدعوك لتقدم فهمه هو لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم على فهم أمة من السلف، هم أعلم بدلالات النصوص، ومعاني الألفاظ وأحكم في معرفة مقاصد الشريعة، وإن طالب العلم أوثق لدينه، وأحكم لفقهه أن يقدم فهم الأئمة للأدلة على فهمه هو، أو فهم متأخر لم يتجاوز في نظره لحكم النص على دلالة النص اللغوية، ولم يكلف نفسه النظر إلى عمل الصحابة، وهم أهل اللسان، وفهم الأئمة من أصحاب القرون المفضلة، وهم أهل الفقه والاستنباط، وإن اللغة العربية هي إحدى الأدوات لفهم النص، وليست الأداة الوحيدة، فالمعنى الشرعي قد يكون أخص أو أعم من المعنى اللغوي، كما ذكرته لك عند الخلاف في معنى اشتمال الصماء، وكما أكدته لك عند كلامي على جراءة بعض المعاصرين في تحريم الأخذ من اللحية احتجاجًا بدلالة (أعفوا اللحى) اللغوية، وكما حصل انحراف المرجئة في تفسير الإيمان استنادًا إلى الحقيقة اللغوية، وليس هذا خاصًا في العبادات، فالربا لا يمكن فهمه استنادًا إلى اللغة، فهناك زيادة محرمة، وهناك زيادة مباحة، واللغة لا تفرق بين هذا وذاك، وكل البدع والتأويلات
الفاسدة جاءت من خلال هذا المسلك، فلا تجد بدعة ولا تأويلًا فاسدًا إلا وتجد أن أهلها أتوا من اعتمادهم على ظواهر بعض النصوص أو بعض العمومات، ولم يستوفوا أدوات فهم النص من خلال تناول النص بفهم الصحابة رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسان، والله أعلم.
* * *